المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية هل يخطئ القلب - (مارجرى هيلتون ) احلام مكتوبة



رفيلة
13-01-2011, 10:01 AM
http://up.z7mh.com/upfiles/blr03680.gif (http://up.z7mh.com/)


رواية هل يخطئ القلب
من روايات احلام المكتوبة
قراءة ممتعة



الملخص



كانت تفكر فى كلمات مناسبة لشكره ، عندما اتتها كلماته المهينة : "ان مرافقة الرجال ليست بالعمل السهل المريح ، وتذكرى اننى فى المرة القادمة لن اكون موجودا لانقاذك "
قبل ان تنسى تاثير كلماته ، وجدت ناتالى نفسها سكرتيرة له . وهو ، كولتر كراين صاحب الشركة واكثر الرجال سحرا ، يطلب منها عملا اضافيا : ان تكون امراته لفترة ، امرأة الرئيس
ناتالى لم تكن تتصور ان خطا صغيرا قد يقودها الى هذا المازق ، وها هى فى النهاية تجد ان كل الاخطاء يمكن اصلاحها الا اخطاء القلب


الموضوع منقول من منتديات ***** الثقافية
صاحبة الموضوع dede77

رفيلة
13-01-2011, 10:03 AM
احضان التنين



جاءت ناتالى لانغستون الى المدينة الساحرة المتحررة نيويورك . وفى هذه المدينة هناك دائما ما هو جديد يحدث وهناك يبدا الناس مستقبلا جديدا ويقابلون اناسا مثيرين للاعجاب ، حيث الفتيات يلتقين رجالا ديناميكيين ، ويدرن فى دوامة المرح . لكن هذا لم يحدث لناتالى حتى الان 0
صحيح ان دوامة المرح هذه تدور مع زميلاتها فى الشقة جاين ، ناتالى ، وجول ... ويبدو انهن يركبن جيادها المزخرفة دائما ... يرافقهن رجال يتكلمون لغة لم تستخدمها ناتالى من قبل فى قريتها الريفية الصغيرة مسقط راسها التى امضت حياتها كلها فيها والتى لم تتركها الا منذ اشهر ثلاثة ... الا ان تلك الدوامة لم تخفف سرعتها قط لتتمكن ناتالى من ارتقائها وتسلقها . فهى مازالت الطفلة التى تقف جانبا تراقب الانوار الساطعة وتستمع الى الانغام الموسيقية 0
منذ وصولها اخذت ناتالى تعمل بجهد وكد لتكتسب وسامة بنات المدينة ، ونجحت فى ذلك بعض الشئ فافتخرت بنفسها اذ ما من احد قد يعتقد ان وراء مظهرها المتانق ببراعة تختبئ فتاة جاءت من مقاطعات البلاد الداخلية ، وادركت متالمة ، ان الحقيقة والخيال امران مختلفان . فالامر لا يقتصر على مظهر الفتاة فقط بل على الشخصية المناسبة فابنة عمها جول تملك هذه الشخصية المفعمة بالثقة والشجاعة وحب الحياة ... لكن جول ومنذ صغرها كانت تملك هذه الثقة والشجاعة ... عكس ناتالى ... التى مازالت تتذكر كلمات جدتها الحادة فى طفولتها : جول تشتريك فى اول الشارع لتبيعك فى اخرة يا فتاتى ... يجب ان تتعلمى الوقوف على قدميك وحدك فى الدنيا 0
وها هى تتعلم ، لكن بطريقة قاسية ... صبت لنفسها فنجان شاى ، مبعدة عن ذهنها قطار التفكير ... فمن المفرح اكثر استبدال هذا القطار بصور السيد كليفس 0
السيد كليفس هو مدير دائرة الموظفين فى مؤسسة " كراين " مؤسسة تصنيع العطور ومواد التجميل التى تعمل بها ناتالى فى مكاتبها سكرتيرة ...الفتيات العاملات جميعهن هناك مجنونات بشعره الاشقر وتقاسيم وجهه الطفولية ، وسحره الجذاب ... مع ان ما من واحدة منهن نجحت فى الوصول اليه حتى الان .... وكانت ناتالى تحلم سرا فى ان تكون هى الفائزة ... فغريزتها كانت تقول لها ان العجلة ستدور وستصبح فى القمة وستكون موضع حسد ، الفتيات كلهن ما من واحدة تجرات على ان تصوب هدفها الى شخص اخر غير السيد كليفس ، بالطبع ، الا الى السيد كولتر نفسه . السيد كولتر كراين الذى يشتهر بانه اكثر الرجال سحرا وتاثيرا فى النساء ... انه مزيج ، يذيب عظام الاناث 0
ما ان دخل روبرت كليفس المكتب الكبير من باب مكتبه المشترك حتى دبت النشوة فى رؤوس الفتيات . كان يرتدى سروالا رماديا ضيقا وقميصا احمر ، وبدا فى هذه الملابس ساحرا كعادته 0
بالطبع تظاهرت الفتيات بالطباعة على الالة الكاتبة بسرعة تحاول كل واحدة منهن التاثير به بكفاءتها . لكن عيونهن بقيت مسمرة على الباب الذى عبره متابعا سيره ، والذى سيظهر منه بعد عودته من جولته ... عندما حلت تلك اللحظة ارسل للفتيات الخمس العاملات معا ابتسامة مدمرة ، ثم توقف امام طاولة ناتالى . مال نحوها ، ولمس خدها تحببا : امازلت تحافظين على ورود وعسل الريف فى خديك ؟
ثم تابع سيره ... لكن الورود والعسل اصبحت اشد احمرارا من الشمندر ، او هذا ما احست به ناتالى ... لكن شارون ، كبيرة العاملات الصغيرات ، همست : هاى ... ماذا يجرى ؟
فارتسمت بسمة على وجه ناتالى ، وساحت عيناها فى حلم وردى واستسلمت الى الخيال ونسيت نفسها وما يحيط بها ... ربما جذبته اخيرا ... ! فهل سيشير اليها فى المرة القادمة ؟ ماذا لو دعاها حقا الى الغداء او العشاء ؟ او لحضور السينما ... او الى نزهة فى الريف فى سيارته الفاخرة ... ماذا ستحس يا ترى لو عانقها ... ؟
-اتحلمين ثانية يا ناتالى ؟
اجفلت ناتالى لانها لم تسمع احدا يدخل الشقة ... ولكن جاين ، احدى الفتيات الثلاث اللواتى يشاركنها الشقة ، دخلت الغرفة مبتسمة ... ثم جلست قربها متنهدة ، بعدما بعدما بقيت صامتة للحظات ، ثم سالتها بعفوية : هل لديك ما تفعلينه الليلة؟
فالتفتت ناتالى بعنف نحوها : اذا كنت تعنين اننى قد اساعدك فى تنظيف الشقة ... فلا ! انه دورك !
ضحكت جاين : لم اكن ساطلب منك هذا ... لدى اقتراح افضل بكثير لهذه الليلة 0
سالتها بارتياب لانها تعرف طريقة احتيال جاين عندما تريد شيئا : مثل ماذا ؟
اتذكرين اننى ذكرت لك اليكس سميث ، منتج التليفزيون ؟
-وكيف انسى ؟ ... حسنا ما بشانه ؟
-لديه قصة مسلسل جديد ، ويظن ان لى دورا رائعا ... ويريد رؤيتى الليلة 0
-مبروك !
كان سرور ناتالى حقيقيا ، فزميلتها جاين ممثلة طموح ، مضى عليها وقت طويل دون عمل دائم ، وقد اضطرت للقبول بعدة اعمال بعيدة عن طموحها ... لكن ، كما تقول جول ، ابنة عم ناتالى واحدى الفتيات الثلاث المشاركات فى الشقة ، جاين قادرة على العناية نفسها ...
-شكرا ... لكن لسوء الحظ لن استطيع الذهاب 0
-لن تستطيعى الذهاب ! ... لماذا ؟
-من المفترض ان اكون فى مكان اخر ... اوه ... لو عرفت انه سيتصل بى ، لما قبلت بهذا العمل الجديد ! هل لك ان تساعدينى ... ارجوك ناتالى ؟
-لكن ... كيف ؟
-قومى انت بعملى الجديد الليلة ، وساحبك الى الابد 0
-اى عمل ؟ انا لست ممثلة جاين ؟
-هذا العمل لا يتطلب منك ان تكونى ممثلة ! الامر سهل جدا ... كل ما عليك فعله هو الخروج الى العشاء الليلة ... فى ملهى " زمردة الكاريبى " ... انه ذلك الملهى الجديد ...
-عشاء ؟ من ؟ انا ؟ فى ملهى ... عم تتكلمين جاين ؟
-الامر سهل حبيبتى ... لا تتوترى ! اسمعى ... جاد ، وكيل اعمالى ، دبر لى هذا العمل فى الصباح ، وهو غالبا ما يقوم بذلك لنا ... انه يعنى على الاقل خمسين دولارا وعشاء فاخرا مجانا . لكن اليكس اتصل بعد الظهر ، وعندما حاولت الاتصال بجاد لاتخلص من هذا العمل لم اجده ... والفرصة امامى لن تتكرر ثانية ، اليكس منتج تليفزيونى مشهور ، انتاجه معروف فى العالم كله ... وقد يوصلنى العمل معه الى هوليود ! اوه ... ارجوك ناتالى ... قولى انك ستقبلين
!
فهزت ناتالى راسها : دعينى افهم جيدا ... سيدفع لك المال مقابل الخروج للعشاء هذه الليلة فى " زمردة الكاريبى " لكن مع من ؟
فهزت جاين كتفيها : لست ادرى ! اشخاص مهمون يزورون المدينة ، يحتاجون الى رفقة امرأة فى امسياتهم . فعلت هذا من قبل ، فيه اجر وفير ، وعشاء مجانى0
توقفت جاين ، ثم انفجرت ضاحكة وهى ترى بغتة وصدمة وجه ناتالى الصغير 0
-يالبراءتك ! لن نشاركهم فراشهم الا اذا شئنا نحن ذلك . فى الواقع قابلت بعض من سحرنى فى هذا المجال 0
-صحيح ؟ اوه ... لا ... انا اسفة جاين ، لا استطيع فعل هذا ! ... لا استطيع 0
وقفت ناتالى وبدات تلملم اطباق الطعام والقهوة ... وساد صمت لا يقطعه سوى صوت تحرك جاين على الاريكة ، ثم قولها بحزن : هذا ما كنت اخشاه ... باتى لديها موعد الليلة ... كانت ستذهب بدلا عنى دون تردد . اوه يا ربى ... ماذا افعل؟
اجابت ناتالى بصوت عطوف : لست ادرى ...
تمنت من كل قلبها لو تستطيع مساعدتها ، لكن ماذا ستقول جول عنها ؟ جول تحس ببعض المسؤولية تجاة ناتالى الصغيرة نسبيا ... بل ماذا ستقول جدتها لو عرفت ؟
عادت جاين الى الكلام : ها قد كررتها ثانية ! ... قلت لاليكس اننى سالقاه عند الثامنة بينما من المفترض ان اكون فى فى الفندق فى الوقت نفسه اسال عن السيد كاربنتر . فكيف ساكون فى المكانين معا بحق الله ؟ فليخبرنى ... احد !
راحت تندب حظها العاثر فالتفتت ناتالى اليها : اوه ... انت لم تفعلى هذا بالتاكيد ... هل وافقت على الموعدين ؟
-وماذا كنت اقول لك اذن ؟ بالطبع هذا ما فعلته . كنت واثقة ان باتى ستحل مشكلتى ... فهى مدينة لى بجميل . لكننى نسيت ان لديها حفلة خاصة الليلة ... ولن تعود الى الشقة . اوه ... ناتالى ... !
سيغضب جاد كثيرا اذا خذلته الليلة ، انا مدينة له ! وان خذلت اليكس فسيعرف انه لايمكن الاعتماد على ولن احصل على فرصة اخرى 0
فعضت ناتالى شفتها ، ثم سالت : وماذا ... تفعل فتاة المرافقة هذه ؟
-اوه ... لاشئ ، ترتدى افضل ما عندها ، تحاول ان تكون ودودة حلوة ساحرة . تاكل ما ياكلون ، اعنى ... اذا ارادوا اكل الضفادع او ما شابه ، لا تظهرى الاشمئزاز ... بامكانك فعل هذا بسهولة ناتالى . ارقصى معهم اضحكى لنكاتهم ، حتى ولو كنت قد سمعت هذه النكات منذ سنوات . ثم اصرت على وضعك فى تاكسى عند منتصف الليل تماما ... اظن ان رجل الليلة من تكساس ، وانت فتاة ريفية ... ربما ستجدان شيئا مشتركا بينكما 0
ابتسمت ابتسامة شاحبة وفى عينيها رجاء . فقالت ناتالى بصوت ملؤه الشك : ايمكن هذا ؟
-بالطبع ... لكن انسى الامر . ما كان يجب ان اطلب منك هذا . شكرا لاهتمامك ... انت فتاة طيبة ، ارجو الا تفسد الحياة طيبتك 0
وقفت جاين ، واستدارت مبتعدة ... فجاة توصلت ناتالى الى قرار ، فصاحت : لا ... انتظرى ! لكننى اريد فقط التاكد من شئ واحد ... لو قبلت ، فهل انت واثقة ... ان الامر ليس كما سمعت ... ؟ اعنى اننى لن اضطر الى ... ؟
فبدات جاين تضحك : اوه ... يا حبيبتى ! لا ! الامر كما قلته لك تماما . كل ما عليك فعله هو الحفاظ على توازنك ، والتاكد من ركوب التاكسى عند منتصف الليل تماما . اسمعى ... لن يغوى رجل فتاة فى ملهى مكتظ بالناس او على حلبة الرقص ! ولو اصر على تمديد السهرة الى ما بعد منتصف الليل فاصرى على ان اسمك سندريلا وانك لا تظنينه قادرا على لعب دور الامير هذه الليلة . واذا واجهت مشاكل ، قولى له صراحة انك نفذت ما عليك من الاتفاق واطلبى من بواب الملهى استدعاء سيارة اجرة لك . وهذا كل شئ !
صمتت ناتالى فترة طويلة ، ثم ضحكت : انت دون شك تحسبيننى ساذجة !
فهزت جاين راسها : فى الواقع اظنك حكيمة . لكن من السهل التورط باعمال ملتوية اذا كنت لا تعرفين طريق الخلاص ... طبعا بعض الفتيات يفعلن اى شئ مقابل المال . لكن هل تعنين حقا انك ستقومين بهذا العمل عوضا عنى ؟
هزت ناتالى راسها ايجابا ، فصاحت جاين فرحة : اوه ... انت ملاك رائع ! سارد لك الجميل يوما . اعدك ... والان ... ماذا سترتدين ؟
بعد نصف ساعة ، كانت ناتالى تقف امام المرآة مذهولة وهى ترى فستان جاين عليها ... فستان بسيط من الحرير ينضم فى الاماكن المناسبة وسنتشر حرا فى اخرى ... وكان من الافضل جدا ، الا ترى كم يكشف ظهر الفستان من الخلف . قالت لها جاين ببعض الحسد : انه يبدو اجمل عليك ... لديك جسد رائع ! يالك من محظوظة !
احمر وجه ناتالى ووضعت يدها على صدرها المكشوف خجلا . لم تعتد الحديث عن سحر جسدها هكذا ... ماذا ستقول جدتها ؟ ... وهذا ماجعل جاين نضحك دون ارادة 0
-اوه ... ناتالى ... انت لاتقدرين بثمن ... حذار ان تتغيرى ابدا . يوما ما سيقع رجل سمارى فى حب براءتك وسيمضى الليالى الهانئة فى تعليمك معنى الحياة 0
فقالت ببرود : اعرف كل شئ ... والان اليس من الافضل ان نتحرك ؟
تراجعت جاين الى الخلف تتاملها : اجل ... لن تكونى افضل مما انت عليه ، تذكرى فى المستقبل عندما تشترين قيابك ان تتجنبى ما هو مبتذل ورخيص منها ... فالرجال يكرهون ما هو مبتذل فى الملابس 0
نظرت من جديد الى ناتالى الجديدة واحست بسعادة سرية وهى ترى تسريحتها الجديدة التى اعدتها لها جاين والماكياج الذى وضعته لها باصابعها البارعة الخبيرة ... فقالت : بدات احس كاننى ساندريلا ...
-عظيم ... لقد وصلت عربتك ... هل كل شى معك ؟ تعالى ساوصلك الى السيارة 0
لكن ما ان جلست فى التاكسى وصدى صوت جاين يتمنى لها حظا سعيدا حتى راحت تفكر فى ما ورطت نفسها به ؟ ملابس مزخرفة مستعارة ، عشاء فى ملهى حديث ... لم تسمع به او بامثاله قط فى قريتها ...
ماذا لو كان من ستقابله شخصا كريها ؟ ماذا لو لم تستطع التفكير فى شئ تقوله خلال السهرة ؟
شقت السيارة طريقها عبر المدينة وصولا الى وجهتها . وتوقفت فى المكان المحدد فترجلت قلقة من ارتجاف ساقيها ... ونقدت السائق اجرته ثم قصدت مدخل الفندق ، تحاول ان تبدو وكانها معتادة على دخول اماكن كهذه يوميا 0
لكن الامر كان اسهل مما كانت تخشاه ... اذ اسرع اليها رجل قبل ان تصل الى الاستعلامات يسال : عذرا ... هل انت الانسة ماك كاى ؟
نظرت اليه فوجدته رجلا فى منتصف العمر اسمر اللون بفعل حرارة الشمس ، فتسارع الرد السلبى الى فمها ... لكنها تذكرت تعليمات جاين واسمها : اجل ... وهل انت ... ؟
-سام كاربنتر ... تشرفت بمعرفتك انسة ماك كاى 0
مدت يدها الى يده الممدودة وقالت بارتباك : لم اتوقع ان اجدك بسرعة 0
-سام كاربنتر لا يترك سيدة تنتظره ابدا ! اتودين شرب شيئا اولا ، ام نذهب ؟
ارادت ان تذهب ، لكنها تذكرت تعليمات جاين : الزبون هو من سيدفع ! فابتسمت : لك ما تريد سيد كاربنتر 0
-نادنى سام ... اظن ان من الافضل الذهاب الى العشاء ؟
احنت راسها موافقة ، فامسك بذراعها بطريقة متملكة ورافقها خارج الفندق . فى التاكسى التصق بها اكثر من يلزم ... فاحمر وجهها من القلق . داخل السيارة المظلم كان يمنع اضواء المدينة من الدخول ، وهذا ما يشكل جوا قد لايتردد اى رجل فى استغلاله ... ففكرت : دعيه يتكلم ... سالته كيف يجد نيويورك فاجاب : لاباس بها . ما تزال كما هى ، لكنها اتسعت ارجائها . كيف هو هذا الملهى الجديد ؟
-لا اعرف ... لم ادخله من قبل 0
-هذا يجعلنا اثنين . هه ؟ كنت اظن ان فتاة مثلك تعرف الكثير عن المدينة ... لكنه اخر صرعة فى هذا المجال ؟
ليته يعلم ! وسارعت لترديد الوصف الذى قدمته لها جاين : اوه ... اجل ! الديكور غريب ، وهناك بحيرة صغيرة فيها اسماك ونباتات استوائية حقيقية 0
فسالها باثارة : والساقيات يتمايلن بتنانير من العشب فقط ليس فيها شئ اخر ؟ ساقص على رفاقى ما ساشاهده !
-هل انت فى عطلة هنا ؟
-لا ... بل فى عمل 0
-وهل رحلتك ناجحة ؟
-هذا ما ساعرفه لاحقا ... لكن دعينا لا نتكلم عن هذا ايتها الحلوة ... هه ؟
ساد الصمت من جديد وهبطت معنويات ناتالى ... انها لم تنجح مرافقة . ما من شك انها تحير مرافقها ، فثمة جو من السام قادم . لكنها لمحت من زجاج التاكسى شجيرات النخيل الخضراء تضئ وتطفئ خارج زمردة الكاريبى اطمان بالها ... فستكون الامور اسهل وهما يتناولان الطعام وسط الاضواء والموسيقى 0
لكن الامر لم يكن هكذا . فلو كانت اكثر خبرة فى طبيعة الرجال لعلمت ان سام كاربنتر اكثر توترا منها . فسام فى منطقته رجل مزارع ، يلازم الاندية ، يانس الى النكات المزدوجة الحد غير الجارحة ... وهو ذو قلب طيب كافضل انسان . لكنه بعيد عن كل هذا وعن زوجته الدائمة الشكوى لذا فهو ينوى قضاء وقت ممتع والقيام بمغامرة يستطيع التفاخر بها على اترابه عندما يعود ... ولم يكن قلقا بشان ما سيدفعه ثمنا لكل هذا 0
لم يكن لدى المسكينة ناتالى فى البداية شك فى مدى خطا جاين فى تقديرها . فاخر شئ يفكر فيه سام كاربنتر مرافقة فتاة ريفية بريئة ، اثرت فيها تربية القرية ، فتاة ذات اخلاق بعيدة كل البعد عما كان يامل به 0
وفعلت ناتالى ما بوسعها ... فابتسمت لنكاته الجارحة ... وتحملت الفته التى اصبحت اكثر وضوحا مع مرور السهرة ، ومع ازدياد تاثيرها على ثقته بنفسه ونزاهته ... كان يتحدث بصوت مرتفع ويضحك بطريقة فظة ويرقص بطريقة بعيدة عن الاحتشام فقد راح يضمها بين ذراعيه ، ويضغط يده المترهلة الحارة على ظهرها العارى 0
كرهت كل لحظة امضتها معه ، ولولا وعدها لجاين لهربت منه قبل ان ينتصف الليل الذى هو على ما يبدو بعيد بعيد 0
عندما كانا يتناولان الحلوى بعد العشاء ، وصل اربعة اشخاص الى الطاولة المجاورة ... احدهم رجل مسن يرافق امرأة شابة جذابة لهجتها انكليزية . واما الثانى وهو ما لفت انتباة ناتالى فكان طويلا ... جميل المظهر ، ارتفع فكه والنظرة فى عينيه يوحيان بشخصية قوية . وبدت الفتاة مهتمة به جدا ، ترمقه بنظرات ذات معنى وتميل براسها بكل ثقة نحوه ... تحاول مرات عدة الاقتراب منه ليلامس شعرها الاحمر الناعم شعره البنى الكثيف 0
-اسكب للسيدة كوب اخر 0
صوت سام الاجش ابعدها عن ذلك الرجل وردها الى الجالس قربها . فسارعت الى وضع يدها بحزم فوق الكاس مانعة الساقية من سكب شئ فيه : لاتكونى سخيفة !
يد سام المترهلة الضخمة حاولت الامساك بيدها لابعادها جبرا عن الكاس . بينما كانت تقاومه وقعت الكاس وسال الشراب الاحمر منها على غطاء المائدة الناصع البياض 0
عندئذ تمنت ناتالى لو تنشق الارض وتبتلعها لكن الساقى اسرع يغطى البقعة بمنديل الطعام وتمتم مطمئنا ناتالى التى اصطبغ وجهها بلون قرمزى . وتعالى صوت مرافقه ، يامر باحضار كاس اخر لها ...
نظر اليهما من كان على الطاولة الاخرى بازدراء متعجرف ... رفعت بصرها فقابلت نظرة الرجل الرمادية الباردة ، وقرات السخرية فى عمق عينيه ... فارتجف فمها ، لكنها رفعت ذقنها بكبرياء ... فلا حق له ان ينظر اليها على هذا النحو مسيئا بذلك الحكم عليها ...
الزمت نفسها على تجاهل الغريب ... وعلى التظاهر بانها تتسلى وتسلى ... بينما الدقائق فى الواقع تمر بطيئة معذبة اياها . رقصت ثانية مع شريكها الثقيل تعانى من يديه الساخنتين الناضحتين عرقا ومن انفاسه الكريهة الرائحة . مستمعة الى نكاته البذيئة وهما معا على الشرفة التى تطل على البحيرة الاصطناعية ... واخيرا وصلت عقارب ساعتها الى الثانية عشرة الا خمس دقائق . فاخذت نفسا عميقا وقالت مرتجفة : اظن الوقت قد حان للذهاب سيد كاربنتر . لقد بلغت الساعة منتصف الليل 0
-عظيم ... ا ظننتك لن تقولى هذا ابدا !
شكرا ... ساحضر معطفى 0
اسرعت مبتعدة تغمر قلبها السعادة لانتهاء عذابها ... فبعد ربع ساعة ، مع قليل من الحظ ، ستكون فى المنزل ، تخبر جاين ما حصل معها وتسمع منها الشكر والاطراء ... كل ما عليها قوله الان وداعا ... ولو كانت تعرف مدخل الخدم الخارجى لاستخدمته 0
سام كاربنتر كان ينتظرها عند مدخل غرفة الملابس : والان يا حلوتى ... الى منزلك ام الى الفندق ؟
اتسعت عينا ناتالى ذعرا : ماذا ؟ انه منتصف الليل وانا ...
لف ذراعه حول خصرها يجذبها اليه : وان يكن منتصف الليل ؟ فالليل ما يزال فى ريعان صباه ... ونحن سنذهب الى ...
-لا !
لاحظت استدارة الرؤوس نحوها ، فاخفضت صوتها بخجل : انت تعرف جيدا سيد كاربنتر ان السهرة انتهت ، والعقد بيننا كان ...
-لا تتظاهرى بالحياء زهرتى ... اعرف هذا كله فلا تقلقى ... فالحساب سيكون بيننا بعد منتصف الليل ... لذا دعينى ارى بسمتك الجميلة ثانية ... فانا رجل كريم ... وستنالين ما تريدين ، حبى !
فجاة مدى يده اليها ثانية فمررها على مؤخرتها ... بينما انحنى بشكل احمق يداعب اذنها 0
-توقف ! ... كيف تجرؤ ؟
منعا من التسبب بفضيحة ... هربت منه متجة الى مدخل البهو ... وليس فى بالها الا الهرب ... فاندفعت دون وعى عبر جمهرة من الناس 0
لكن سام كاربنتر لم يكن بليدا اذ سرعان ما امسك بها عند الباب
-مهلك لحظة ! اذا كنت تظنين ان بامكانك الهرب منى هكذا يا فتاتى ... بعد ...
-ارجوك ... دعنى اذهب !
رطبت دموع الاذلال عينى ناتالى وهى تحاول التخلص من قبضته على كتفها ... ثم وقف ظل اسود امامها 0
-اتريدين مساعدة ؟ ام ان الامر خصام بين الاحبة ؟
رفعت ناتالى راسها فوجدته الغريب الذى كان جالسا على الطاولة المجاورة ... فى عينيه ثلج بارد وعلى فمه غلظة وشدة وعلى وجهه نظرة تنتقل من وجهها المكتئب الوجل الى وجه رفيقها الغاضب وقالت مرتجفة : اوه ... اجل ... ارجوك ... انه ...
فقال كاربنتر : انتظر لحظة الان ! لا تتدخل فى هذا ! لقد دفعت خمسين دولارا لاجل ...
فقاطعته ناتالى تتمسك بذراع الغريب : لا ! ... كان هذا للسهرة فقط ... حتى منتصف الليل ! وهو الان يريد ....
-ثمة خطب ما ؟
تقدم رجل ضخم يرتدى ثياب سهرة فوقف امامهم ، وعلى وجهه تعبير بارد فاجابه الغريب الطويل : لا شئ لا يمكننا حله 0
واستدار الى ناتالى ، ينظر الى الوجه الصغير البائس ، والانامل الناعمة التى ما تزال تتعلق بكم سترته وكانها تتعلق بحبل نجاة : هل انت فتاة مرافقة ؟
-لا ...
ثم تذكرت ، فتمتمت ببؤس : الامر صحيح ... ويمكنك التاكد ان كنت لا تصدقنى0
اعطته عنوان وكيل جاين ... وهى تدعو الله ان تكون جاين صادقة ... هز الرجل الضخم راسه وكانه المدير ، فقال الغريب الطويل : تاكد من حصول هذا السيد على سيارة ... واعتذر عنى من ضيوف الطاولة رقم عشرين ... سانضم اليهم باسرع ما يمكن 0
امسك بمرفق ناتالى باصابع فولاذية . واسرع يغادر المدخل قبل ان تعرف ما يحدث ... ضرب الهواء البارد المنعش وجهها الحار الاحمر ، وسمعت صوت كاربنتر المعترض يختفى بعد اغلاق الابواب الزجاجية وراءهما 0
لكن قبضة الغريب لم تخف عنها ... وسار عبر الرصيف المظلم يقودها بحزم وفتح باب سيارة بورش مذهلة حديثة . ودفع ناتالى بخشونة ... وعندما نظرت اليه بخوف قال : اصعدى فى السيارة ولا تجادلينى 0
-لكن ...
-قلت اصعدى ... الا اذا احببت انتظار زبونك ليلحق بك 0
فصعدت ناتالى ، تدعو ربها بائسة الا يكون هناك اسما مما مر بها . وصفق الغريب باب السيارة قبل ان يدير المحرك 0
-اين تسكنين ؟
-لست ... لست مضطرا ... لاصطحابى الى الم ... المنزل ، يمكننى استئجار سيارة0
-من الافضل ان انهى بنفسى عملية انقاذك 0
لهجته صارمة ، حركاته حادة ... وانطلق بالسيارة يقول : الى اليمين ام الى اليسار ؟
-لس ... لست ادرى ... جاء التاكسى من الناحية الاخرى ... لابد انه شارع باتجاة واحد 0
-الا تعرفين اين تسكنين من المدينة ؟ جنوبا ... شمالا ... شرقا ... غربا ؟ حتى اسلك طريقى فى الاتجاة الصحيح . الا تتذكرين بالضبط اين تعيشين ؟
وبصوت رقيق خافت اعطته العنوان ... ثم ساد صمت بارد فى السيارة ... استمر خمسا وعشرين دقيقة حتى وصلا الى مكان سكنها ... لم تطمئن الا لرؤية واجهة المبنى الطويلة ، والنور الودود فى الطابق الاول ... لابد ان شخصا ما يزال صاحيا ... ربما جاين تنتظرها بلهفة ... لتسمع ما جرى ... وكيف ! فتنهدت بعمق0
امسكت بحقيبه اليد استعدادا للنزول ، وسرقت نظره من وجه منقذها ... ثم بللت شفتيها وقالت : لطف كبير منك ان توصلنى الى منزلى ولست ادرى كيف اشكرك ... سيد ... سيد ...
تجاهل ترددها المتسائل لمعرفه اسمه وقال : كان من الممكن ان يقترح زبونك طريقة للشكر 0
اجفلت ناتالى : اوه ... هل تقول ...
دون كلام وبسرعة مدت يدها الى مقبض الباب ... فلمس زرا امامه اضاء به سقف السيارة ونظر الى وجهها الاحمر الصغير الخائف : لا ... ايتها الحمقاء ! كان يجب ان تتوقعى ما حصل ... ام انك جديدة على الامر كله ؟
وعادت كبرياءها الجريح . فتصلبت : ماذا تعنى ؟ جديدة على ماذا ؟
فضحك بازدراء : ستتعلمين بسرعة ... اذا بقيت فى هذا العمل طويلا 0
لم يعد هناك مجال للخطا فيما يعنيه ... فنسيت ناتالى فتح الباب واغلقت قبضتيها ... وسرت فى عروقها ثورة غضب : كيف تجرؤ على الاشارة اننى ... ؟ هذا غير صحيح ! هل تظن اننى تمتعت ... مع ذلك ... الرجل الوحش ومخالبه الفظيعة ؟ كان الامر فظيعا ! لا احتمل ان يلامسنى احد هكذا ... ثم انا ...
-ستضطرين للتعود ... اليس كذلك ؟ او ...
-كيف تجرؤ على اهانتى ؟ انا لست ...
فقاطعها : انا لا اهينك . بل اقول امرا واقعا ... اسمعى انسة براءة ، ايتها الصغيرة المرافقة . من الواضح انك ما اعتدت على الخشن مع ما هو ناعم ... ولسوء الحظ هذا امر ضرورى اذا اردت الحصول على مال سهل ... اوه ... انسى الامر . لكن تذكرى ... فى المرة القادمة لن اكون موجودا لانقاذك 0
بدات تحس بانها فقدت الملاذ الامين ووقعت فى احضان التنين . فقالت شاهقة قبل ان تتمكن من فتح الباب : لست ... لست ادرى اذا ... لماذا ... ازعجت نفسك ... ظننتك لطيفا و ... وبدلا من هذا انت ...
-انا اترك ضيوفى منتظرين واتصرف كغبى ياسف على فتاة سخيفة صغيرة يبدو من الاجدى لها ان تنام مع لعبتها المفضلة بدل الخروج الى شوارع نيويورك !
كادت ناتالى تقع من السيارة من جراء سرعتها بل انها نسيت الشكر ، واستدارت تقفل الباب ، فمد نفسه نحوها ليقول : انسى الاضواء ... انها مخادعة ! وابحثى عن وظيفة ثابتة فى مكتب او محل ملابس اة اى شئ ... تصبحين على خير !
بينما كانت تقف فاغرة فمها نحوه ، مد يده وصفق الباب ... ولم يلبث ان هدر محرك السيارة وابتعدت اضواءها الحمراء فى الظلام . فوقفت عند المنعطف ترتجف من الغضب والالم والاذلال 0
اخيرا دخلت المنزل ... تصب القصة على اذان جاين وتتلقى شفقتها . وتتوسل اليها : عدينى الا تقولى لابنة عمى جول ... ستجن غضبا لو عرفت !
-لا تخافى ... لن ابلغها !
كانت تعرف ان موقفها امام جولى لن يكون سهلا اذا عرفت بالخبر . وقادت ناتالى التى ما زالت ترتجف نحو الفراش ، تحمل لها كوب الحليب بالكاكاو : اسفة جدا لما سببته لك ... يا حبيبتى ... لم افكر ... فللوكالة قوانين ... محترمة ... والان اشربى هذا وانسى الامر كله 0
لكن الكلام اسهل من الفعل 0
شربت ناتالى الشراب المهدئ للاعصاب ، ثم استقرت تنشد النوم وهى تعلم جيدا ان النظرة الاخيرة المزدرية التى رمقها بها ستبقى محفورة فى ذهنها فترة طويلة0

رفيلة
13-01-2011, 10:04 AM
من يستطيع المقاومة ؟


عند حلول نهاية الاسبوع الثانى ، نجحت ناتالى فى ابعاد تاثير تلك الحادثة عن تفكيرها ... فغدت من الماضى . لكن ذكرى ذلك الغريب كانت غالبا ما تقتحم باب ذكرياتها ، تطالبها بالاعتراف بها وتجلب معها احساسا بالخزى والغضب ... فالامر لم يكن منصفا لها ... لقد ظن بها سوءا وهى لم تفعل الا مساعدة زميلتها ...
وحدثت نفسها تنصحها : انت حمقاء ناتالى لانغستون ... اين روحك المرحة ... ؟ ابحثى عنها وتابعى حياتك 0
كانت نصيحة جيدة ... ومع ذلك مر بها الاسبوع مملا . لايميزه الا اتصال جدتها الهاتفى النادر ، مساء الخميس ... يبدو ان احدى جاراتهم فى المزرعة قادمة فى نهاية الاسبوع الى نيويورك لزيارة امها فى المستشفى هناك ... وتابعت الجدة : وايمى ستصحب الولدين معها ، صحيح ان والدتها ستحب جدا رؤيتهما ، الا انها مازالت تحتاج الى الراحة ... لذا كنت اتساءل ... ولم اذكر هذا لايمى بعد ... ما اذا كان بامكانك وجول ان تريحاها منهما بعد الظهر ، لتعطياها فرصة للحديث مه امها ... لكننى بالطبع اعرف ان هذا مفاجئ لكما 0
-لا اعلم ما هى خطط جول هذا الاسبوع ... ولكننى شخصيا لست مشغولة لذا يمكننى اصطحابهما الى حديقة الحيوانات 0
وعندما علمت جول بما دار بينهما ذلك المساء ، ارتجفت من الفكرة وقالت انها لا يمكن ان تغير خطط نهاية الاسبوع ... فاضطرت ناتالى بمساعدة جاين لاصطحاب الولدين ، ريتشارد وماليسا ، الى حديقة الحيوانات يوم السبت بعد الظهر ، فكان ان قضتا يوم احد ممل فى الحديقة العامة سنترال بارك تتاملان تمثال الحرية ، حيث احست الفتاتان انهما مرهقتان ، مع ان الولدين لم يشعرا باقل تعب . وبدات ناتالى تشعر انها قامت باكثر من واجبها تجاة ايمى ... لكن ريتشارد طلب منها ركوب المترو تحت الارض فهو لم يشهد مثله من قبل ... فوافقت ناتالى : حسنا ... نصف ساعة فقط ثم نعود الى المنزل 0
فصاح ريتشارد فرحا : عظيم ... !
وقفز الولد بسرعة ينزل سلم النفق الموصل الى المترو ، لكنه اصطدم برجل طويل جاء مسرعا من الجهة الاخرى0
تراجع الرجل الطويل لحظة ثم امسك بريتشارد ، ورفع نظره عن راس الصبى فطالعته نظرة ناتالى المذعورة المذهولة وكان التعارف مشتركا ... لان السخرية سرعان ما علت وجه الغريب : انه زبون صغير السن هذه المرة 0
انتقل نظره الى جاين ، التى كانت تبدو جذابة كعادتها ، ثم صوبه الى ناتالى واردف : ام انك تلعبين دور العمة المجهولة فى نهاية الاسبوع ؟
قبل ان تتمكن ناتالى من الامساك بريتشارد وحثه على الاعتذار من الرجل ، كان الغريب قد اكمل طريقه . فوقفت تحدق فيه وهو يبتعد ولم تفق من ذهولها الا حين سمعت جاين تقول : حسنا ! ما كان هذا كله ؟
فاخبرتها ناتالى مستاءة ، ثم قالت : انظرى الى ! منظرى جميل ! الايس كريم يلطخ تنورتى ، وشعرى مشعث !
فضحكت جاين : وماذا فى الامر ؟ ... انه جلف قاس ومتوحش ...هذا ما قلته عنه ... فماذا يهمك رايه فى مظهرك . اننى لم اتوقع ان يكون هكذا ... لقد اخترت فاتن نساء منقذا 0
شد ريتشارد على يد ناتالى : عمتى لى ... اسف بشان الايس كريم ، لقد حاولت تنظيفه بمنديلى 0
-تعنى انك ثبته على ! اعرف انك بذلت جهدك ... حسنا هيا ننزل الى المترو 0
واربكتها ضحكة جاين فسارعت وراء الولدين ... اذن جاين تظنه فاتنا ! حسنا ... هذا ما ظنته هى ايضا عندما وقع نظرها عليه ذلك المساء ، لكن سرعان ما تبدد هذا الوهم خاصة وانه لم يحاول يومها اخفاء رايه بها ، فقد اعتبرها حمقاء صغيرة وشك فى اخلاقها وها هو من جديد يؤكد نظرته وشكه فيها ... جاين على حق ... ماذا يهمها رايه بشان مظهرها ؟
راحت ناتالى تشتعل غضبا كلما تذكرت مواجهتهما الثانية ... وهذا يعنى انها ستمضى اسبوعا اخر لتتغلب على مشاعرها ... ما هذا الحظ العاثر ... حتى نيويورك ليست مكانا كبيرا قادرا على ابعادهما عن الالتقاء !
اخذت تنظر امامها على الطريق اينما سارت خلال الاسبوع التالى ، تركز نظرها خارج نوافذ الباص فى محاولة لرؤيته مسبقا لتتجنبه . لكنها ادركت اخيرا ام مالك تلك السيارة الفخمة التى اقلتها الى منزلها ، لن يستقل الباص فى ساعات الازدحام0
يبدو انه ممن يهرع اليه الجميع عند ادنى اشارة منه تلبية لاوامره ... وارتجفت ناتالى عند هذا الادراك ... كم يكون شعور الانسان مريرا عندما يجد نفسه عبدا لمن دفعت بهم الحياة والقدر الى قمة الهرم ... ولا عجب ان العالم يزخر بالثورات!
مساء الثلاثاء دخلت جاين الشقة تزف اليها خبر تحديد موعد تجربة الدور فى مسلسل اليكس التليفزيونى ... فاقامتا احتفالا مسبقا بالمناسبة ...
كانت ناتالى ماتزال تشعر بالسرور والاثارة عندما دخلت مكتبها فى الصباح التالى ... فعلى الاقل لديها الان ما تخبر به بقية الفتيات . ولو كان كل ما ستخبرهن به مبنى على اذا .... اذا حصلت جاين على الدور واذا نجح المسلسل او اذا اصبحت جاين نجمة ...
ولكنها وجدت فى انتظارها رسالة بددت كل تفكيرها بجاين : السيد كليفس يريد رؤيتها حالما تصل ... فتفحصت مظهرها وشعرها ، ثم سارعت الى مكتبه ... ماذا فعلت يا ترى ؟ هل ارسل لطردها ؟ هيات نفسها لاسوا الاحتمالات فطرقت باب السيد روبرت كليفس ، مدير الموظفين ، ثم اطاعت النداء الرقيق بالدخول 0
عندما دخلت لم تجد راحة فى ابتسامته القصيرة التى قد تشعل قلبها عادة ... وقالت له : اردت رؤيتى ؟ يؤسفنى تاخرى قليلا ... لكننى ...
فقاطعها وهو يلوح بيده الى كرسى امام طاولته : لن تتاخرى بعد الان ! اجلسى ، انسة لانغستون 0
جمع بعض الاوراق جانبا ... ثم نظر اليها بعينين قاسيتين ... وسالها : اتحبين الحصول على ترقية ؟
-ترقية ؟
سرعان ما تراءى لها صورة مكتب خاص يعلوه اسمها على طاولتها ... لكن اين سيكون المكتب ؟ وهل ستكون لها اهمية ... ولمن ؟ ثم سمعت السيد كليفس يقول : تعلمين بالطبع ان المؤسسة ستنتقل الى خارج المدينة ؟
انها تعرف ... وثمة مشاعر مختلطة بشان هذا الامر بين زملائها ، كما هناك تذمرات بشان مصاريف المعيشة فى المدينة ، ومع ذلك لم يتحمس احدهم للانتقال ... اكمل السيد كليفس : اظن ان الاخبار المتناقلة جعلتك فى صورة عملية الانتقال . لذا لن اضيع الوقت لشرح الاسباب او المكان الذى سننتقل اليه ... فهل انت مستعدة ؟
-لكنك قلت ترقية سيد كليفس 0
-صحيح ... وستمرين بشهر تجربة . احزرى لمن ستكونين سكرتيرة ؟
ظهر بريق الامل وعدم التصديق فى عينيها : اتعنى ... ؟
-اجل ... وهل هناك سواه ... " ك . ك " نفسه ! الست فتاة محظوظة ؟
-ماذا ؟
لم تستطيع منع نفسها عن القفز بذهول ... ك0ك السيد كراين ؟ الرئيس نفسه ؟
بدت التسلية على وجه السيد كليفس وهو يرى ذهولها : انها تجربة ... تفهمين هذا . لذا لابد من ان تثبتى جدارتك 0
-اجل ... ولكن لم يمضِ على فى العمل الا ثلاثة اشهر ...
يالهى ... سكرتيرة الرئيس شخصيا ! بعد ثلاثة اشهر من العمل فى المؤسسة . لكن السيد كليفس قاطعها والسخرية بادية فى صوته : نعرف هذا ... لكنك محظوظة والفتاة المرشحة لهذا المنصب سافرت الى الخارج فى وظيفة ادارية . وسكرتيرة ك0ك الشخصية المقبلة على الزواج ستترك العمل ... وانت تعرفين ان سياستنا هى ترقية من يلزم من ضمن موظفينا ... وللرئيس رايه فى الموضوع 0
عضت ناتالى شفتها بقلق ... وبدات تتذكر الاقاويل المتعلقة ب ك0ك ليست تلك الخاصة بشان مظهره الشخصى او بشان الجاذبية التى يتمتع بها ، بل الشائعات المتعلقة بقساوته وقلة صبره وحبه للسيطرة والاستبعاد ، وميله لتصنع التعالى احيانا ...
-وكيف يبدو ؟
-لاباس به . انه منصف ما دمت ستقومين بعملك على اتم وجه . لكننى احذرك ، انه لايقبل او يطيق الحماقات . هل انت خائفة ؟ الا تثقين بقدرتى على الحكم ؟
اتسعت ضحكته امام ارتباكها ، فسارعت للقول : اجل ... بالطبع 0
-هذا افضل ! تذكرى ، ما هو عملى ، اننى اضع الناس فى المكان الملائم ... احل المشاكل ، ولا ارتكب الاخطاء ... لئلا يسقط كل شئ على راسى . والان ساوجز لك ...
احست ناتالى بانها ركبت دوامة السعادة اخيرا ، وستبدا عملها الجديد فى الاسبوع القادم ، كى تتمكن السكرتيرة القديمة من تدريب السكرتيرة الجديدة على رتابة العمل قبل ذهابها . وقد اقترح السيد كليفس عليها البقاء فى مسكنها الحالى فترة الاختبار ، بانتظار ان يقر قرار ك0ك عليها لانه عندما سيساعدها على ايجاد مسكن لها فى منطقة عملها الجديد 0
اقفل ملفها ووضعه على الطاولة ثم تراجع قليلا فى مقعده يتفرس فيها ... فعلمت ان المقابلة انتهت ...
-حسنا ... ثمة اية اسئلة : سالها
لم تستطع ناتالى التفكير فى سؤال ... فتمتمت : شكرا لك سيد كليفس 0
فوقف ليتقدم منها لامسا خدها بود وهو يبتسم : حظا سعيدا ...
اكمل سيره ليفتح الباب لها ... فخرجت الى مكتبها وهى ما تزال تشعر بالدوار 0
الاسبوع القادم ... اذن !
ايام الاسبوع الحالى مرت بسرعة ... وبعد ان تلاشت الدهشة منها واجهت شكوكا فى مقدرتها ... فهذه ثالث وظيفة تسلمتها والوظيفتان السابقتان لم تقدما لها الخبرة الضرورية التى تكتسبها عادة سكرتيرات المدينة . فكيف لها وهى الفتاة الريفية ان تشغل وظيفة سكرتيرة مدير 0
بينما كانت تنزل من القطار فى تمام الثامنة والنصف من صباح الاثنين التالى فى اواخر ايلول متجهة الى مركز عملها الجديد . كانت تشعر بانها غير واثقة من ان حدث لها حقا 0
اتبعت تعليمات السيد كليفس فانعطفت يسارا تظلله الاشجار يوصل الى شارع بلدة نيوجرسى الرئيسى ... ثم قطعت الشارع ، وسارت خمس دقائق فاذا بها امام مبنى ادارة مجمع مؤسسة كراين ... الذى بدا لها وكانه مدرسة حديثة المساحة لها حدائق واسعة ، مليئة بمروج العشب وبالاشجار الصغيرة الحديثة الغرس . مبنى الادارة كان الى يمين المجمع ، له موقف سيارات نصف دائرى ، ومدخل يعلوه سقف 0
انفرجت الابواب الزجاجية امامها بصمت وهى تقترب منها ، داخل البهو الواسع ، فابتسم لها بواب يرتدى ثيابا رسمية ... وقال لها بعد ان اعطته اسمها : انت لولى الواصلات هذا الصباح انسة لانغستون . اانت جديدة هنا ؟ لا تقلقى ... كلنا نشعر بما تشعرين به فى اليوم الاول !
رفع لقاؤه هذا معنوياتها قليلا . فرغم دلائل الشفقة فى تعبيره ، اتبعت تعليماته فوجدت طريقها الى جناح عملها . كان كل ما فى المكتب مفتوحا الا بابا داخليا ... فتجولت ناتالى بفضول فى مكتبها الجديد . كانت الطاولة موضوعة فى مكان يناسب الضوء . ورفعت غطاء فنظرت تحته فاذا بها تجد الة طباعة اليكترونية رائعة . كان اللون الطاغى على المكتب فالسجادة زرقاء قاتمة والجدران ايضا ، عليها علقت ثلاث لوحات للفن الانطباعى تعطى المكان لمسة من الدفء 0
تقدمت ناتالى نحو النافذة العريضة المطلة على الحدائق الامامية ... فرات ان السيارات بدات بالتدفق الى الموقف النصف دائرى وان الناس يحثون الخطى فى الفناء الامامى . لكن الجناح كان منعزلا لا تسمع فيه الاصوات . وقفت تراقب الحركة تغزو المبنى فترة متسائلة من مِن الرجال الذين يخرجون من السيارات القادمة سيكون الرجل الكبير ؟
بدا قلب ناتالى يخفق ... ماذا لو تاخرت السكرتيرة ودخل الان ك0ك . منتظرا ان يجد يده الثالثة منتظرة لتنفيذ اوامره كلها ؟ ستحس بانها بلهاء لاحول لها ولا قوة ، وهذا ما لا يطيقه هو . خلعت ناتالى معطفها بقلق ، وتاملت زينتها ... من الافضل لها عدم دخول غرفة الملابس لئلا يصل ك0ك اثناء غيابها 0
كانت الساعة التاسعة والثلث عندما وصلت فتاة طويلة سوداء الشعر ترتدى معطفا قرمزيا فوق بدلة صوفية كحلية . شاهدت ناتالى تقف قرب النافذة وقالت : لقد وصلت اذن ... اسفة على التاخير ... لقد مررت لارى اشبينتى ، لست ادرى لماذا اخترت عرسا كاملا ! ... لدى عمل كثير ... انا ماغى . لن اتاخر عنك لحظة0
مرت دقائق عشر قبل ان تعود ماغى الى طبيعتها المنتعشة الهادئة ، طبيعة السكرتيرة المتفوقة . قالت ناتالى : لن يحضر السيد كراين اليوم ... لانه سيستقبل وفدا اميركا الجنوبية ... وبذلك سيكون يومنا هادئا !
-اهو بهذا السوء ؟
-ليس تماما ... لكن حاولى الا تتاخرى ابدا ، وكونى دائما مستعدة لتلبية طلبه بسرعة ، فهو يكره الانتظار 0
بينما ماغى تريها موقع كل شئ بدا لها ان ماتراه كله مختلفا . راحت تشرح لها الروتين ، الذى بدا لها ، وبشكل كبير ... بعيدا كل البعد عن الروتين ... كما ان هناك الكثير من الاشياء يجب ان تتذكرها لئلا تتوتر من محاولة خزن هذه المعلومات فى دماغها . لكن ماغى قالت ان هذا سهل ، واكدت لها انها لن تجد مشكلة ما دامت لا تسمح لنفسها بالوقوع فريسة الاضطراب 0
-لا تقلقى من شئ . فالدائرة الالكترونية تتولى معظم اعمال السكرتارية العامة . احيانا يطلب هذا من هنا ... لذا من الافضل ان تحيطى بكل شئ . اظنك ستتناولين الغداء مبكرا اليوم ... وبعد الغداء ساريك المكاتب 0
كان فى المجمع مطعم خاص جيد ، قدمت ماغى ناتالى الى عدة اعضاء من الموظفين اثناء تقدمها الى طاولة لتناول الطعام . وبعد انتهائهما جالت بها فى المجمع ... ثم عادتا الى المكتب . واعطتها ماغى شريطين مسجلين قائلة : من الافضل ان تتعرفى الى صوته ، فستسمعينه كثيرا !
-هل يسجل رسائله عادة على شرائط ؟
-احيانا ... خاصة اذا كان غائبا ، لكنه امر اخر عليك تذكره : ضعى دائما شريطا فارغا فى المسجلات الثلاثة لئلا ياخذ احداها دون شريط 0
وضعت ماغى الشريط فى المسجلة على الطاولة واستدارت : ساتركك لتسمعيه ... وانا خلال ذلك ساتم بعض متطلبات حفل الزواج .
مرت الساعة او يزيد دون ان يحدث شئ يذكر الا بضع مكالمات ردت عليها ماغى . واستمعت ناتالى الى التسجيل ، واحست بالسحر عند سماعها الصوت العميق الذى اشعل فيها رد فعل غريبا ... لكنها ابعدت هذا الشعور عنها ... فرغت الشريط ودونته على الورق ثم عرضت النسخ على ماغى للموافقة ، وانتقلت الى التسجيل التالى .
بعد بضع دقائق وقفت ماغى : ناتالى ... الديك مانع لو غادرت المكتب الان ؟ لدى امور كثيرة عالقة كما لدى اخرى فى المنزل . سابلغ موظف الهاتف لتحويل المكالمات الى السيد هنتر لئلا يزعجك احد ... فالجميع يعرف ان ك0ك ليس هنا اليوم 0
فهزت ناتالى راسها ، مقتنعة سرا ، ان شيئا ما سيحدث لحظة خروج ماغى من المبنى ، وهو امر تتوقع الا تستطيع معالجته او التعاطى معه . عبر النافذة شاهدت المعطف القرمزى الذى ترتديه ماغى يختفى ثم عادت الى تفريغ شرائط التسجيل . بعد انتهائها ، تفحصتها بدقة مقنعة نفسها انها كاملة تخلو من اى خطا ، ثم نظرت الى ساعتها ... انها الرابعة الا عشر دقائق ... اى مازال امامها ساعة اخرى من الدوام 0
رتبت الطاولة ، ثم اعادت النظر الى الساعة ، فاذا بها قبل الرابعة بثمانى دقائق ... فكرت فى الذهاب لاحضار فنجان شاى من الكافيتريا ... لكنها عادت فعدلت عن ذلك ... فقد يحدث شئ . ثم عادت على غير ارادة منها تصغى الى ذلك الصوت العميق ... فثمة شئ ما فى هذا الصوت ... فجاة سمعت وقع اقدام فى الخارج ، تبعه فتح الباب ... وكادت ناتالى تصرخ من الصدمة 0
وقف شاب اشقر الشعر ينظر اليها بدهشة : اين ماغى ؟
-انها ... ليست هنا ... هل استطيع المساعدة ؟
-هل انت الجديدة عند ك0ك 0
-انا سكرتيرته الجديدة 0
-ياإلهى وهل سيلجا اخيرا الى استخدام من فى المهد !
دخل الشاب الى الغرفة ناظرا الى ناتالى باهتمام صريح : ايتها الطفلة المسكينة ... اذا لم ياكلك هو فستاكلك الالة الناسخة !
فصاحت ساخطة : ماذا تعنى ؟ اننى فى التاسعة عشرة ، وليس لدى نية فى ترك شئ او احد يبتلعنى 0
رفع ذراعيه بحركة تحميه ، وتظاهر بالتراجع :
واو ... القطة الصغيرة لها مخالب ! ثم اقصد ! انا فقط ...
-لا تنادينى قطة صغيرة ... ارجوك . انا الانسة ناتالى لانغستون 0
-بكل سرور ... لكنك قطة صغيرة ، ناعمة مغرية ، تروقين للنظر ، ... هل ستخدشينى اذا لمستك ؟
-اجل ... والان ... كنت تبحث عن ماغى ... هل الامر هام ؟ هل ...
-هام ؟ استطيع قول هذا ... انظرى ...
اخرج من جيبه قاروة زجاجية : هذا هو التقدم التقنى !
-التقدم التقنى ؟ ما هذا ؟
-صه ... انه سرى جدا ... ! هل صاحب الجلالة هنا ؟
-لا ... لن يحضر قبل صباح الغد 0
فابتسم ، ثم رفع سدادة القارورة ومررها تحت انفها ... ثم قال بعد قليل نافذ الصبر : حسنا ؟
-رائحته كالعطر 0
-هه ... كالعطر تقول !
اغمض عينيه وتظاهر بالالم : الاتعلمين ان هذا اول انتاج لمنصنع مؤسسة كراين الجديد ؟
-لكن ماهو ؟ لم اكد اعرف رائحته 0
-انه اختراع رقم سبعة وخمسين ، نسميه فى المختبر الصاروخ ! المثير فيه انه منيع ضد كل ما هو اسيدى ... الم تجربى قط احد العطور فوجدته رائعا ، ثم تغيرت رائحته او تلاشى بسرعة فيما بعد ؟
-اجل ... منذ اسبوع حصل معى هذا ... لم يدم على احد العطور بينما كان رائعا على زميلتى فى الشقة 0
-هذا لان تركيب بشرتك الكيميائى يؤثر فيه ... اجرينا عدة تجارب فوجدنا انه الافضل ... هيا جربيه 0
فمدت له يدها ، فلمس ذقنها وقال : اديرى راسك يا قطتى 0
لمس خلف ذانيها ثم فوديها و اخير عنقها 0
-انتظرى لحظة الان ... دورى حول المكتب 0
اطاعته ناتالى ، وما هى الا لحظات حتى عبق المكتب برائحة لذيذة غريبة ... غامضة ... اختفت لحظة ثم عادت ... لم تكن زهرية ولا خشبية وليست ثقيلة كالعطور الشرقية ... لكن لها ميزة جديدة تنتمى بالضبط الى الجو الفرنسى 0
-والان ارجعى الى !
اطاعته ... فتنشق عميقا ، ثم ارتسم على وجهه الجميل تعبير السحر : فاتنة ! رائعة ! دعينى اشم اكثر !
امسكها بكتفيها ، ثم جذبها نحوه ، فتنشق نفسا عميقا اخر من وراء اذنا ، ثم همس : ارفعى ذقنك حلوتى ... آه ... رائعة يا قطتى ! اتعلمين انك لن تكونى امنة من اى رجل عندما تتعطرين بهذا العطر الجديد ؟ سوف تلهبين احساسهم . وسيحبونك حتى الموت 0
بدات ناتالى تضحك غصبا عنها ... ثم اخذت تبعد نفسها عنه ، قبل ان يؤثر هذا العطر الساحر باحساس هذا الشاب الجرئ 0
-لا ! ارجوك ... ساصدق كلامك . و ...
فى هذه اللحظة فتح الباب ورائه ، ومن فوق كتفى الشاب اتسعت عينا ناتالى من الصدمة وخيبة الامل ، ثم طغى عليها شعور عدم التصديق المرعب 0
-دايفى ! ماذا يجرى هنا بالله عليك ؟
ودخل الوافد الجديد المكتب ، طويلا ، انيقا بشكل يوقف القلوب ... فارتدت ناتالى الى الخلف ... ودوى الاسم فى ذهنها : دايفى ... انه ذئب النساء الكبير فى المؤسسة ... هذا ما قالته لها ماغى خلال جولتهما ... اوه ... لا ! لماذا يحدث هذا
كله لها ؟ وسمعت دايفى يقول : لاشئ سيدى ! جئت ارى ماغى ، لاجرى اختبارا صغيرا 0
فقال ك0ك الكبير بسخرية : هذا ما لاحظته 0
-لم تكن تتوقع عودتك الليلة 0
-استنتاج عظيم 0
رمى ك0ك حقيبته على الكرسى ، متجاهلا ناتالى التى ارتدت حتى النافذة 0
-حسنا ... لماذا هذا كله ؟
فرد دايفى بلهجة منتصرة : لقد حصلنا على ما نريد اخيرا ك0ك 0 انظر بنفسك ! او بالاحرى ... تنشقه بنفسك !
وامسك بيد ناتالى فجذبها الى الامام 0
-تعالى يا قطتى ! انت والسبعة والخمسين ! من يستطيع مقاومتكما ؟ سيكون هذا ...
لم تسمع ناتالى تتمة كلامه ... فقد جرها دايفى ليكشف الضوء الاتى من النافذة وجهها كله ... فحدقت فيه فشاهدت انه مثلها مصدوم لكن فى عينيه استنكارا وشرا 0
منقذها المتعجرف ، الساخر ، ورئيس شركة كراين ، شخص واحد ! انه اخر رجل قد تختار العمل معه ... اخر رجل تريد ان تكون سكرتيرته 0
ماذا جنت فى حياتها لتستحق هذا كله ؟

رفيلة
13-01-2011, 10:05 AM
اريدك


من مكان بعيد ... سمعت ناتالى دايفى يقول باثارة : حسنا سيدى ؟ ما رايك ؟
استدار ك0ك مشيحا بصره الذى اوهن اوصال ناتالى وكان منظرها يزعجه : لا يمكننى التعبير عن افكارى الان ... والمكتب مشبع برائحة قوية . سنعقد اجتماعا ، له الاولوية ، صباح الغد 0
-حاضر ... متى سيدى ؟
رمى ك0ك 0 بالامر من فوق كتفه الى ناتالى وهو يخرج : راجعى المواعيد 0
بدا عليها الذهول ، وهى تتوجه الى الطاولة ، ففتحت دفتر المواعيد ، تقلب صفحاته باصابع مرتجفة ، صفحة اليوم التالى كان فيها معلومات مكتوبة بخط ماغى المرتب الجميل ... رفعت راسها : لديه موعد لاجتماع فى العاشرة والنصف ان تاتى لتراه فى التاسعة والنصف ، لكنى لا اعلم ان كان يحضر الى المكتب باكرا0
خلل دايفى يدا مضطربة فى شعره الاشقر الشبية بلون رمال البحر : انه يحضر باكرا . وانا اسف لما حصل . لكن من كان يظن انه سيطل فى تلك اللحظة بالذات وهو فى اسوا مزاج 0
هزت ناتالى راسها ، انها تعرف انه لا يتحمل الخطا وحده ... معظم المؤسسات تتقبل وجود على الاقل واحد من العابثين بين صفوف الموظفين . مع ذلك لم تكن قادرة على شرح سبب انقلاب مزاج الرئيس ، فهو امر لن تستطيع البوح به لاحد ... من الافضل لها ان تستقبل اولا ! مع انها قد تجد نفسها فى الخارج قبل ان تتمكن من انقاذ كرامتها 0
نظر دايفى الى تعبير وجهها البائس ولف ذراعه حول كتفيها : لا تاخذى الامر بهذا العمق قطتى . صدف وقابلناه فى مزاج سئ ... هو ليس بهذه القساوة عادة 0
تمتمت ناتالى : هل هذا صحيح ؟
ابعدت نفسها عنه وقد تذكرت سمعته ، فصممت الا تشجع تعاطفه المشبوه معها . فقال : يجب ان تتعلمى ان تكونى مثل ماغى .... كانت ترمى بالامور وراء ظهرها ... كلنا نفعل هذا ... لكننى كنت خائفا عندما رايتك ...
اقفلت دفتر المواعيد ، فقاطعته : لا تقلق ، استطيع الاعتناء بنفسى ... والان الافضل لك ان تذهب ... فلو ...
فابتسم دايفى : معك حق ... لكننى ساراك فيما بعد يا قطتى الحلوة ... الى اللقاء0
فجاة توقف عند الباب ليتابع : نصيحتى ان تعلمى الاخرين باجتماع الغد ... وهم السيد رولاند ، وجاك هاريس ، وسام تورد ، وثيو فيلد . فهذا امر يوفر عليك بعض المتاعب ! الى اللقاء 0
اخذت ناتالى تسجل الاسماء بسرعة ... ووجدت ارقامهم الهاتفية وبدات الاتصال ، املة ان تبلغهم جميعا قبل مغادرتهم مكاتبهم لكنها لم تنجح مع السيد فيلد ، فسجلت سكرتيرته الرسالة ، بعد ان سمعت ناتالى كلمات الترحيب ، ولم يتوقف حديثهما الا عند سماع صوت رنين الهاتف الداخلى المركز على طاولتها 0
ضغطت الزر فتلقت امرا بالحضور بصوت اصبحت تعرفه الان جيدا ، فالتقطت قلما ودفتر ملاحظات وتركت قدميها تحملانها الى باب المكتب الداخلى ... قرعت الباب ، انتظرت لحظة ... ثم فتحته ببطء 0
-ادخلى انسة لانغستون ... لن افترسك ... ليس بعد !
كان يستند الى مؤخرة مقعده عاقدا يديه ، يراقبها بعينين رماديتين باردتين ساخرتين ... بدت لها المسافة بينهما بعيدة ... اشار الى كرسى قرب طاولته لتجلس ، ونظرته مثبتة عليها ...
-حسنا يا فتاة المرافقة ... الا ندفع هنا مرتبات جيدة تفى حاجات عاملاتنا 0
-اجل ... لا ... الامر لم يكن هكذا قط ؟ لست ...
-هل هزمك نظام الحياة ؟ ام انه لم يكن مريحا كما توقعت ؟
تصلبت ناتالى وهى تتمنى لو تلطمه على هذا الفم الساخر لكنها قالت بحزم واصرار متجاهلة سخريته ، مصممة على البقاء هادئة : انا سكرتيرة سيد كراين ... هل لى بدفتر مواعيدك ... ارجوك ؟
لم يتحرك من مكانه بل قال : تفضلى تناوليه بنفسك 0
نظرت الى الدفتر المغلف بالجلد فوجدته بعيدا عن متناولها فوق الطاولة العريضة ... بالتاكيد يستطيع ان يدفعه نحوها ... وقفت تلتقطه ثم فتحته لتسجيل فيه موعد الصباح التالى ، ثم اضافت اسماء المديرين الذين ذكر دايفى اسماءهم . تركت الدفتر مفتوحا ، ودفعته نحوه . فنظر اليه دون اكتراث ، هز راسه ، ثم نظر اليها : حسنا ... ما رايك فيه ؟
-ما رايى بماذا ؟
-العطر 0
نظرت اليه تتنسم رائحة فخ ، صممت على ان لاتقع فيه . فقال نافذ الصبر : تعالى الى هنا 0
تقدمت نحوه ببطء ، فجاة مد يدا اطبقها على معصمها . فكادت تفقد توازنها وتقع ، وراح قلبها يدق بعنف . ووقف :آه ! انه عطر يحرك المشاعر ... قفى جامدة يا فتاة ...
اخذت ناتالى ترتجف . انها لا تكاد تصل الى طول كتفيه ، حضرت نفسها لتدافع عن كرامتها حتى اخر نفس . نسيت امر العطر ... فكل ما كانت تعيه هو رائحته الرجولية الممتزجة بعطر ما بعد الحلاقة . قماش بذلته الناعم الفضى اللون وقميصه الحريرى الاخضر الشاحب كانا يبرزان عظمة مرتديها فتراجعت تشد يدها : سيد كراين !
تركها فجاة ليجلس على حافة الطاولة : لا ! اخشى انه لم يثر احاسيسى ولم يحفزنى لا فتراسك ... ما يزال اقل من حبك حتى الموت كما اننى لم اسمع بان مثل هذه الرائحة المميتة مازالت رائجة . لكننى لست ماهرا مثل رئيس التقنيين لدينا 0
نظر الى وجه ناتالى المرتبك ، وعادت السخرية بسرعة الى نبرته ، واضاف : ثم ، اننى اتناسى ، انك لست بحاجة الى مساعد اصطناعى للاغواء 0
شهقت ناتالى ورمت دفترها على الطاولة وصاحت : سيد كراين ! انا لست فتاة مرافقة ... واذا كنت تريدنى ان اعمل معك فيجب ان تسمح لى بالتفسير ...
فرفع يده : لا ضرورة للتفسير انسة لانغستون ... فما تفعلينه خارج دوام العمل لا شان لنا به وكذا الحال بالنسبة لاخلاقق وذلك مادامت حياتك الخاصة لاتؤثر فى كفاءتك العملية 0
استدار يجلس خلف مكتبه : اعتقد ان ماغى اوجزت لك كيفية سير المكاتب الاخرى ... ان تعبيرك الان يوحى بانك تخشين الاسوا ، فلا داعى لخشيتك هذه . فلست ممن يتوقع المستحيل من الموظفين ... لكننى اطالب بافضل ما يمكنهم ... وهذا يعنى انه ليس من المتوقع منك التمكن من معرفة افكارى والتقاط كل التفاصيل منذ اليوم الاول . لكن ، ما ان ينتهى الشهر حتى اصبح اكثر تطلبا 0
-ثمة نقطة اخرى ، لابد من اخبارى ، عاجلا ام اجلا ، ان دايفى تالبوت يعتبر ان من واجبه ، وحقه ، اغواء كل موظفة جديدة . ويجب ان احذرك انه يحتفظ بالاخيرة حتى تصل فتاة جديدة . لكننى واثق انك لاحظت طريقة تخطيطه 0
-اذن لماذا تحذرنى ؟ لقد اقررت بنفسك ان حياتى الخاصة واخلاقى ليست شان من شؤونك وهى كذلك حقا ! فكيف تجرؤ على مخاطبتى هكذا ؟
رمت بالحذر ادراج الريح ... لكن ماذا لو طردها الان ؟ اذن ستتمكن عندها من قول رايها الصريح به ! لكنه نظر اليها ببرود ... لم تحركه دفاعاتها : اعتبر ان لى مطلق الحق ... فعلى كل الاحوال ، انقذتك سابقا من وضع غير سوى ... وضع بدوت فيه غير قادرة على انقاذ نفسك منه ، لذا ، مهما كرهت الامر ، من البلاهة التظاهر بان الحادثة لم تكن ...
-لاحاجة لتذكيرى ... فانا اذكرها جيدا 0
المرارة فى صوتها جعلته يرفع راسه ويميله الى جانب واحد 0
-هل غيرت رايك بالنسبة للوظيفة ؟ اتفضلين العودة الى قسم الطباعة 0
-ربما انت تريدنى ان اغير رايى ... لقد اوضحت بجلاء كرهك لى 0
-ما هذا الكلام الطفولى !
-لا ... فانا اعبر عما فى نفسى 0
-اذن انت من النوع الصادق ؟
-سيد كراين ... كل ما اريده ببساطة ان اكون سكرتيرة جيدة . وافضل ان تحكم على حسب قدراتى وحدها 0
بدت القساوة فى عينيه : جيد ... وهذا ما يعيدنى الى سؤال لم اجب عنه بعد ... لقد حذرتك من دايفى تالبوت لاننى احترم مدير ممتاز ، بالقدر الذى احترم فيه السكرتيرة القديرة . ولامانع عندى من الاعتراف باننى سافتقد ماغى . اعرف ان العمل هنا اشق بكثير مما يظنه الكثير من الموظفين . واعرف كذلك ان تلك الشقراء الباردة العاملة ، كانت فى متناول يد دايفى الى ان وصلت موظفة الاتصالات الحمراء الشعر ... لذلك اقول ان سكرتيرة تبكى على حبها ، لن تكون مفيدة لى 0
فارتفع ذقن ناتالى بحدة : الا يحسن بك التريث لترى بنفسك قبل ان تحكم ؟ فقد تجد امامك اول فتاة لها من العقل الكافى لمعرفة طبيعة ذئب المكتب والتصرف على هذا الاساس ... صدقنى ... ليس لدى نيه الوقوع فى الاغراء ... الى ان اقرر انا ذلك !
-كلماتك الاخيرة شهيرة . على كل الاحوال ، انا مؤمن كبير بالوقاية لانها ارخص من العلاج . فهل كلامى واضح . انسة لانغستون ؟
-دون اى شك سيد كراين 0
-جيد ... كان الافضل ان نوضح الاجواء منذ البداية . ومن الافضل ان تذهبى الان . فالساعة تجاوزت الخامسة 0
-لست ممن يتقيد بالساعة سيد كراين 0
-انا لم اتهمك بهذا 0
-ثمة شئ اخر ... سيد كراين ؟
-لا ... شكرا لك ... وعمت مساء انسة لانغستون 0
-عمت مساء سيد كراين 0
توجهت ناتالى تلك الليلة الى المنزل فى مزاج يتارجح بها ما بين الاشفاق على النفس ، وبين الغضب ... فهى لم تستفيق بعد من صدمة اكتشاف هوية رئيسها الجديد ، والتوقعات امامها تملا نفسها ذعرا . لماذا يجب ان يحصل هذا لها ؟ لقد ظنت ان الاقدار منحتها الوظيفة التى كانت تحلم بها مرفقة بزيادة فائقة فى الاجرة وبامكانية السفر الى الخارج عندما يحتاج الرئيس الى سكرتيرته اضافة الى ترقيات ... ففى بعض المؤسسات السكرتيرة تبقى سكرتيرة ... لكن فى مؤسسة كراين هناك مجال للتسلق ... وقد لا يمضى عليها ستة اشهر حتى تصبح مساعدة الرئيس الشخصية ... وقد تنتقل فيما بعد الى الادارة . بعدما يمكن الاعتماد على طموحها على مقدار استعدادها للكفاح من اجل الوصول الى السلطة ... لقد رسم لها السيد كليفس صورة وردية عن الفرص فى المؤسسة ... لكنها الان تلاشت كلها 0
ارتجفت ناتالى فجاة ... فالتفكير بالايام الممتدة امامها كان سيئا ، لكن التفكير فى انها ستكون تحت رحمته كان اسوا 0
ستبقى دائما خائفة من شبح تلك السهرة التى امضتها مع سام كاربنتر الذى وخزها بمخالبه الكريهة معتقدا انها فى متناول يد اى رجل يدفع لها المال ... وكولتر كراين يظن بها الشئ نفسه ... ومع ذلك اسرع لينقذها 0
للمرة الاولى خطر لناتالى ان تفكر فى دوافع انقاذه ... لماذا انقذها وهو يظن بها اسوا الظنون ؟ لماذا ازعج نفسه ؟ ولماذا اصبح مشمئزا وعدائيا فيما بعد ؟ لكن ... ماذا لو لم يتدخل ؟ حسنا لانتهى الامر بها ان تركض هاربة من كاربنتر ... وربما حدثت فضيحة ، ولربما كانت افسدت كل شئ لجاين المسكينة . لكن جاين نفسها كانت ستتعامل مع الموقف بالطريقة نفسها 0
نزلت من القطار ثم ركبت الباص ، وهى تفكر فى قدرها ... كل ما تتمناه الان مرور الشهر القادم بسرعة . لن تستطيع البقاء معه مدة طويلة ، من الافضل ان تقول له فى الغد انها لا تريد الوظيفة ، كى يتمكن من البحث عن سكرتيرة اخرى ... سكرتيرة تناسب مكانته الارستقراطية ، سكرتيرة تخفى ما فيها من علل تحت جلد اسمك من جلد وحيد القرن !
عندما وصلت الشقة كانت تحس بالارهاق ... تاففت لانها تذكرت ان اليوم هو الاثنين ، الاثنين المقرف ، الذى تنتظرها فيه اعمال التنظيف ... الفتيات الثلاث كن فى الخارج ... وخزانة التموين فارغة تقريبا ... تناولت ما تبقى من لحم من الاسبوع المنصرم ... لابد ان كل واحدة من زميلاتها تتعشى فى مكان فاخر ... لذلك بامكانهن الاكفاء بكوب شاى وبعض البسكويت 0
بسبب بعد مسافة الانتقال ، بات عليها الان ان تستيقظ قبل ساعة من الموعد المعتاد . تقلبت جولفى الفراش تشكو من صداع وتمنت على ناتالى ان تاتيها بفنجان شاى وحبتين من الاسبرين . ثم سالتها : كيف كان يومك بالامس ؟
-رهيبا !
-من الافضل ان تضعى قليلا من احمر الشفاه ... فانت تبدين كما ابدو الان ، سيئة للغاية !
هل تجعل من نفسها فاتنة براقة لتبدو جميلة فى نظر صاحب الجلالة ؟ ام تكون جاهزة لاهتمام دايفى تالبوت ... الذى كان عيثه السبب فيما حصل لها بالامس ؟ لِم التفكير فى هذا كله ما دامت ستستقيل اليوم ؟
لكن ... لسبب ما ... لم تقدم استقالتها هذا اليوم ، ربما لانه لم يكن امامها الوقت الكافى ، فقد دخل ك0ك الى المكتب عند التاسعة الا خمس دقائق ، مرسلا لها ولماغى ابتسامتين وتحيتين متساويتين فى السحر ترافقهما ملاحظة بانه محظوظ لوجود سكرتيرتين له ذلك اليوم فهناك تلال من الاعمال تنتظره 0
عملت الفتاتان على فض المراسلات مذة نصف ساعة ، ثم ارسلت ماغى ناتالى لحضور الاجتماع وتسجيله ... كانت هذه اول تجربة لناتالى مع الادارة العليا ... ودون وعى منها اضطرت للاعتراف بكفاءة ك0ك فى العمل اذ لم يكن تفوته نقطة ، فقد كان يطالب بالارقام والوقائع ، والتفاصيل . واحست ناتالى بالشفقة على مدير القسم التقنى الجديد ، الذى يستوعب بعد التفاصيل الكاملة لدراسة الاسواق التى طلبها كراين 0
التكاليف ومراقبة النوعية ، تصميم التوضيب والتعليب ، والاسواق العالمية ، كلمات رن صداها مرارا وتكرارا فى الغرفة الكبيرة ... ودارت افكار عدة للنقاش واحيانا كان يصرف النظر عن بعضها 0
ذلك الصباح كان مقدمة لاسبوعين مكتظين بالعمل . فى نهايتهما ، لم تكن ناتالى متاكدة من انطباع ورد فعل رئيسها الجديد . فمنذ امسية ذلك اليوم الاول ، لم يصدر عنه اى تلميح له طابع شخصى . وبدا انه يتصرف الان كما كانت تامل ... فقد كان معها باردا يتصرف يتجرد ودماثة 0
بعد رحيل ماغى يوم الجمعة من اخر الاسبوعين ، وذلك بعد تقديم هدية فضية لها وهدية مالية قدرها مئة دولار من ك0ك شخصيا احست ناتالى بانها فراشة جديدة خرجت من شرنقتها لتواجه مصيرها وحدها 0
كانت بصراحة ... ما تزال خائفة منه . مع ان سخطها منه قد تلاشى . كان عليها ان تعترف انه عادل منصف 0
خلال الاسابيع التالية كانت شاكرة له اعلامها مسبقا بحاجته اليها للعمل المتاخر ، وشاكرة له صرفه اياها باكرا بعد ظهر ايام اخرى للتعويض عليها ... ومع ازدياد ثقتها بنفسها ، تعلمت بسرعة اسلوبه فى الرسائل ، وتطورت بديهتها حتى اصبح بامكانها معرفة متى تقاطعه ومتى تمتنع 0
عند قدوم اخر يوم من الشهر ، فاجاها بقوله انه سعيد بها وان وظيفتها الان اصبحت دائمة ... فشكرته سعيدة ثم خرجت من غرفته فوجدت دايفى تالبوت ينتظرها فى مكتبها 0
-حسنا ؟ هل ختم بالموافقة على علاقتكما ، ام سلمك لاسنان الفرامة ؟ فاخبرته وهى تعرف انه سيدعوها للاحتفال بمناسبة تثبيتها ، وتعرف كذلك انها سترفض ، كما رفضت كل دعواته السابقة . ولم يكن السبب هو تلك التحذيرات التى تلقتها ، بل بكل بساطة لان دايفى لم يجذبها 0
-اسفة يا دايفى ... لن استطيع ... على الاسراع الان حتى لا يفوتنى قطار الخامسة والنصف 0
-هل تودين ان اوصلك الى المحطة انسة لانغستون ؟
استدارت ناتالى عند سماعها صوتا غير صوت دايفى ، وهو لرئيسها الواقف بالباب المفتوح وكان ينقل بصره الى دايفى ثم عاد فحطه عليها . وعلى وجهه تعبير غامض 0
دخوله المباغت جعلها تتعلثم ... فتدخل بنعومة : هناك حديث اود مناقشته معك ، ساكون جاهزا بعد خمس دقائق 0
اختفى داخل مكتبه ... فاظهر دايفى سخطه : الامر هكذا اذن ؟ لم اظنك قط ستفعلينها ! ليس بعد ...
-الامر ليس كما تفكر ابدا 0
عادت الى الجلوس تخفى ارتباكها عن دايفى ... بم يريد ك0ك ان يتحدث معها ؟ هل اخطات بعمل ما ؟ هل غير رايه فيها ؟ وادركت فجاة ان هذا اخر شئ يمكن ان تتحمله 0
رد عليها دايفى بغضب : اليس هناك شئ ؟ انتبهى لنفسك يا فتاتى ... فلة من الفتنة والميل الى الفتيات بقدر ما انا مشهور به ... الا انه لا يجرب هذا عادة مع السكرتيرات 0
-من انا ومن اكون ليستثنينى ... لا تكن سخيفا يا دايفى ... حديثنا سيكون عن العمل ... وهذا كل شئ 0
احست بالراحة عند خروجه من المكتب فراحت تحاول وحدها التفكير فى ما يريد ان يحدثها به ... منذ اقل من عشر دقائق ، قال لها ان الوظيفة لها ... فماذا حصل يا ترى خلال هذه الدقائق ؟
اخذت تنظر حولها فى المكتب الواسع ، ثم وقفت تتوجه الى الباب الخارجى ، وتنظر الى الردهة الواسعة فى الخارج . هناك الباب الذى يقود الى غرفة الانتظار ... والى اليسار باب يقود الى الممر الخارجى والى اليمين باب ك0ك ... لكن لم الصمت ؟ بالتاكيد لم يخرج بعد ...
-اتفتشين عن احد ؟
قفزت ناتالى من مكانها مذعورة فقد دخل مكتبها من الباب المشترك دون ان تسمع حركته 0
-لا ... لكننى ...
وفتح لها الباب فسارعت نحو حقيبتها 0
احست بشعور غريب وهى تسير معه فى الممرات المهجورة . بدت خطواته الواسعة اللينة غير مسرعة ، لكن كل خطوة فيها كانت تساوى خطوتين من خطوات ناتالى . معظم الموظفين غادروا المبنى ... وحده حارس الباب ، تيد الكبير ، ذو الحلة الرمادية ، كان يذرع الفناء امام المدخل . رفع قبعته احتراما وهز راسه بالتحية 0
كانت خجلة ، وتمنت ان لا يظهر خجلها على وجنتيها وهى تتقدم نحو سيارة البورش البيضاء اللامعة المتوقفة فى الخارج ، فتح لها ك0ك الباب وادخلها قبل ان يستدير الى وراء المقود ... وتجاوب المحرك القوى للمسته ... فغاصت ناتالى فى تنجيد المقعد الفخم الجلدى اللذيذ الرائحة 0
وسالته بعد صمت طويل فى الطريق : اثمة ما تريد قوله سيد كراين ؟
-لا اظن ... لماذا ؟
فاستدارت تنظر الى وجهه القوى المنحوت القسمات . بدا لها مطمئنا ، يداه على المقود ثابتتان واهتمامه منصب كل الانصباب على القيادة 0
اشاحت بسرعة نظرها عنه ثم استرخت فى مقعدها وهى تتنهد تنهيدة باطنية صامتة تسترد قواها وصبرها ... مامن شك انه سيتكلم عندما يريد ... لذا ما عليها الا الاسترخاء فى هذه السيارة الفخمة المريحة : شكرا لك ! تمتم
-على ماذا ؟
-لتجنيبى فيضا من الاحاديث السخيفة ... فانا اكره الكلام اثناء قيادة السيارة 0
-اوه ... ساتذكر هذا فى المرة القادمة 0
هذا اذا كان مرة قادمة ... وكبحت ضحكتها : هل لديك مواعيد خاصة هذا المساء ؟
-لا 0
-جيد ... سنتوقف فى مكان نتناول فيه بعض الطعام ... الوقت مبكر لتناول وجبة عشاء رسمية ... اعرف مطعما صغيرا هنا ، نستطيع فيه تناول طعام لذيذ 0
دون ان يزيد ، استمر فى القيادة قليلا ، حتى انعطف عن الطريق الرئيسى . بعيدا عن الازدحام ، وقطعت السيارة بضعة كيلو مترات فى طريق ريفية ضيقة اوصلتهما الى قرية صغيرة ، حولها بضعة مزارع ، ومجموعة من المنازل السكنية الجديدة ، تتوسط ساحتها كنيسة وشارهع رئيسى حوله عدة محلات . خفف ك0ك سرعة السيارة ثم توجه بها الى زاوية الساحة البعيدة . خلف حديقة مليئة بالاشجار ، شاهدت ناتالى منزلا منخفضا غير مترابط له شبابيك قديمة ساحرة ... تقدم ك0ك بالسيارة الى مكان متسع بعيد عن الطريق وقال : هذا هو مطعم النوافذ المشبكة اشهر مكان لتقديم الطعام اللذيذ فى المنطقة وهو لصديق لى 0
تقدمها نحو باب جانبى هو من خشب السنديان الادكن ... دفع ك0ك ، الباب ودخل البهو الحجرى ثم نادى : هل من احد هنا ؟
-يا الهى يا عجوز ... من انت ايها الغريب !
وبرز رجل فى منتصف العمر يرتدى نظارة ذات اطار ذهبى يقول : كيف حال الطاحونة ؟
-مازالت تطحن ...
وقدم ناتالى الى الامام 0
-هذا تشارلى هاندسوم ... تشارلى ... هذه الانسة لانغستون سكرتيرتى 0
تصافحا ثم سال تشارلى : بم استطيع ان اخدمكما ؟
-بزاوية هادئة لتتحدث فيها ، وبشئ يقوى سكرتيرتى لتتحمل صدمة العمر التى سافاجئها بها 0
فضحك تشارلى : هوهو ... ! هكذا اذن ... ماذا ترغبين انستى ؟
لم تعد تسمع ما يقوله الرجلان ... ولم تعد تابه لرائحة الطعام اللذيذ ... اية صدمة ؟ ماذا يريد ... ؟ احست باصابع قوية تحت مرفقها ، تضغط ضغطا خفيفا لكنه ثابت ومصر ، فابتسمت لتشارلى : اوه ... اى شئ ... اى شئ مناسب لايزعج رئيس الطهاة عندك 0
فضحك تشارلى : يالك من امرأة متفهمة ! الست محظوظا كولت ؟ لكنك كنت دائما شيطانا محظوظا ... حسنا ما رايكما بالستيك مع السمك على الطريقة الفرنسية ... وبحلوى التفاح بعدها 0
-عظيم ...
تنحى تشارلى جانبا : تعرف طريقك كولت ... سارسل لكما عازف الكمان فيما بعد0
قالت ناتالى لرئيسها بعد ان قدم لها الشراب : بم تشعر حين تراهم يعاملونك بهذه الطريقة ؟
-انه نوع من الزيت على دولاب الحياة 0
اشار اليها بكاسه ، فردت التحية بصمت ... تتساءل لماذا تلزم نفسها بهذا النخب ؟ ورفعت ساقيها فوق الاريكة لئلا تصطدم بساقيه . واخذت تحدق فى ثوبها ... انها تعرف انه يريد منها شيئا ما ولهذا الشئ اهمية كبرى ... لكن ما هو ؟
وكانما يعرف تماما ما يجول فى افكارها فسالها : هل لديك جواز سفر ؟
-اجل 0
-عظيم 0
اذن سيسافران فى رحلة عمل ... لندن ... ؟ روما ... ؟ ... من يدرى ؟ وارتاحت ، لتعود مجددا الى التوتر ... كان يمكنه طرح هذا السؤال فى المكتب خلال فترة العمل ... فماذا اذن ؟
-هل انت مستعدة للسفر اينما كان ؟
-اجل ... اعرف ان السفر احد شروط العمل ... ولكن هل لى ان اسال الى اين ... ومتى ؟
-الى الكاريبى ... بعد اسبوعين 0
الرد الموجز خطف انفاسها ... ودون تفكير صاحت : لاتبدو هذه رحلة عمل !
-اؤكد لك انها رحلة عمل . انها احدى اهم الرحلات فى تاريخ المؤسسة ... لكن دون شك ، سنمزج العمل ببعض المرح . تعلمين اننا نحاول وضع اقدامنا فى السوق العالمية ... ونحن نسعى وراء مؤسسة تصنيع عطور صغيرة مهتزة الان ، فى بلدة صغيرة فى انكلترا . كنا على علاقة عمل دائمة معهم منذ خمسين عاما ، لكنهم فقدوا وضعهم فى السوق خلال السنوات الاخيرة ... والسبب يعود الة عقلية صاحبها العجوز الذى رفض الاعتراف بكل تطور ، ربما ان المنافسة فى الاسواق اصبحت على اشدها اراد ان يتقاعد ، وبما ان لا وريث له يرثه فى العمل والمتابعة ، قرر بيع اسهمه البالغة واحدا وخمسين . وهذا الاجتماع فى احدى جزر الكاريبى سيكون معه لشراء حصصه 0
كان يتكلم وهى صامتة ... فهى لا تعرف الكثير عن الية الاعمال ، لكنها . تعرف ما يكفى لتدرك خطوة خطيرة وهامة لمؤسسة كراين... واعادت اهتمامها الى طبق اللحم الذى وضعه الساقى الشاب امامها ، وانتظرت ليكمل ك0ك . حديثه : صديق لى يملك فيلا فى راندوارد احدى جزر الكاريبى وهى على بعد عشرة كيلو مترات من الشؤاطى الرملية ... ولقد وضع الفيلا تحت تصرفى 0
-هل انت واثق من نجاح الخطوة ... ؟ اعنى الا ترى ان السوق الاوروبية مليئة بادوات التجميل والعطور 0
فتوقف ك0ك عن الطعام ، ومسح فمه بالمنديل 0
-الا تعلمين يا فتاتى ان ارقام المبيعات هناك فاقت الثلاثمئة مليون دولار ... وان هناك امكانيات اخرى مازالت مستترة ؟ ولابد ان يكون لنا نصيب فى كل حصة . وانا واثق ان منتوجاتنا ستنافس ارقى المنتوجات هناك 0
-ارجوك ... لاتدعنىِِِِ اؤخرك عن طعامك !
فى تلك اللحظة وصلت عربة الحلوى فيها ما لذ وطاب مما يسيل اللعاب ، فحارت ناتالى ماذا تختار ... فقال لها ك0ك : اختارى واحدة لى ايضا 0
تبع الحلوى تقديم القهوة ... وبدا المكان يكتظ والجو يزداد دافئا 0
واحست ناتالى بالتخمة فهى منذ وقت طويل لم تتناول مثل هذه الوجبة الفاخرة ... فتنهدت سعيدة 0
هزت راسها نفيا عندما سالها اذا كانت تريد تناول شئ اخر 0
-هناك سؤال واحد !
-ما هو ...
-بماذا نحتفل ؟
ساد صمت قصير ثم تنهد ك0ك : صحيح ... اعتقد اننا يجب ان نبحث هذا 0
نظرت اليه فوجدته يحدق فيها ... عندها احست بالحرارة تتسلل الى خديها بسبب تلك النظرة الباردة الممعنة ... ثم تدفق شك لا يصدق الى ذهنها ... فهو بالتاكيد لن يحاول الاقتراح ... ؟
فقاطع افكارها مبتسما : اجل ... فانا على وشك ان اطلبك ناتالى ... لكن ليس بالطريقة التى تفكرين فيها الان 0
اتسعت عيناها لنطقه اسمها مجردا ولانه تمكن من قراءة افكارها ... وسالته : بايه طريقة اذن ؟
-لدى مشكلة ... امرأة . امرأة جميلة جدا ... لكنها محبة للتملك ، ونادرا ما تفشل فى الحصول على ما تريد ، فى الوقت الحاضر الاطلسى يفصل بيننا ... لكن بعد اسبوعين سنلتقى هل فهمتنى ؟
-ليس تماما ...
-انها حفيدة روبرت روتنغهام 0
-الرجل الذى ستلتقيه ...
-بالضبط 0
-اوه ... يا الهى ! سيكون الامر مربكا 0
-بل شديد الارباك ... لقد حاولت من خلاله ان فهمها ان لى سمعة سيئة ، وان لدى عدة نساء فى الوقت الحاضر ، واننى ساصطحب واحدة فى رحلتى الى الكاريبى ... وكنت اظن ان هذا قد يبعد عنى اية فتاة عندها القليل من الكرامة ... الا توافقين على هذا 0
-قطعا !
-هذا ما ظننته ... لكن الا ترين اننى بحاجة لمساعدة !
-صحيح ؟
-اليس الامر واضحا ؟
مال الى الامام يمسك بيدها وينظر اليها نظرة توسل قديمة الطراز : احتاج لمساعدتك ناتالى !
-انا ؟
-اجل ... اريد منك مرافقتى فى هذه الرحلة ، ليس فقط كسكرتيرة ... بل كامراتى 0

رفيلة
13-01-2011, 10:06 AM
الخوف اللذيذ


اذن ... هذا ما كان يمهد له من خلال المداهنة . كان رد فعلها للوهلة الاولى تسلية لا صدمة فعندما بدا يحدثها عن تلك الفتاة فكرت فى انها ستدعى للتدخل فى امور عاطفية الى جانب واجباتها كسكرتيرة ... لكن هذا ؟ يا لجراته !
ووضع يده بخفة فوق يدها قبل ان تتكلم : ارجوك ... لا تستنتجى استنتاجات خاطئة كالتى اظنك استنتجتها ! اسمعينى اولا 0
كانت تقاوم الوهن ، وهنا لم تتصور مطلقا ان ك0ك قادر على ان سببه لها ...
-اسفة ... لا استطيع ... فانا ...
-لماذا لا ؟
-لاننى ... لاننى لا استطيع 0
فى هذه اللحظة لم تكن صافية لكنها تعلم ان مشاعرها نحو ك0ك قد تخونها . احست ان من واجبها اعطاء رايها الصريح باقتراحه هذا ، الا ان الغضب منعها ، كما كان عليها ان تقابل فكرته هذه امرأة ك0ك بالضحك والاستهزاء . وبدلا من اتخاذ هذه المواقف شعرت بالحزن ، الذى قادها الى البكاء وقالت بصوت منخفض : الامر مستحيل ... وليس لك الحق بمثل هذا الاقتراح 0
-وماذا تظنين اننى اقترح ؟
-وهل الامر بحاجة الى شرح ؟
-اظنه بحاجة الى شرح ... ناتالى ، انه تدبير عملى بحت 0
-لكنه لايبدو لى كذلك فاين الجانب العملى ؟
-ليس القصد منه ان يظهر عمليا . وهذه هى الفكرة برمتها . اخبرينى ... ما اعتراضك فيما لو اعتقد بعض الاشخاص الغرباء لايام معدودة ان بيننا علاقة ؟
-هذا امر غير شريف 0
-شريف ... ؟ نحن لانبحث امر الشرف يا فتاتى العزيزة . انه ذريعة ليس الا 0
بدا من جديد يعود الى طبيعته ، واحست ناتالى بحزن اكبر ... ثم تابع : ساجعل الامر يستحق عناءك اذا كان هذا ما يقلقك 0
-لا .... هذا لا يقلقنى 0
-اذن ما الامر 0
صمتت لكن خرجت منها تنهيدة احباط ، فقال لها : اتفكرين فى مشاركتى فراشى ... صحيح ؟
-الا تفكر فيه ؟
-اسمعى ... ليس هناك شروط او قيود مسبقة ... كل ما اريده منك متعلق بى وابعاد انثى لعينة عن كاهلى ، الى ان نوقع الصفقة . والا فكيف بالله استطيع الخلاص منها؟
-هل تخلو من الجاذبية الى هذا الحد ؟
-بصراحة ، اجل ... فانا لا اعترض على مبدا المساواة والحرية للمرأة . لكننى قديم الطراز اذ احب ان اكون انا الصياد . لماذا قررت ماغى الزواج فى هذا الوقت اللعين ؟ كانت ستقوم بالمهمة دون اعتراض ، وتعتبرها نوعا من المرح ... اوه ... هيا بنا ... ساوصلك الى منزلك 0
سارت معه بصمت حزين الى السيارة ... فها قد حل الظلام واخذ رذاذ خفيف من المطر يهطل ، مما زاد فى الحط من روحها ومعنوياتها وازداد ثقل القلق كلما اسرعت السيارة ... صوت تحرك المساحات المتكرر بدا كتاثير المنوم على اعصابها وكانه يقول لها : لماذا لا ؟ ... لماذا لا ....؟ لماذا لا ...؟ كانت قلقة اكثر بوجود الرجل الصامت وراء المقود ... وتتوق توقا كبيرا الى ارضائه . لماذا لا تقول له ما يريد سماعه ؟
تساءلت الان عما اذا كان سيتذكر عنوانها دون ان تذكره به ، وعادت بها الذكرى الى لقائهما الاول . لكنها لم تعد تذكر التفاصيل ... كل ما تذكره انها مدينة له بجميل لانه انقذها من مخالب ذلك المتوحش ، فعليها ان ترد الجميل مهما كانت تصرفاته معها مترفعة 0
تنهدت عميقا ... يبدو ان القرار جاهز . واحست انه التفت نحوها ، لكنه لم يقل شيئا ، بعد دقائق توقفت السيارة خارج المنزل . وتوقف هدير المحرك القوى ... وبقى الصمت الكريه . نظرت امامها عبر الزجاج الامامى المبلل بالمطر ... وقالت : لقد فكرت فى المسالة ... انا ... سافعل ما بوسعى لاساعدك ... ولانجح الرحلة 0
فالتفت اليها وميض البرق ينير قسمات وجهه : شكرا ناتالى ... كنت واثقا من قدراتى على الاعتماد عليك 0
صوته البارد اشعرها بالخيبة ... لكن ماذا كانت تتوقع ؟ فردت عليه بصوت بارد مماثل : شكرا لك على العشاء اللذيذ ، وايصالك اياى الى منزلى 0
فاحنى راسه قليلا : من دواعى سرورى 0
واحست ثانية بالخيبة ، فلعنت نفسها ... ماذا تتوقع ؟ قبلة شكر ، او قبلة تصبحين على خير ؟ الفكرة صعدت الدماء الى وجنتيها فتمتمت بالتحية واسرعت بالخروج من السيارة 0
كل هذا كان مقدمة لاسئلة منطقية تفاعلت فى راسها لحظة استقرارها فى الفراش لتنام . اذا كان من المفترض ان تبدو امرأته ... فمن المفروض كذلك ان تتعلم ممازحته واللعب معه . لا ان يكون لها ردة فعل غير لائقة كلما وضع يده حولها ... هذا لاجل المظاهر طبعا ، لكن سيكون هناك عدة اشخاص ، وسيتكلمون فى الاعمال طوال الوقت ... وهذا هدف الرحلة . من الافضل ان لاتخبر احدا ... حتى جاين عن الامر بل تخبرها فقط انها مسافرة 0
الكاريبى ... الشمس والرمال الفضية ... البحيرات والقمر واشجار النخيل والكرنفالات ... انها لم تسافر الى تلك الديار من قبل ... وماذا سترتدى من ثياب هناك ؟
هذه المشكلة ، جرى حلها فى اليوم التالى ... او على الاقل الجزء الاكبر منها . فبعد ان فضت الرسائل ، قدمت له القهوة ، وطلب منها المجئ بفنجانها ليجلسا معا . ثم قال : ستحتاجين الى ملابس ... للعطلة 0
-اجل ... الن تمانع لو ارتديت ملابس غير رسمية سيدى ؟
-بل انا امرك ... الافضل ان تعطلى يوما لتتحضرى . بامكانى ارسالك الى احد المحلات لتشترى ما تشائين على حسابى ، واذا كنت تفضلين التسوق بنفسك فخذى مالا من صندوق المصروفات واعطنى الفواتير لاحقا ... حسنا ؟
-لكننى ساشترى ملابسى بنفسى سيد كراين ... كل ما احتاجه هو فكرة عما ساحتاج اليه . لا اريد ان اصل هناك فاجدنى بحاجة الى ثياب رسمية 0
فقطب جبينه : اتمنى لو تنسين عداءك تجاهى مستخدمة ذكاءك الذى لاشك فيه . انت ستقومين بعمل ، وراتب العاملة لن يغطى نفقات الثياب التى اتوقع رؤيتها فيها . سيلزمك على الاقل ثوبان للسهرة وملابس للشاطئ وملابس للنهار وثوب للنوم متالق وروب ، ونوع من الملابس الداخلية التى تحبس الانفاس ، وعلى الاقل ستة اثواب للسباحة . هذا اقل ما يمكن ان تملكه امرأتى 0
فاخفضت ناتالى راسها ، وقد ازداد احمرار وجهها ... ففاتها النظر الى الابتسامة الساخرة التى لوت زوايا فمه ... وقال : هيا انسة لانغستون ... بالتاكيد لست قلقة على سمعتك . فلن يعرف بالامر احد الا ابناء عمنا عبر الاطلسى ... وبكل تاكيد لن تزعجك اراءهم . ما من احد من هذا الجانب من المحيط سيكون معنا ... كنت اظن هذا العمل يروقك 0
-ماذا تعنى بالضبط ؟
-لو تابعنا هذا الجدل العقيم ... فسيقتنع الجميع ! والان اتصلى بهنتر وصلينى 0
مضت ايام العمل التى حاولت خلالها ناتالى احتواء شكوكها ... ليته يمتنع فقط عن هذه التعليقات الكريهة التى تجعل رايه بها واضحا ... مع انه يبدو باردا هادئا تجاه الترتيبات ... موضحا ان الامر بالنسبة له ليس سوى وسيلة لغاية ما ... قالت له مرة : بامكانك استئجار ممثلة لهذا الدور قد تنجح اكثر منى 0
فاجابها دون تفكير : هل بدات تترددين ناتالى ؟
-نوعا ما 0
-لا تقلقى ساكون على ما يرام ليلا ... كما يقال 0
ثم تغير تعبير وجهه وهو ينظر الى وجهها مفكرا : ساقول لك لماذا لا اتبنى اقتراحك ، فانا لا اريد غريبة مهما كانت مقنعة فى تمثيل الدور ... اريد من اثق به0
لم تستطع ناتالى الرد على قوله ... ولم يعد هناك من مجال للتراجع ! ثم اضاف وباللهجة المعتادة نفسها : على فكرة ... حاولى ان تشترى شيئا كهذا 0
واخرج من درجة مجلة ودفعها اليها عبر الطاولة فاذا هى احدى المجلات التى تعتنى بموضة ثياب السباحة . لما تناولتها منه عملت دون سؤال اى زى يعنى ... انه الزى الذى ترتديه العارضة المتموجة الدكناء البشرة المستلقية على شاطئ استوائى المتدفق من جسدها الرشيق الناعم موجات خفيفة ... كانت ترتدى اصغر ثوب سباحة راته فى حياتها وماترتديه مصنوع من نسيج مطعم بخيوط ذهبية 0
تفحصته ناتالى للحظات ، محاولة ابقاء وجهها دون تغضن ، ثم اعادت المجلة الى الطاولة وسالته : هل قرأت الثمن ؟
-اجل 0
-انه يفوق المئة دولارا وليس فيه اكثر من ربع متر من القماش 0
فنظر اليها جانبيا : آه ... لكنه ربع متر مميز جدا . من تصميم ارقى دور الازياء 0
-ربما ... ولكننى لن ادفع مئة دولار لشراء ثوب كهذا ! فانا اشترى عدة مايوهات بهذا الثمن 0
-لكنه ليس مالك 0
-اذن انت ستدفع هذا المبلغ لاجله !
فدفع المجلة نحوها : اسم المحل الذى يبيعه مدون فى المجلة ... خذيها معك ومن الافضل ان تعطلى غدا للتسوق ... والان لا تجادلى ... يا فتاتى الطيبة ... فانا اشعر بصداع 0
-ساحضر لك الاسبرين 0
غريب ... انه لم يشك من صداع قبل الان . دخلت بصمت الحمام الملحق بالمكتب وعادت تحمل حبتين من الاسبرين وكوب ماء ، ثم عادت الى مكتبها لتنجز الرسائل0
اطاعت ناتالى بمزيج من مشاعر الشك ، الذنب ، وعذاب الضمير ، الاوامر فتوجهت الى التسوق فى الصباح التالى . لكنها لن تكون امرأة اذا لم تتحرك غريزتها الانثوية فرحا لتمكنها اخيرا من انتقاء ما يحلو لها دون عذاب ضمير . فاذا لم تطع اوامره ، تعرف جيدا انه قادر على تولى الامر بنفسه . لذلك تشوقت بحكمة للشراء لكنها مع ذلك اقتصدت ما امكنها فانتقت سروالا كلاسيكيا برتقالى اللون وقميصا قطنيا ملائما ، وتنانير قطنية وفساتين قصيرة مع سراويل قطنية رقيقة زرقاء وبيضاء وبلوزات تناسبها ، وبضع شورتات وقمصانا قصيرة وروب للشاطئ ابيض . ثم استردت انفاسها بتناول فنجان قهوة مع بعض الحلوى ، واكملت جولتها لشراء ما تبقى من اللائحة 0
عند الظهيرة كانت قد اكملت شراء ما تريد الا المايوه الذهبى ... فثمنه سخيف ... كما ان عدد اثواب السباحة التى امر بشرائها كبير جدا ... ثلاثة تكفى ... وعادت الى الشقة ويداها تؤلمانها من حمل المشتريات ، فرمتها فى مؤخرة خزانة ملابسها ... بعد تناولها غداء سريعا ، سحبت ثيابها من تحت السرير فافرغتها من محتوياتها ثم ملائتها بعناية بمشترياتها الجديدة . واقفلتها ، وهى تفكر فى السبيل الى شرح سبب شرائها هذه الثياب كلها الى زميلاتها . لان ذلك سيجعلهن يتكهن امورا كثيرة0
اصابتها الدهشة عندما عادت الى مكتبها ظهرا ووجدت فتاة غريبة ، شقراء زرقاء العينين ، تجلس على مكتبها ، ولم تتحرك الفتاة عند رؤيتها بل نظرت اليها ببلاده 0
-لم نتوقع عودتك ... قال السيد ك0ك انك فى عطلة اليوم 0
-انه السيد كراين بالنسبة لك . وبامكانك الذهاب الان 0
-اوه ... انا كارولين لندسون ... مساعدتك الجديدة . ومن الافضل ان تحذرى ... فوظيفتك تستهوينى 0
وضحكت بوقاحة ... فردت عليها ناتالى بحدة : حسنا ... الافضل لك انتِ ان تحذرى ، فانت تعرفين ما يحصل للفتيات اللواتى يرغبن فى مالا يستحقنه 0
انفتح الباب الداخلى وقد اطل منه ك0ك قائلا لناتالى : خالية اليدين ؟
-حملت كل شئ الى شقتى 0
-هل اشتريته ؟
فهمت ماذا يعنى فلوت فمها : لا ... لم اشتره !
-لماذا لا ؟ الم تجدى المحل ؟
اشار اليها بيده لتدخل مكتبه ... فقالت بعد ان اغلق الباب : بل وجدته ... وكان يجب ان تشاهد البائعة هناك ... وجهها ليس حزينا فحسب بل مطلي ومدهون ، نظرت الى وكاننى قطة ... طلبت مشاهدة الزى ، فحدقت فى رافعة حاجبيها الى اقصى مدى وقالت ان اكبر مقاس لديها يصغر مقاسى باربعة نمر تقريبا . ولكنى مع ذلك تفحصته فاذا بى ارى خيطا منفلتا منه ، وسالتها ماذا سيحصل لى عندما ينقطع هذا الخيط ، ثم خرجت من المحل 0
كان ك0ك . يكافح ليبقى على فمه استقراره : ثم ماذا حصل ؟ سالها
-ذهبت الى محل اخر واشتريت ثلاثة ... انها رائعة ...
ثم تذكرت الفتاة فى الغرفة المجاورة فسالت مشيرة اليها : هل ستكون هنا بشكل دائم ؟
-هذا يتوقف على اشياء اخرى 0
-ستستولى على المكتب بدلا منك فى خمس دقائق 0
فعقد ك0ك يديه على صدره ، ونظر الى ناتالى بخبث : او تحسبينى اسمح لها ؟
-هل لى بقول رايى صريحا ؟
-بكل سرور 0
-لا اظن الانسة لنسون تناسب هذا المكتب 0
فابتسم : لقد تاكدت انها لا تقدر بثمن كاملة الكفاءة ، ولها موهبة فى سد الفراغ حين تدعوالحاجة 0
فردت ساخرة : انا دهشة اذن ان احدا لم ينهرها بعد 0
-اما انا فقد توقفت عن الدهشة من اى شئ ... ثم ان على احد ان يدير المكتب اثناء غيابنا . انسيت هذا ؟
لم تنس ناتالى شيئا . بل كانت تحس بسرعة مرور الايام 0
بعد اسبوع سيكونان فى طريقهما الى الكاريبى ... وبدا جبل من الاثارة يتكدس على تفكيرها ، يرافقه احساس غريب هو مزيج من الخوف والترقب لم تستطع تفسيره .
وطمانت نفسها الى انها ستكون على ما يرام حين تصل الى هناك ورغم ذلك لم تطمئن ... لكنها بكل تاكيد لن تستطيع التراجع الان !
حتى موقفها العدائى من كارولين فشل فى تكديرها خلال الايام الاخيرة . وبقيت مشغولة جدا ، متجاهلة بكل بساطة الفتاة الاخرى . هذه الفتاة التى ازدادت مع الايام قناعة بان عليها فعل شئ ازائها حين تعود وقد تضاعفت تصلبا فى اليوم الاخير قبل السفر 0
قال لها ك0ك ذلك الصباح ، دون ان يبدو ان هناك اشياء شخصية ستجرى بينهما فى اليوم التالى 0
-اوه ... كدت انسى ... انزلى الى صالة العرض ودعيهم يحضرون لك احدى حقائب التجميل المميزة لدينا ، واطلبى منهم ارسال حقيبة خاصة بالرجال لى ... يجب ان نكون سفيرين يمثلان بضاعتنا !
ناتالى الشخصية المستقلة اساسا لا تحب اية افادة لا تستحقها ، فهى لم تزر صالة العرض الا حين زارتها برفقة ماغى مع انها تعلم ان معظم الفتيات يتقن دائما للحصول على العينات والمساطر ... كما ان دايفى لايفوت عليه اى منها ... اما اليوم فستلقى اهتمام على انها شخص مميز فى الشركة 0
بتشجيع من مسؤولة الصالة ، الانيقة الطويلة السمراء ميليسا ، الثملة بالروائح الرائعة وصفوف ادوات التجميل الجذابة ، امضت ناتالى نصف ساعة تجرب فيها احمر الشفاه واحمر الخدود ، والكحل وظلال ما حول العينين 0
نصحتها ميليسا : ستحتاجين مرطبا للبشرة تحت الماكياج ... ومزيجا واقيا من الشمس . ومن الافضل استعمال مرهمنا الخاص الشافى من حروق الشمس 0
وفيما هى تتكلم كانت تضع ما تنصحها به فى حقيبة انيقة مناسبة ، بدت كانها من رخام الاونيكس ، لا من البلاستيك المصنوعة منه . داخل غطاء الحقيبة مرآة مناسبة ، ومن الخارج رسم علامة مصنوعات كراين المميزة . اخيرا وضعت ميليسا العطور ، قارورتين من العطر ، ومرشة عطر كبيرة الحجم 0
ثم اعطت تلك الفتاة ناتالى الحقيبة مرفقة بابتسامة دراماتيكية 0
-حظا سعيدا ... ورحلة موفقة ... لا تتعبى نفسك !
عادت ناتالى الى المكتب بمزاج مبتهج وعينين لامعتين . فالتقت بنظرات كارولين الممعنة الفضولية الغريبة : حسنا ... الن تدعينى القى نظرة ؟
لئلا تظهر امتعاضها وكراهيتها تجاة الفتاة ، تركتها تفعل ما تريد ثم راقبتها وهى تتامل محتويات الحقيبة وما تحتويه . وما هو الا وقت قصير حتى علت وجه
كارولين ابتسامة صفراء وهى تقول : اصبحت الان المدللة الصغيرة ؟ حسنا ... استفيدى من الفرصة المتاحة لك 0
-ماذا تقصدين ؟
فهزت كارولين كتفيها : اعمل فى المؤسسة منذ سبع سنوات وقد رايت خلالها اناسا كثيرين يدخلون ويخرجون وستنالين حظك . لكن لا تخطئى مطلقا فى الوقوع فى حب السيد ك0ك ، لئلا تندمى 0
فصعقت ناتالى لدى سماعها هذا الكلام فقالت بشراسة : هذه ليست فكرتى . هل ابدو لك بهذه السذاجة ؟ لم يمضِ على وصولى الى هذه الشركة خمس دقائق حتى اوقفت دايفى تالبوت عند حده ... والان ...
خانتها الكلمات ، فصمتت ثم امسكت حقيبة ادوات التجميل فوضعتها قرب حقيبتها0
ردت الفتاة ساخرة : ما دايفى الا مغرور ... اما هذا ... فله سحره الخاص . وهو يعرف هذا . لذا لا تخدعك الظنون فتتوهمين امورا كثيرة لانه رمى لك يضع مساطر من بضاعتنا 0
-لن اقع فى ما قلت . واقترح عليك التزام الشئ نفسه . والان اذا كان المفترض بك ان تعملى فحضرى هذه التقارير وضعيها فى ملفاتها 0
فردت كارولين بخبث : وماذا كنت افعل اثناء تمتعك فى صالة العرض ؟
جفلت ناتالى ... لم تفهم لماذا تتخذ كارولين هذا الموقف المعادى او لماذا تبدو عدائية الى هذا الحد . فما كان منها الا ان حافظت على هدوئها واكملت اخر اعمال تنتظرها قبل الرحيل . لكن سخرية الفتاة الاخرى منها المتها ، وازالت كل السعادة التى احست بها وهى تحضر الحقيبة مع ميليسا . واحست بالراحة عند دنو الساعة من الخامسة حيث خرجت كارولين . نظفت ناتالى طاولتها ، رشت الماء على النباتات فى المكتب املة ان لا تنساها كارولين اثناء غيابها ... ثم دخلت الى ك0ك لتبلغه ان كل شئ على ما يرام 0
-جيد .. لكن لماذا لم تذهبى يا طفلتى ذات الضمير الحى ؟
بدا لها مرحا ... فارتاحت اعصابها رغم شكها فى هذا الاطراء الذى وجهه لها ... فسالته : ثمة شئ اخر سيد كراين ؟
-لا ... الا اذا استطعت اقناع الهاتف ان يدق 0
-هل اجربه لك ؟
-لا ... ساراك فى الغد ، فى مثل هذا الوقت يجب ان نكون فى ميامى 0
رن جرس الهاتف بينما كانت ناتالى تتمنى له ليلة سعيدة . فالتقط السماعة ، ثم تغيرت ملامحه وقال : ايستيل ... ماذا حدث لك ؟
اغلقت ناتالى الباب بهدوء ، وغادرت المكتب ... من هى ايستيل التى اعادت اللهفة الى صوته ؟ تنهدت وارتدت ملابسى الخروج ثم جمعت اشياءها ... ليس من شانها ان تعرف من هى ايستيل هذه ؟
رغم الاثارة التى شعرت بها خلال اليوم التالى لم تستطع نسيان اسم ايستيل الذى بقى مسيطرا على تفكيرها كلما هدات قليلا ، اذ كانت تفكر فيها كلما سنحت الفرصة اثناء اضطجاعها فى المغطس الساخن واثناء ايوائها الى النوم ، وخلال رحلتها الى المطار فى اليوم التالى ، ثم اثناء ساعات الطيران 0
فى الطائرة ، كان ك0ك يجلس على بعد مقعدين منها ، الى جانب مات مورغان ، مدير الشركة المالى . وكان الرجلان منهمكين فى حديث عميق بصوت منخفض ... بعد انتهاء الغداء عادت اليها الذكرى ... من هى ايستيل ؟ بكل تاكيد لم تلمح اسمها على لائحة مواقيت اعياد الميلاد فى مفكرتها ... مع ان الاسماء ليست كثيرة وهى والدته التى تعيش فى بوسطن متجاهلة امور الشركة ، وشقيقته التى تعيش مع زوجها الدبلوماسى فى اوروبا ... وابنة عم بعيدة فى التاسعة من عمرها اسمها انطونيا مارغريتا ...
اذن ... لابد انها صديقة له . ربما تكون هى تلك الانيقة الرائعة التى كانت معه فى ملهى زمردة الكاريبى ... تنهدت ناتالى ... الرجلان توقفا عن النقاش ثم ارخيا راسيهما على مؤخرة المقعد ، واغمضا عينيهما ... انهما ينويان قضاء بقية رحلتهما نائمين 0
مرت الرحلة دون حادث يذكر .. واحست ناتالى بخيبة الامل لانها لم تشاهد من ميامى الا السماء الزرقاء وبعض السواح الاميركيين المتواجدين فى المطار ، قبل ان تنتقل ومن معها الى طائرة صغيرة للانتقال فى رحلة قصيرة الى سانت فنسنت ... فى هذه الرحلة كان مقعدها الى جانب النافذة ، حيث تمكنت من القاء النظرة الاولى على البحر الكاريبى اللامع الازرق ... المزين بالجزر الخضراء المخملية . وسالها مات مورغان : للمرة الاولى ترينه ناتالى ؟
-اجل ... ما اجمله !
فابتسم ك0ك : المرة الاولى تعنى دائما ان كل شئ جديد وغير مالوف 0
صمتت ناتالى ... لايمكنه ان يكون اكثر تحفظا ... من الواضح ان دور الادعاء لم يبدا بعد !
لكنها لم تستطع كبح اثارتها عندما حطت بهم الطائرة وركبوا السيارة التى استاجرها ك0ك ، ليستخدموها خلال اقامتهم هنا . فطالعتهم الحرارة والابنية الخضراء والبيضاء المتالقة فى سانت فنسنت عاصمة تلك المجموعة من الجزر ... ثم نقلتهم السيارة الى الخط الساحلى خارج المدينة ، الملئ بالفنادق الجديدة المحيطة بها الحدائق الواسعة الرائعة ، والشاليهات البيضاء الجميلة 0
كان عرض الجزيرة اربعين كيلومترا تقريبا تلتف مشكلة نصف دائرة تضيق فيتكون منها خليجا رائعا يضم ميناءها الطبيعى ... لحظتئذ تمنت ناتالى ان تتاح لها الفرصة لاستكشافها ... فهى تحب السير والتجول ، والسباحة . ولقد افتقدت كل هذا منذ دخلت دوامة العمل فى مدينة نيويورك الكبيرة 0
بعد اقل من ربع ساعة وصلوا الى وجهتهم ... التى هى فيلا مؤلفة من طابق واحد ، عريضة ، تبتعد عن الطريق وتحجبها عن العيون نباتات واشجار استوائية .... وهى مبنية على الطراز المتوسطى ، جدرانها بيضاء وسقفها احمر تقع وسط حديقة جميلة من المرجات التى تتخللها ممرات متعرجة تملاها خضرة استوائية غزيرة . قرب الفيلا سلسة من المدرجات تنمو فيها الازهار على كل المستويات ، اضافة الى فناء واسع يحتوى على زوايا منعزلة مسقوفة بالنباتات المزهرة وتتدلى كانها تتدفق منها 0
اتى من المنزل راكضا صبى وفتاة على وجيهيهما ابتسامتان ، ترحيبا بالقادمين ، تتبعهما امرأة ممتلئة الجسم ترتدى ثوبا مشجرا فرح الالوان . ابعدت الولدين وقدمت نفسها على انها ماريا ، مدبرة المنزل المحلية ثم رحبت بهم ترحيب اهل البلاد القديمة التى ستكتشف ناتالى فيما بعد انها احدى نساء اهل البلاد الاصليين السمر ، ثم اخبرتهم ان الولدين هما حفيداها 0
كان الولدان ، فى الثامنة والعاشرة من عمرهما ، يختفيان داخل المنزل يجرجران اذيالهما تحت ثقل حقيبتين كبيرتين تبلغان حجمهما تقريبا . عندما سارع ك0ك . زرائهما ليريحهما من حملهما ، وقدم لهما بكل لباقة حملين اخف بكثير كى ينقذ كبريائهما . رفعا نظرهما اليه فانحنى ليستمع الى شئ قالاه له 0
ان رؤيته مع الولدين ، جعلت ناتالى تشعر بخفق غريب فى قلبها فمع انه مايزال فى البذلة الرسمية نفسها التى صعد بها الى الطائرة من نيويورك ، الا ان هناك شيئا مختلفا فيه . فيه لمحة دفء ومرح ، وشئ يشبة الرقة لم تشاهدها عليه من قبل بكل تاكيد ... ثم استقام وعلى وجهه تعبير الرزانة ونظر الى الفتاة قائلا : هذه روزا ... وهذا شقيقها جوزيبى ... لقد تطوعا ليكونا دليلينا اذا اردنا التجول فى الجزيرة . كما انهما يسكنان فى الجحيم 0
رفت عينا ناتالى دهشة ، وقطب مات وجهه بمرح ... ثم لاحقت ماريا الطفلين الضاحكين الهاربين الى داخل الفيلا . وقالت ضاحكة : هذا صحيح ... هناك مكان على الجزيرة يدعى الجحيم وهما يحبان رؤية وجوه الزائرين عندما يقولان هذا لهم . الشيطانان الصغيران ! والان ... اتفضلون المرطبات اولا ام الاستحمام ... ام كوب شاى احضره بطريقتى الخاصة ؟
فاجابت ناتالى ، التى كانت تشعر بالحر الشديد : ارغب فى اى شئ مادام شرابا 0
-انه شاى مميز ، اول ما تطلبه السيدة برنتون ، صاحبة الفيلا ، عندما تصل الى هنا ، وهى عادة تتناوله هناك ....
واشارت ماريا عبر غرفة النوم الواسعة ، الى حيث يتكون جدارها الرابع من ستائر تنفتح على شرفة مسقوفة ، تطل على شاطئ ابيض واسع فيه اشجار نخيل واشجار وارفة الظلال تحتها كراسى نوم خاصة بالشاطئ وطاولة من الخيرزان ... حثت قسمات السائغة للنظر ، ناتالى على اللحاق بها دون تاخير 0
لكن ك0ك . قال وهو يتقدم الى جانبيهما : الشاى هو للسيدان الكبيران المترهلان ... اذهبى للاستحمام بسرعة وارتدى ثيابا خفيفة ... لنتناول بعد ذلك الشراب 0
-لكننى اريد التقدم نحو الشاطئ ... ثم انها ذهبت لتحضير الشاى ...
ابتعدت عنه بهدوء قدر الامكان فعبرت الشرفة نحو الممر الموصل الى الرمال ثم توقفت قرب الماء تراقب الزبد الابيض يقفز الى الشاطئ ثم يتراجع فوق صفحة الماء الخضراء كالجاد . تمنت عندئذ لو انها اتبعت نصيحة ك0ك وارتدت ثوب سباحة فالبحر بدا وكانه ينتظر ان يلفها كثوب من الفيلا تحمل صينية الشاى بين يديها 0
بعد لحظات كانت ناتالى تجلس على كرسى طويل ، حافية القدمين ، شعرها منسدل ليتمكن الهواء العليل من التلاعب به خلف عنقها ... كان الشاى مثلجا ... مع الحامض ... وشئ اخر لم تعرف ما هو ، لكنه جعل الشراب المعطر برائحة الياسمين منعشا 0
بدات الشمس تنحدر نحو المغيب ... وسمعت من بعيد صوت الولدين ، ثم الصمت ، يقطعه فقط صوت تحرك الامواج المستمر وصراخ طير فوق البحر . فاستولى على تفكيرها نوع من احلام اليقظة ، تدور بها هنا وهناك ... سيكون امامها عمل تقوم به ... فهى ليست هنا فى اجازة ... لكن من الشبق ان ترفع راسها من الة الطباعة لتتامل هذا كله ... فسيكون امامها وقت متسع للسباحة ورؤية الجزيرة ... وربما سيكون امامها من المرح التظاهر بانها امرأة ك0ك ... بطريقة ما ، لم تكن خائفة من هذا بعد ان وصلت الى هنا ... هل سيضع ذراعه حول كتفيها ؟ ربما سيفعل ... لتبدو التمثيلية حقيقية ... ويجب ان تحاول ان لاتضحك على هذا ...
بدت على شاشة جفنيها المغمضتين صورة ك0ك ذا الفم القاسى الجدى ... فتنهدت ... تاركة خيالها يتجول ... لكن الخيال لمِ يكن يوما بمثل هذه الواقعية ... ! كان فمه حقيقيا ... دافئا خفيفا مغريا ... فتحت ناتالى عينيها على وسعهما ... فوجئت بعينين رماديتين ، واهداب سوداء ، وراس اسود ... جعلها عدم التصديق ترتعش حتى اسفل ظهرها ، ثم شهقت لان شفتيه على مقربة من شفتيها . فاستقام ، ينظر اليها دون ان يبدو على وجهه تعبير محدد : هل ستاتين للسباحة ؟
-هل ... هل ... قبلتنى ؟
-تمرين اولى ! لابد ان يكون هناك بداية فى وقت ما . وانت تعرفين هذا 0
-ماذا تعنى ... بداية ؟ ... لن استطيع السباحة قبل ان افرغ حقائبى فاخرج منها ثياب السباحة 0
مد يده يساعدها على الوقوف : ولماذا تزعجين نفسك ... انه شاطئ خاص ... مغطى وبعيد عن النظر ... فعودى الى الطبيعة . فنحن لن نمانع 0
-هل ... هل ... تقترح ان ... اسبح ... عارية ؟
-الماء دافئ ، كما اظن 0
-لايمكن ان تكون جادا سيد كراين . اظن ان من الافضل الدخول الى الفيلا و ...
-مهلك لحظة ... يجب ان نبحث بعض التفاصيل ، لنتفاهم عليها بشكل صحيح 0
انتظرته ليتكلم ... لكنها وجدت نفسها تنجذب نحوه ببطء ووضع كلتا يديه على كتفيها : بداية ... امامك فقط اربعا وعشرين ساعة عليك فيها نسيان امر السيد كراين ولفظ سيدى 0
-صحيح لكن بماذا اناديك ؟ يجب ان ندعى ان بيننا ... بيننا ...
-علاقة حب كاملة !
-اوه ... لا ! لا يمكن التظاهر بهذا اذا لم يكن حقيقيا . لكن حتى ولو تظاهرت بهذا فساظل سكرتيرتك . اذا كنت على علاقة معى ... فاين سكرتيرتك ؟
-ناتالى ... انت طفلة ذكية ! لقد فاتنى التفكير فى الامر ... لن تقتنع ريتا ، او ربما لن تكترث اذا عرفت اننى اعبث مع سكرتيرتى 0
-كان يجب ان تستخدم جاين ، التى كانت ستقوم بالدور بكل اتقان 0
-ومن هى جاين ؟
-انها زميلتى فى الشقة ... لقد رايتها ... ذلك اليوم عندما كنا مع الاطفال ...
-اوه ... العمة المجهولة ... اتذكرها ... لا يا ناتالى يجب ان يقوم بالدور من اثق بها لا من لديها القدرة على ابتزازى فيما بعد 0
-ما يجب ان تفعله ... هو الزواج 0
-لا تكونى ساذجة . فهذه ليست رحلة يرافق الرجال فيها زوجاتهم ... ثم ان هذا لن يردع ريتا 0
-مما اسمعه منك عنها ... اظن اننى ساكون فاشلة امامها 0
-لا اظن هذا ... فطبيعتك عكس طبيعتها تماما ، وهذا ما سيهزها ... كما امل . لذا ابدئى بالتعاون ، ولاتنادينى سيدى اثناء وجود ريتا . نادينى كولت كما ينادينى اصدقائى . وحاولى ان لاتشهقى كالساذجة عندما افعل هذا ...
وبسرعة البرق التفت ذراعه على خصرها ويده الاخرى امسكت بذقنها ليضمها اليه بشدة 0
تاثير العناق هذا على ناتالى كان اقوى من قدرتها على تحليله . فعندما تركها احست بالدوار ، وكانما اعصار قد ثار فى داخلها ولم يتوقف بعد . ابعد راسه عنها وكانه يسمع جيشان مشاعرها ... ثم قال لها : لاتظهرى قلقة هكذا ... ستتحسنين مع التمرين 0
التمرين ! الكلمة دارت فى فكرها تعذبها وهى تحاول التفتيش عن رد مناسب ... وتحرك متجها الى البحر ، لكنه توقف والتفت اليها : على فكرة ... هناك علبة على سريرك ... لقد بدات تصبحين مهملة ناتالى ...
واكمل سيره . فحدقت فيه مذهولة ... عم يتكلم ؟ لم تترك شيئا وراءها ... لقد تذكرت الالة الكاتبة الصغيرة ، والاوراق جميعها واحضرت كل الوثائق المطلوبة لابرام الصفقة ، لذا الافضل ان تذهب ةتتاكد بنفسها !
بعد لحظات كانت يدها تغوص فى بحر من الاوراق الهشة داخل علبة لماعة كانت على السرير . بدا منها لون قرمزى وذهبى ... ثم البيكنى المذهب . ومعه شئ لم تشاهد مثله من قبل ... سترة للشاطئ قرمزية لها ياقة عريضة عرض اصبع لونها ذهبى ....
اخيرا ... تقدمت نحو المرآة لتضع السترة امام صدرها فطغى لونها القرمزى على اللون الاحمر فى خديها : اللون الذى اشعله ك0ك منذ لحظات ... كان فى عمق العينين اللتين طالعتاها فى المرآة ذعر غريب ... مرة اخرى اظهر لها كم من العقم مخالفة اوامره 0
احست فجاة انها ترتجف . كما احست بالخوف ... لكن لم تكن تعرف ان الخوف قد يكون منعشا هكذا ...

رفيلة
13-01-2011, 10:07 AM
عمل خارج الدوام


تناولوا العشاء تلك الليلة على ضوء الشموع تحت سماء استوائية مليئة بالنجوم اللامعة التى فاق توهجها توهج اللهب الذهبى المنبعث من الشمعة ... راح نسيم دافئ ناعم يتلاعب بذراعى ناتالى العاريتين .... واخذ البحر يتنهد فى الظلمة ، وكانما همساته تحاول اقناعها انها موجودة فعلا فى هذه الجزيرة ، الجنة 0
ابعدت ناتالى مرفقها عن الطاولة ، فابتعد ذقنها الحالم عن يدها ... وافاقت من جلستها فاكتسى وجهها التعبير الذى يبدو كلما تهيات ليوم عمل جديد فى المكتب0
بدا الرجلين قد نسيا وجودها مؤقتا وهما مستغرقان فى حديث عملى ... وسمعت ك0ك يكمل حديثه : .... اجل .... اظن ان علينا اللعب بصبر الايام القادمة 0
فاجابه مات : انت محق ... روتنغهام لن يترك مؤسسته الا متى استعد تماما 0
-لكنه سيعمر اكثر مما تظنه العائلة ... لذا اظن ان علينا التريث معه . فهو ومن معه ضيوف بالدرجة الاولى ثم منافسون فى الاعمال . ولا تنسى ان زملاءه ضغطوا عليه ليبيعهم اسهمه ... وقد يجرده من سلاحه وجوده فى محيط هادئ اكثر مما كان سيحدث فيما لو وجد نفسه وسط تكتيكات مملة 0
نظرت ناتالى الى كولت : الا تخشون ان تعرض شركة منافسة سعرا اعلى ؟
-بالطبع هناك مخاطرة . لكننى اعرف ان روتنغهام ابدى رفضا قاطعا لكل الاشاعات المتعلقة بالبيع وهذا يبعده فترة عن الضغط 0
فقال مات : هذا اذا استطعت لجم ريتا !
فنظر اليه كولت بحدة ، فابتسم الرجل الوسيم وهز راسه ، ثم قال بلهجة ذات مغزى : تاكد فقط انك لن تدفع ثمنا غاليا 0
تلك الكلمات بقيت تدور فى ذهنها بعد ان دخلت تستريح فى غرفة النوم الرائعة الاثاث ... فثمة شئ ما فى لهجته ازعجتها ، وكانما يتوقع منها ان تخذل كولت نفسه قد بدا يندم على اصطحابها معه فى هذه الرحلة ... تاقت نفسها الى كسر الواجهة التى يختبئ وراءها هذا الرجل لتكشف طبيعته الحقيقية ... كيف سيكون يا ترى ؟ كيف لها ان تتعامل مع اصدقائه 0
خلعت ملابسها ، وارتدت غلالة نوم شفافة ثم فتحت باب الحمام ... فتنسمت منه رائحة عطر رجالى جعلتها تحدق البصر فى الشعر الاسود والجسد الطويل المرتدى روبه الابيض ... فشهقت مذعورة ... تحاول الاعتذار : اسفة ... لم اكن اعرف ... اوه !
علق كعب قدمها فى حافة ثوب النوم الطويل قليلا فحاولت جاهدة استعادة توازنها ، فتشت يائسة عن شئ تتمسك به ... وبدلا من الوصول الى ستارة المغطس وجدت
كم روبه اقرب اليها .... واذا الذراع القوية تحت الكم ترتجف قليلا دون ان تتخلى عنها 0
امسكت يد كولت الاخرى بكتفها ، امسكها بثبات حتى استقامت ... ثم قال بلهجة صارمة : لاتعتذرى . قد يصبح الامر عاديا بعد بضعة ايام 0
-ماذا ؟ ثم ماذا تفعل هنا ؟
-نحن نتشارك هذا الجناح ... الم تعرفى هذا ؟ ظننت ان هذا افضل . فهذه الغرف تقريبا وفى مؤخرة الفيلا . كما اننى مضطر لارضاء ضيوفى ... ولتوضيح ما اتفقنا عليه 0
-اتفقنا عليه ؟ اتمنى اننى ساشاركك الجناح والحمام ... طول اقامتنا فى هذا المكان؟
-هذا صحيح . وظننت الامر مفهوما لك . فهناك انطباع محدد يجب ان نجعله مقنعا0
-اوه .... اجل ... افهمك جيدا .... ! لكن عجبا ، هل تتوقع منى المضى فى الامر حتى نهايته اى حتى فراشك ؟
فالتوى فمه ساخرا ثم عاد الى طبيعته : اذا كنت ستفاجيئننى دائما فقد يغرينى التفكير فى الامر ... فانا مضطر للاعتراف اننى لم انتبه الى جمال وسحر سكرتيرتى ... خاصة عندما ينسدل شعرها كما الان 0
ملاتها نظرته ذعرا ... واحست بان جسدها مكشوف تماما تحت هذا القميص الشفاف ، فلفت ذراعيها حول صدرها : لست جادا ! وانت تعلم اننى ما كنت لاجرؤ على الدخول الى هنا لو عرفت انك فيه ... ساتاكد من عدم حدوث هذا ثانية !
ارتدت الى الخلف وهى تتكلم ... فلحق بها ليقف عند الباب وليراقب تراجعها المحرج 0
-ان هذا لمخيب للامل حقا ! انت تحمرين خجلا ناتالى !
-وماذا تتوقع ؟ كان يجب ان تحذرنى مسبقا ؟
فرد ببرود : نسيت ... لكن لا حاجة لك للقلق . ساسامحك 0
كانت تجهل كل الجهل كيفية التعامل مع هذا الموقف فارتدت اكثر فاكثر وهى تحدق فيه ... وهو يستند بطوله وجسده الجذاب الى اطار الباب . اغمضت عينيها يائسة وقد ادركت فجاة كيف يمكن ان تتحقق ... فمنذ لحظات وهى تخلع ثيابها كانت تفكر فى اختراق واجهته للوصول الى حقيقته ... والان يبدو لها انها لو قامت باية حركة خاطئة ... فستواجه اكثر من اكتشاف !
سمعته يقول بصوت ناعم : تعالى الى هنا ناتالى !
خفق قلبها بقوة وهى تهز راسها رافضة النداء فى عينيه اللتين لم يرف لهما جفن 0
-تعالى ... انت تعرفين انك تريدين الاقتراب منى 0
-لا !
-يالك من كاذبة فاشلة ناتالى 0
-لست كاذبة !
-لا تجادلى ...
ومد يده منتظرا الطاعة 0
وكانما كانت منومة مغناطيسيا ... حاولت جهدها منع قدميها من التحرك ، وفى خطوات صغيرة مترددة فوق السجادة السميكة التى تعطى الخطوات صمتا رهيبا ... وقفت على بعد ذراع منه تحدق فيه بذهول ... وسالته عن قصد : نعم سيدى ؟
-لن تخدعينى ... انت لا تشعرين بضرورة الطاعة . اليس كذلك ؟
-بما انك سالت ... لا سيدى !
-هذا ما ظننته ... لماذا لا تكونين صادقة فتعترفى بانك فضولية ؟
كان انكارها سريعا جدا ... فابتسم ثانية : اما زلت تتسائلين عما اذا كنت من البشر . ناتالى ؟
سارع اللون القرمزى يغزو خديها ... فحاولت ان تحتج ، لكن لسانها رفض التحرك ... فهز راسه ثم قال : اعلم جيدا الشكوك التى تدور فى راسك بشانى 0
ثم مد يده ببطء يلتقط خصلة من شعرها ، شدها بها دون عنف ، انما بثبات كاف ليجبرها على الاقتراب منه الى حد جعلها تشعر بقماش روبه يلامسها ، وترى شعر صدره الاسود من خلال فتحه ياقته 0
كانت متصلبة الى درجة كادت تجعلها تقفز فيما تحركت . فما كان منها الا ان حفرت باصابع قدميها فى السجادة السميكة ، اخذ قلبها يدور كالدينمو ... بدات الاحرف الزرقاء المطرزة على روبه تدور وتتراقص ... واحست بالدفء والارتجاف 0
وتحرك ... واقترب وجهه من وجهها ، فاخذت اعصابها تنبض من التوتر ، وعلقت انفاسها فى حنجرتها ... فجاة شاهدت اسنانه البيضاء ... وقال : اتعلمين ناتالى ... ربما فى نهاية هذه الرحلة ... ستكتشفين ما تريدين 0
وتركها فجاة مبتعدا عنها قاصدا الباب الاخر للحمام قائلا من فوق كتفها بكل عفوية : الحمام لك الان ... تصبحين على خير 0
كانت مشاعر مختلطة مشوشة ، عجز الماء معها عن تهدئتها . عندما مدت يدها الى روب الحمام السميك والقت نفسها فيه كان فى حركتها توتر والحاح ... لكنها لن تعترف ابدا انها بعد ان انتهت من مواجهته احست بشعورين هددا بالسيطرة على ما تبقى من مشاعرها 0
كانت منقسمة النفس بين الصدمة والغضب ... وماذا بعد ؟ بالتاكيد ليس خيبة الامل . فهذا الشعور سخيف ! فلو حاول ان ... لصفعته على وجهه ... فليس من حقه ان يشاركها الحمام ! والا لما كان هناك ضرورة للتمثيل ! او التمرين ! ثم كلامه هذا عن كونه من البشر وكل ما يمكن تن تتوقع اكتشافه هو امثلة تدل على مدى بعده عن البشر 0
استيقظت ناتالى فى اليوم التالى بعد ليلة قلقة ، تشعر وكانها غريبة عن العالم 0
اكدت لنفسها بحزم ان سبب هذا الشعور يعود الى طبيعة الطقس وسيلزمها يوم او يومان للتاقلم . لكن هذا ليس عذرا يبرر استغراقها فى النوم فى اليوم الاول لها فى هذه الجزيرة . ايكون ذلك يسبب ما حدث البارحة ... لا !
منعت ذهنها بحزم من التفكير بما حدث فى الحمام ... لا عجب انها تقلبت فى فراشها ارقة ... لكن عليها الان ان تظهر الهدوء امام الناس 0
تبين لها ، على الاقل ، انها ليست الاخيرة فى الحضور الى الفطور ، اذ لم تجد اثرا لكولت ... وهذا افضل لها . لكن مات كان على الشرفة يحمل فى يده كوب من عصير شهى ويجلس الى طاولة بيضاء مستديرة معدة لثلاثة اشخاص 0
بدا لها مات لطيفا ، وكانه عم حنون ، بشعره الرمادى المتطاير فى الهواء المنبعث من البحر وباسارير وجهه المتوسطة العمر التى فيها بعض من التعاطف 0
ما ان جلست الى طاولة حتى قطع طيف الشرفة ، فرفعت نظرها فاذا هى امام عينى ك0ك الساخرتين . انه كما يبدو كان يسبح ، فقطرات الماء مازالت على كتفيه وصدره . وهو مازال يرتدى ثوب سباحة ازرق اللون ويضع المنشفة على كتفيه ، حيث بان شعر ه الاسود مبللا ، بدا فى مظهره هذا وكانه فتى لعوب صغير لا رجل صناعى جاد فى عمله 0
-هل نمت جيدا ناتالى ؟ سالها
-تقريبا 0
كان من حسن حظها ان ماريا اختارت تلك اللحظة بالتحديد للظهور ، فراحت تسالهم عما يريدونه من طعام وما ان انتهت مدبرة المنزل من معرفة طلباتهم حتى استعادت ناتالى رباطة جاشها بعد نظرته الساخرة التى ذكرتها بليلة امس . لم يكن الامر بالنسبة لها التاقلم مع محيطها فقط ، بل التاقلم مع وجود ك0ك فى كل مرة يتقابلان فيها 0
لم يكن الضيوف سيصلون قبل صباح اليوم التالى ... وهكذا اخذا الرجلان يتحدثان عن مخططهما هذا اليوم . قال مات : جولة سريعة فى الجزيرة على ما اظن ، ستتيح لنا تعريف انفسنا الى ما يحيط بنا 0
فضحك كولت : تعنى نعطى انفسنا مظهر من يعرف كل شئ ... طبعا 0
-طبعا ... انت تفهمنى جيدا !
-للعشرة حق 0
والتفت مات الى ناتالى : اتعلمين ؟ لدى شعور ان اليوم سيكون مرهقا اكثر من اى يوم عمل فى المكتب 0
راى مات لم يكن بعيدا عن الواقع ... فقد كان يوما مرهقا بالفعل ، لم تستطع بعد انتهائه اخفاء تعبها وذلك بعد ان عادوا متاخرين مساء اثر جولة شاملة فى الجزيرة 0
لم تجد ناتالى اثر لتصرفاته التى كانت فى الليلة السابقة . فلقد عاد ذلك الرجل الى طبيعته المعهودة ، ذلك الرجل الغليظ الذى يجرى وراء هدفه باصرار ... انه اى شئ الا بشرا . وجلست ناتالى ترتشف كوب الشوكولا الساخن استعدادا للنوم بينما الرجلان يبحثان امر رحلة صيد سمك سينظمها كولت للضيوف فى موعد مقبل من الاسبوع ... وتمنت ناتالى الا تشاركه رحلته . فهى كرهت هذه الرياضة من خلال مشاهدة افلام عنها ، واحست بالثورة نفسها التى تحس بها عند مشاهدة افلام مصارعة الثيران ، التى ينتهى فيها الصراع الخالى من الشفقة الى موت الخاسر . وتساءلت ما الذى يدفع الرجل الى الرغبة فى الصيد والقنص والقتل ، اللمتعة ؟ ام لانها ارث قديم منذ صدر التاريخ يشق درع الحضارة فى بعض الاحيان تاركا شهوة اراقة الدماء تطغى على الرجل ، وينقلب فى بعض الاحيان الى اراقة دم بنى جنسه من رجال ، وينقلب فى بعض الاحيان الى اراقة دم بنى جنسه من رجال ونساء واطفال ... وسمعت صوت كولت يكمل حديثا معها : ... حاولى ان تظهرى اكثر سرورا وسعادة 0
حدقت ناتالى فيه وهو يقف فوقها ، ساخرا تعابيره ، فاقدا صوته الصبر ... ماذا كان يقول لها ؟
-استميحك عذرا ؟
-قلت ، حاولى ان تتذكرى لعب دورك وكانك تعنينه تماما 0
-اوه ... اتعنى ...
-اجل ... اعنى ... انا اعتمد عليك كل الاعتماد فى تجنب اية مضاعفات 0
فقاطعه مات : اوه كولت ... فليكن فى قلبك رحمة ! الاترى ان الطفلة ميتة من التعب ... لو وضعت نفسى مكانها فى هذه المهمة الحقيرة ، المطلوبة منها ، لهربت على اول طائرة عائدا الى بلدى ، هذا بعد ان اقول لك بضع كلمات موزونة بشان عملك الحقير هذا !
وساد صمت قطعه بوضوح شهقة ناتالى التى توقعت انفجارا وردة فعل عنيفة من ك0ك. لكن شيئا يشبة البسمة كان يلوى اطراف شفتيه وهو يقول لها : لا حاجة لكل هذا الذهول ! ثمة على الاقل رجل واحد فى الدنيا يمكنه قول رايه بى بكل صراحة ، وهذا ما يفعله دائما . يبدو انك حصلت على بطلك المنقذ ... لكن لا تحاولى الاستفادة كثيرا من هذا الواقع !
لم ترد ناتالى عليه ... فقد تعلمت ان مات عالم بشان خطة كولت ودورها فيها ، ثم تذكرت نظرة الاشفاق التى ظهرت على مات ذلك الصباح ... عندئذ تساءلت مصدومة عما اذا كان قد سمع صدفة او شاهد ما جرى فى الليلة السابقة ، مع ان التفكير السليم يؤكد لها ان هذا مستحيل لان غرفته فى الناحية الاخرى من الفيلا 0
ونظر كولت اليها نظرة ذات مغزى واكمل : مات على حق كلنا عالقون فى الفخ ... اعطيك نصف ساعة لتستحمى 0
لاحظ مات نظرته ذات المغزى فقال : اذا لم تستطع الاستحمام فى نصف ساعة . فسيكون الامر سيئا 0
تصاعد الغضب الى وجنتى ناتالى احمرارا . فنسيت كل الانضباط الذى اعتادت عليه فى عملها ، وصاحت بالرجلين : احس اننى اسوا وضعا من المتزوجة ! وخرجت ثائرة من الغرفة ، تحملها خطواتها الغاضبة الى الردهة الموصلة الى الطرف الاخر من الفيلا الواسعة لكنها عادت فخففت سيرها ببطء فلحق بها كولت عند الباب الموصل الى جناحهما . واحكم يديه على كتفيها يوقفها ويسالها بعنف : ماذا تعرفين عن الزواج ؟
-ما يكفى لاعرف ان سحره يزول بسرعة !
حاولت دفع يديه عنها ، لكنه قاوم جهودها بسهولة 0
-انها ملاحظة ساخرة ! اذن انت تؤمنين بالزواج ؟
-لم اقل شيئا من هذا القبيل !
ادارت وجهها اليه لتتمكن من النظر فى وجهه لكن الظل اخفى عينيه عنها ... فسالته ببرود : ثمة شئ اخر سيدى ؟
كانت الحركة ، وسؤالها ، خطا نظاميا ... فقد جعلا من السهل عليه ان يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها نحوه ، ثم يقول بهدوء : اجل ... اريد معانقة سكرتيرتى قبل النوم 0
احست ناتالى بانها علقت فى فخ صنعته بيديها . فخ بدا بسرعة فى تحريك احساساتها ... فتصلبت : لكن تمثيل الدور لن يبدا قبل الغد ؟
فزاد ضم جسدها اليه : وان يكن ؟ فالساعة تقارب منتصف الليل الان 0
كان شكل راسه يلوح لها من فوق ، ثم انخفض ببطء فى وقت اخذت فيه عيناها تغمضان ... وتحركت يداه تداعبان ظهرها ، بلمسات ناعمة مصممة دفعت ناتالى ، المسلوبة الارادة ، الى الجمود . ثم بدا قلبها يخفق بسرعة مالوفة اصبحت تعرف انه واقع كلما اقترب كولت منها ، فما بالك بان يلمسها ؟ ... وبدات طرقات انذار دفاعاتها تضرب بقوة فى راسها 0
حاولت ان تقول له شيئا ، بعد ان لفظت اسمه بضعف ... كما حاولت التراجع قبل ان تفقد السيطرة على نفسها ... لكن الكلمات لم تخرج سوى آهات مخنوقة ، وفقد جسدها القوة والمقاومة لحظة اشتداد ذراعيه المفاجئ الذى جعل احساساتها تكاد تنسل منها 0
تحت تاثير ضغطه على جسدها الطرى ، ضاعت ناتالى ، فتدفق مصهور لهذيان مجنون بدا يسرى فى اطرافها واذا بذراعيها تجدان طريقهما الى ظهره ، تلمسان اطراف اصابعها حرارة جسده تحت القميص الحريرى الرقيق ... واذا بها تتجاوب ... وتتجاوب ...
احست به يتنهد عند التصاقه بها . فلمست حدود فكه باطراف اصابعها دون وعى ، تريده ان يستمر فى عناقه ، لكنه للحظات نظر اليها ، واساريره عميقة لا يمكن التنبؤ بها ... حاول صوت ضعيف ... بعيد بعيد قدم من زوايا عقلها التغلب على قوة الرغبات محذرا اياها من الوقوع فى الندم اذا استجابت لتلك الحماقة لكنها لم تكن تريد ان تصغى ، بل ارادت ان تمضى فى اختيار احاسيسها الجديدة وما قد تعد به ...
سمعته يهمس فى اذنها : لك طبيعة ملتهبة خلف هذه الواجهة العنيدة ... فلماذا كان الخصام بيننا منذ البداية ؟
-انا لم اخاصمك بل انت من فعل 0
-ماذا سنفعل اذن ...
جملته لم تتم لان النور غمر الردهة ، فخرجت من فم كولت لعنة حادة تبعتها صيحة استنكار اخرى : انا اسف ... ! لم اكن اعرف انكما مازلتما ...
حررت ناتالى نفسها من ذراعيه ، وشاهدت مات يقف فى باب الغرفة التى تضمهم هم الثلاثة منذ قليل . وبدا الحرج على الرجل ، حتى الصدمة . واحست ناتالى بالحرارة تحرق وجنتيها ، وحاولت بذعر تسوية ثيابها ثم دارت على عقبيها تهرب . لكن ذراع كولت منعتها ... فقد استعاد رباطة جاشه بسرعة وسهولة وقال لمات ببرود : بالطبع لم تكن تتصور ؟ فلا تقلق . ستتعود على منظر كهذا !
وانزلقت يده عن كتفها نزولا الى مؤخرتها تضعها هناك : امامك بعد عشرون دقيقة يا حلوتى ... ام ان الامر ما عاد يقلقك !
المعنى الخفى فى كلامه واضح وضوحا جعل وجنتيها تصطبغان باللون القرمزى من جديد . ونظرت اليه ، فلم تصدق ما شاهدت ، ففى عينيه لمعان ساخر ، والتواء مماثل فى اطراف فمه ... انه يضحك ! يضحك بالفعل عليها بعدما فعله بها ...
فى تلك اللحظة ثابت الى رشدها ... فتسليته الواضحة احرجتها احراجا شديدا واخجلها بطريقة فقدت معها سيطرتها على نفسها معه ... فغضبت وصاحت : اجل ... الامر يقلقنى ! لكن شيئا اخر يزيدنى قلقا ... ما هو الامر الذى سيعتاد عليه مات ؟ ما الذى سيعتاد على رؤيته ؟ فانطفا بريق المرح من عينيه على الفور : اوه ... يالله عليك ناتالى ... دعك من التصرف الطفولى ... اعنى بضعة عناقات ! هل ستاخذين كل ما اقوله بجد محبط هكذا ؟
-بضعة عناقات ؟
-وما غيرها ؟
احست ان هناك شيئا قد تغير فيه ، شعرت به من خلال طريقته فى النظر اليها ومن تصرفه ... فجاة فهمت انه يريدها ، رانه كان مستعدا ، مع قليل من التشجيع ، على المضى حتى النهاية ، او فى الواقع حتى النهاية المنطقية ... لكنه الان تحول الى غضب يماثل غضبها 0
حاولت الفتاة تهدئة مشاعرها ، فقالت مرتجفة : الفتاة التى تفعل كل هذا لاجلها ليست هنا بعد ...لذا لست ارى السبب الذى يدفعك ...
فقاطعها منهيا كلامها : لمحاولة القفز فوق الحواجز ؟ لو كنت اعلم ...
وترك الجملة معلقة فى الهواء ، فاشتدت قبضتا يداها : نعم كولت ! لو كنت تعلم ماذا؟
-اوه ... انسى الامر ! لكن لاتعتمدى على صبرى كثيرا فى التظاهر بالكرامة المجروحة ... فقد بدات افقد صبرى و ...
ونسيت ناتالى محولاتها تهدئة الموقف ... فصاحت : انت تفقد صبرك ! اظن انه من الافضل لك ان تقرر بالضبط الى اين تريد الوصول بخطتك السخيفة . ومن تريد ان تحملها : طفلة ... ام فتاة جادة بشان كل شئ ! ام انك تريد فتاة تستطيع المرح معها كيفما حملتك اهواؤك ؟ ام ان رايك بى وضيع اصلا ... اليس كذلك ؟ ايها ...
وصمتت شاهقة وقد خطا نحوها مهددا ... ومدت يدها وكانها تدافع عن نفسها وصاحت : لماذا لا تعترف بهذا ؟ لقد بدوت لك ملائمة عندما احتجتنى ، وكنت غبية كفاية لاننى شعرت اننى مدينة لك بشئ . لكننى لن اسمح لك باستغلالى هكذا ! ساحاول الوفاء بوعدى ، لكن دون المزيد . وعندما تعود الى الوطن ... من الافضل ان تفتش لك عن سكرتيرة جديدة 0
صمتت لحظات تلتقط انفاسها ثم اكملت : فتش عن سكرتيرة تلائمك اكثر مما الائمك ... واحدة لن تمانع فى ان تستغفلها !
ارتدت على عقبيها معمية البصر ، تتعثر فى مشيتها الى غرفتها وصفقت الباب ورائها والدموع تنخر عينيها وتخنق صوتها ... وهمست لنفسها بشراسة : اكرهه ! اكرهه ! انه ظالم متعجرف ! لايهمه احد ! ليت عينى لم تقعا عليه !
فى صمت وهدوء الغرفة التى لم تعتد عليها بعد ، تحركت يداها دون وعى للقيام بعملية اعتادت عليها طوال عمرها ... فخلعت ملابسها ، لتطويها دون اعتناء ولتضعها فوق كومة من الملابس الاخرى الجاهزة للغسل ، ثم غرزت الدبابيس دون عناية فى شعرها تبعده عن وجهها كى تتمكن من ازالة الماكياج عنه . ثم نفضت ثوب نوم نظيف ... وارتدته دوم ان تستحم ودون ان تنظف جسمها الذى ينضح عرقا ... فهى لن تخاطر ولو لاجل الدنيا كلها بلقاء اخر مع ك0ك 0
تمددت متوترة الاعصاب داخل الملاءات الباردة ، تعض شفتها مانعة بذلك حاجتها للبكاء ... فكم ستكون غبية لو بكت بسببه ؟
وخرجت آهة كبيرة منها ... بعد ان ادركت تماما ما فعلت ... وتذكرت انها بالفعل قدمت استقالتها ... واعلنت له انها ستترك العمل وطلبت منه ايجاد سكرتيرة اخرى !
بعد اسبوعين من الان ... لن تراه مجددا ....

رفيلة
13-01-2011, 10:08 AM
انت ملكى



فجر اليوم التالى كان منظر الطبيعة من نافذة غرفة ناتالى جميلا بشكل غير معقول ... مع ذلك فقد فشل فى رفع ثقل البؤس الذى حط معنوياتها . سمعت صوت مات فى الخارج ، فى مكان ليس ببعيد ... ثم سمعت الصوت الحاد الاعمق الذى جعلها تجفل وتقف جامدة الى ان ابتعد ... لابد انهما ذهبا الى السباحة ... وبذلك تجد وقتا لتستعد فيه لتواجه ما قد ياتى به اليوم الجديد ... وهى تعلم انه لن ياتى بما هو اسوا من ليلة امس 0
بعد العاشرة بقليل ، غادر كولت المنزل الى المطار وذلك قبل وقت وصول ضيوفه الذين من المتوقع ان تحط بهم الطائرة الخاصة عند الحادية عشرة . وبدا من جديد ، التوتر الغريب ، يستولى على ناتالى . فللمرة الاولى تحس بالفضول بشان الفتاة التى ستلتقيها بعد قصير ... الفتاة التى يبدو انها تثير فى نفس ك0ك . هذا الخوف كله 0
هزت ناتالى راسها وهى تحاول انتقاء ماتريده لهذا اليوم . فما زالت تجد صعوبة فى تصديق انه فعلا يخاف من انثى متملكة مصممة على اطباق فخها عليه . انه اكثر من قادر على التعامل مع اى فتاة تعسة الحظ تجرؤ على التصديق انها قادرة على الوصول اليه ... هذا صحيح ... انه قادر على التعاطى مع الامر ... الا يفعل ؟ وها هو يستخدمها لهذا الغرض ... والسبب ان من المناسب له ان يحافظ على العلاقة مع هذه الانثى فى نفس الوقت الذى يضع نفسه بعيدا عن متناولها ... الى ان يحقق هدفه بنجاح !
لكن اليس هناك خلل فى تفكيره هذا ؟
وصلت ناتالى فى تفتيشها الخزانة الى البكينى القرمزى اللماع ذى الخطوط الذهبية الخفيفة ... لماذا لا ؟ فهى اليوم ستكون تلك القماشة الحمراء التى تتحدى النور ... فهذا ما يريده كولت ... اليس كذلك ؟
كانت تجلس على الشرفة ، ترتشف كوب عصير مثلج تحاول اجبار نفسها على الاسترخاء ، عندما سمعت صوت سيارة تقف امام الباب ... ثم سمعت اصواتا ، لبضع رجال اولا ، تبعها صوت انثوى مبوح ملئ بالتحدى . وضعت الكوب من يدها ، متسائلة عما اذا كان يجب ان تتقدم للقائهم ... فهو لم يوضح هذا لها ... لكنها ذكرت نفسها وبمرارة انها مجرد موظفة ، لا مضيفة لضيوفه ... ثم وقفت تقصد الباب ، فتلقت صدمة عندما رات من اطلت 0
اذن هذه هى ريتا ! سرعان ما احست الفرق بين تانقها المبالغ فيه وبين اناقة ريتا البسيطة ... وكان كولت يرافق ريتا هذه يتبعه رجلان ، احدهما صغير اشقر والاخر كبير فى السن رمادى الشعر ، اكبر من مات بشكل واضح 0
خرج كولت الى الشرفة : ريتا ... هذه ناتالى ... يدى الثالثة 0
فنظرت ريتا اليها دون اكتراث ظاهر : مرحبا 0
لم يظهر عليها النية فى المصافحة ... ثم حدقت ناتالى بقلق فى الفتاة الجميلة الواثقة من نفسها ... فعرفتها فورا انها الفتاة التى رافقت كولت فى تلك الليلة المشؤومة فى ملهى زمردة الكاريبى ... ما من مجال لتخطئ هذا الشعر !
نظرت ريتا مقطبة الى ناتالى ، فخنقت تنهيدة خيبة ، ستموت خجلا لو عرفتها ريتا ... لكنها لما وجدت ان ريتا لم تعرفها ادارت وجهها الى الرجلين ، كان مات قد اقبل فى هذه اللحظة ، فالقى اريك ، الشاب تحية ودودة بينما هز روبرت ، جد ريتا راسه باقتضاب ، لكن مصافحته لها كانت حارة ، وفى عينيه صراحة اعجبت ناتالى ، بدا فيما بعد ان الاعجاب بينهما كان متبادلا ... فبعد ان حمل الجميع اكواب الشراب ، جلس العجوز قربها ... عندما احست بالدهشة لتقربه منها ثم بالعطف عندما اخبرها ان فى صدره آلة لتنظيم نبضات القلب زرعت له اثر عملية جراحية منذ ستة اشهر . واردف : لهذا يجب ان اتخلى عن كل شئ ... لا استطيع اعطاء الشركة كل طاقتى ... وزوجتى تقول انها ترغب فى الاحتفاظ بى حيا بضعة سنوات اخرى 0
وتنهد ، فادركت ناتالى من خلال نظرته مامعنى تخليه عن السلطة التى احتفظ بها زمنا طويلا ... ثم تابع بحزن : لكننى ساجد صعوبة فى التنحى ... والدى اسس هذه الشركة منذ ثلاثة وستين عاما ، وشاركته العمل فيها منذ كنت فى الرابعة عشرة . فى تلك الايام لم نكن نسعى للتحصيل العلمى فى الجامعات ... بل كنا فى صراع مع الحياة . كنت اقوم بالحمل والترتيب والتنظيف فى المختبرات ، الى ان سمح لى بتعبئة بعض الزجاجات 0
اطلقت ناتالى ضحكة دهشة ، على الثقة غير المتوقعة التى وضعها فيها هذا الرجل ... واحست بتاثر غريب ، فقالت : انا سعيدة لقولك هذا سيد روتنغهام 0
-كما لم اسمح للشركة . قط بانتزاع ارباح زائدة على حساب النوعية . مع ان ريتا وابن اخى يتهماننى باننى قديم الطراز 0
فابتسمت ناتالى : مفهوم خاطئ ، لايمكن تقديم النوعية على المال ويجب اعطاء الزبون حقه 0
-كنا فى الماضى نضع منظفات الشعر فى اوعية صغيرة ريفية الطراز عليها صور الاعشاب الطبية المستخدمة فيها ... والسيدات كن يجمعن هذه الاوعية ... لكن اوعية هذه الايام ليست سوى اضاعة مساحات فوق الرفوف 0
-طريقة التعبئة لديكم جميلة ... تشبة الطراز الذى يعود للظهور هذه الايام من الانتاج الطبيعى الريفى الاصيل 0
-لكن زمنى ولى . انها القصة القديمة " الانسان المناسب فى المكان والزمن المناسبين ... " اخبرينى ناتالى هل التكييف البلاستيكى يستولى على كل شئ فى امريكا ؟
-اذا كنت تتحدث عن التطور التقنى ... فقد حدث 0
-لا ... اتكلم عن النمو الاقتصادى على الطريقة الغربية 0
ما هى يا ترى وجهة نظره فى العوامل الاقتصادية العالمية ، وكم يفهم الصورة حسب وضعه الشخصى ... لكنها اجابت بعد تفكير : اعرف ان من الصعب المحافظة على افضل ما فى الماضى وتبنى افضل ما فى الجديد ، والمحافظة فى الوقت نفسه على ايمان المرء وصفاء ضميره ... لكن بالنسبة للتقاليد فان ك0ك يحافظ عليها الى جانب استعمال الحديث فى المكننة . لكن شيئا واحدا لايفعله وهو الغش فى حجم الوعاء الكبير بالكمية الصغيرة !
ولم يرد روتنغهام ، بل اخذ يحدق فيها وكانه لم يسمع ما قالته ... ثم سالها فجاة : الم نلتقى من قبل ؟
اجفلها سؤاله ... انها لم تشك لحظة فى وجود ريتا تلك الليلة فى الملهى ... لكن العجوز لم ينطبع فى مخيلتها : انا ... لا اظن هذا ! لا ... لااظن اننا التقينا من قبل سيد روتنغهام 0
ريتا ، كانت تقف قرب مقعد جدها تعلو التقطيبة جبينها ... فقالت بصوت بارد اجش : غريب ... لدى الانطباع نفسه . اشعر باننى شاهدتها من قبل . واحاول ان اتذكر اي؟
تصلبت ناتالى تحت نظرة الفتاة الممعنة ثم هزت ريتا كتفيها بقلة اكتراث وقالت لجدها : ساتذكرها ... فلا تقلق !
استند روبرت العجوز الى ظهر كرسيه ، واغمض عينيه من الشمس . بدا متعبا وشاحبا ، رغم سمرة بشرته ... وانهت ريتا شرابها ثم ادارت وجهها الى كولت والتحدى المتعمد فى عينيها : متى ستعرفنى الى البحر الرائع ؟
فرد ببرود : وهل انت بحاجة لمن يعرفك اليه ؟
-ليس فى الواقع ... ولكن حرارتى تقول اننى بحاجة الى تبريد 0
-الافضل ان تقولى متى 0
-الان ؟
-لم لا ؟
ابتسمت ريتا راضية : اعطنى دقيقتين واغير ملابسى 0
لم تمض دقيقتان حتى عادت ريتا تعرض جسدها الرائع الذى ارتدى ثوب سباحة يعد الاكثر اختصارا وتعقص شعرها دون اعتناء رامية سترة البحر على كتفيها تختال كمن تعرف تماما قيمة نفسها ومقدار جاذبيتها . عندما اقتربت من كولت امسكت يده ثم سارت معه باتجاه الرمال ... فالتفت الى ناتالى : هل انت قادمة ؟
وقبل ان تجيب ناتالى انفجرت ريتا بالضحك : فى هذا الثوب ؟ لابد انك تمزح كولت ... لايمكن لاحد ان يترك مثل هذا الثوب البديع يبتل . تعال!
فى دقائق معدودة تمكنت ريتا من ان تجعلها منزعجة من مبالغتها فى بهرجتها وزينتها 0
وقفت ناتالى فجاة لتدخل المنزل ، فارتدت بنطلون جينز وقميصا اصفر اللون ... من المؤكد ان فكرة ك0ك فى جعلها انيقة الملابس قد فشلت . وكان عليه اصلا ان يقتنع بانها ليست من الصنف العابث ... انه فتاة عاملة تعتبر من اولوياتها الحفاظ على النظام ... وارتداء بيكينى ذى خيوط مذهبة لم يكن مما تفكر فيه او توافق عليه ...
نظرت الى وجهها بعد ازالة المساحيق عنه حيث كان شعرها مازال مربوطا الى الخلف فتمنت لو ان ك0ك لم يشركها اصلا فى خطته لهذه الرحلة ... انها رحلة مقدر لها الفشل ... ثم لماذا ازعج نفسه بهذا كله وها هو يذهب الان معها يدا بيد ؟
عادت مغمومة النفس الى الحديقة فوجدت روبرت وحده ولا اثر لكولت وريتا 0
-اين الجميع ؟ سالها
فهزت راسها : لست ادرى ... هل تود بعض الشراب ؟
-لا ... شكرا عزيزتى 0
وقف روبرت متمطيا متثائبا فبانت اثار التعب وقد تلاشت منه وظهرت عليه الحيوية والنشاط ... فبدا لناتالى الجانب الاخر من شخصيته : فلنخرج لنستكشف ... هه ؟
ترددت ناتالى قليلا ... لقد بدا الضيف المهم بالتململ ! حسنا ... من الافضل ان تبدا فى تسليته الى ان يعود من لديه سلطة اعلى من سلطتها ليتولاه ... فابتسمت : لاباس ... هل تحب ان تتمشى على الشاطئ ؟
-لا ... بل اود رؤية الجزيرة 0
لم يخطر ببالها انه قادر على قيادة السيارة فى جزيرة ... لكن لم يكن لديها اى شك فى انها تواجه رجلا اخر معتادا على تنفيذ ما يريد 0
بعد تناولهما الغداء المكون من اطعمة بحرية . سمحا لمخيلتهما بالانطلاق لتامل مجموعة مذهلة من القطع النقدية القديمة الموجودة فى متحف محلى . اثناء عودتهما الى السيارة ، ذكرت له ناتالى ان من الممكن ان ك0ك والاخرين يتساءلون عن مكان وجودهما ، فكان رده : نحن كبار فى السن ، وهم ليسوا بصغار لايمكن تركهم وحدهم 0
واقفل باب السيارة بعد ان صعدت ةابتسم لها مردفا : هل هناك كنوز مدفونة هنا يا ترى ؟
فتوقفت ناتالى عن القلق ، وقررت ان تتمتع بصحبة هذا الرجل الخالى من الهم ، فهى لسبب مجهول احست براحة غريبة مع روبرت روتنغهام ، ويبدو انه يتمتع بصحبتها هو ايضا . فبعد هذه الفترة الوجيزة من التعارف بدوا وكانهما صديقان منذ سنوات 0
اثناء تجوالهما تاملا حطام سفينة عالقة على صخور الشاطئ فتاسفا على ما اصاب العديد من المراكب المنكوبة التى لاقت مصيرا سيئا فوق الصخور المرجانية عبر مر العصور ... وكان لديهما الوقت الكافى لمراقبة النساء البارعات وهن يصنعن الحبال من لحاء شجر النخل والوقوف امام الشاطئ للمراهنة على المدى الذى سيبلغه ارتفاع الماء المندفع من بين الصخور حين يتلاطم الموج . وفى مزرعة السلاحف الخضراء ، شاهدا الحظائر المائية مليئة بسلاحف عملاقة خضراء . واصر روبرت على شراء ما تعلق به مفاتيحها وكان ما اشتراه لها مصنوع من عظام غطاء السلاحف ... وحين شكرته قال لها مبديا سروره لسعادتها بالهدية : التذكارات جزء من المرح فى الاماكن الجديدة 0
عرفت الكثير عن روبرت روتنغهام خلال جولتهما ... وعن عائلته وشركته . ودهشت لمعرفتها ان ريتا اميركية : اجل ... لقد امضى ابنى ثلاث سنوات فى اميركا وتزوج فتاة اميركية . وهناك ولدت ريتا 0
فى مرحلة انطلاقها العفوية خلال صداقتهما الجديدة لم تعرف ما الذى كشفته عن نفسها له ، قد تكون كشفت شيئا لم تعرفه سوى مؤخرا ... لذا احست بالصدمة عندما اوقف السيارة قرب الشاطئ يسالها : اتظنين ان ك0ك وريتا يمكنهما الانطلاق فى شركتى ؟
فردت بعد تردد طويل : لااستطيع الاجابة عن هذا ... فانا لست سكرتيرة 0
-ربما تكونين سكرتيرة ، لكن لن تاتى بك الى هنا لو لم تكونى مهمة له ... ثم انا لم اقلل يوما من اهمية الاشخاص الذين يلازمون الظل ... فهناك قول قديم عن " ان من يراقب يعرف ما فى اللعبة اكثر من اللاعب "0
-صحيح ولكن ... ليس لدى السلطة لاعطى تقديرى . فانا اجهل الوقائع او الارقام ، وخفايا صفقة كهذه 0
لوح بيده بحدة ليصرف النظر عما قالته : وقائع وارقام ... اسمعى حبيبتى ... عندما تتم الصفقة وينتهى سحر الارقام والمال ... سيفى فقط من له القدرة على الاستمرار ... ويجب اعلامك اننى اسيطر على نصف الشركة ... وابنى وابن اخى يمتلكان الاسهم الاخرة مناصفة بينهما وكان ذلك الى ان مات ابنى قبل ثلاث سنوات فى حادث سيارة ، فاستلمت حصته ريتا التى لاتنوى ابدا التخلى عنها ... ومنذ ذلك التاريخ بدات المشاكل ، فهى دائما تكره واقع ان لابن عمها حصة تعادل حصتها . وتكره كذلك عدم السماح لها بتطوير افكارها ...واريك حذر دائما ... هو يهتم بالجانب الكيميائى وهو القسم الذى يشرف على سلامة وصحة منتجاتنا ... لكن ريتا تريد ان تعطى الاهمية لقسم التجميل الذى تشرف عليه ... اريك لايريد المخاطرة ، وكذلك انا 0
-لكن شركة كراين ستشجع هذا الاتجاة ... الن تكون هذه مخاطرة كذلك ؟
-تبا ! اجل لكن علينا ان نتذكر ان شركتى بدات اصلا كمورد لطلبات بسيطة ... والان كل السوق يعتمد على منتجاتنا الموسيمية لتموين البضائع . وعلينا ايصال حاجاته التى يجب ان لاتكون باهظة الثمن ... فالزبائن يثقون بنا ... لكن ريتا الان ستجرفنا الى البعيد ... فهى تريد ان تعلو فوق السوق ... انها تؤمن حقا ان باستطاعتها التغلب بمنتجاتنا على منتجات " ايستى لورد " و " ريفلون " 0
-انها واثقة من نفسها وكذلك ك0ك0 فما الخطا فى هذا ؟
-لاشئ ... ولكن الن يحطم هذا شركتى ؟ فانا قلق من المشاحنة التى لا تنتهى ... فبقدر ما احب ريتا ، بقدر ما اكره ان ارى شركتى تتغير ... وليس هذا فحسب فهناك واجباتى تجاه كل من يعمل لدى . بعضهم احس انهم من افراد عائلتى فاباؤهم عملوا مع ابى ... ونحن مدينون لهم لانهم قدموا لنا ولاءهم عبر سنين عديدة 0
لامس صدق كلامه قلب ناتالى ، فقالت ببطء : صحيح ان ك0ك . سيقوم بالتغيير . ولن ينكر هذا ، لكنها ستكون تغييرات نحو الافضل ... انا واثقة 0
-اتظنين هذا حقا ؟
-اجل 0
فاطرق مفكرا ، ثم ادار وجهه اليها يتفرس بها : انت تحبينه اليس كذلك حبيبتى ؟
لم تحاول ناتالى الانكار : اجل ... لكن كيف عرفت ؟ لم تشاهدنا بعد معا 0
-وجنتاك تحمران عندما تتحدثين عنه ، وهو احمرار جميل رائع ... شكرا لك حبيبتى0
فبدت عليها الدهشة : على ماذا ؟
-اشكرك على صراحتك وعلى قضائكِ هذا اليوم بصحبتى ... فلقد افادنى الكلام عن هواجسى مع شخص جديد على 0
ادار السيارة وانطلق بها . فصمتت ناتالى وهى تشعر باحساس دافئ من السعادة ... الولاء كله ، والحب كله ، لن يعمياها عن فارق الانفتاح والصراحة بين روبرت وكولت . ربما ليس من الانصاف الحكم على الانسان من التعارف الاول ... لكنها لم تستطع منع نفسها من ان تتمنى ان يكون رئيسا صريحا ومحببا كهذا الرجل 0
لم يكن الجو فى المنزل متوترا عندما دخلا ، ولم يظهر على كولت اى انزعاج عندما اعتذر روبرت عن تاخرهما ، بل قال ان المرء دائما ينسى نفسه عندما يكون سعيدا . والنظرات التى رمقت بها ناتالى لم تترك اى شك لمن توجه اللوم ...لكن جدها لم يضطرب ، بل قال : لماذا لم تذهبا ؟ كان بامكانكما ترك رسالة ، وكنا سنلحق بكما .تبا ! انت تعرفين اننى لا اهتم بالرقص ... الامسية ما تزال فى بدايتها ، فلنذهب الى حيث تشائين ... ساذهب لاغير ملابسى 0لكن ريتا لم تحاول اخفاء غضبها . اذ يبدو انها كانت تخطط لسهرة افسدها تاخرهما .
وخرج من الغرفة وكان كل شئ قد تم الاتفاق عليه ... ظنت ناتالى للحظات ان ريتا ستتمرد وترفض الخروج ... لكنها بالرغم من تكدرها ، وقفت تستعد للذهاب ... عندما التفت كولت الى ناتالى : الافضل ان تخبرى ماريا اننا سنتعشى فى الخارج ... طلبت منها تاخير تحضير الطعام حتى عودتكما 0
فلعقت ناتالى شفتيها : اسفة ان جعلتك تقلق ، لكننى ...
-ليس الان . ساتحدث اليك لاحقا فى هذا الامر 0
رغم سرعتها فى تبديل ثيابها ، كان هناك جو جذاب يحيط بناتالى حين حملت حقيبتها وخرجت الى الردهة ... كانت الشمس قد اطالت تقبيل بشرة خديها خلال النهار ، وزادت سرعتها من جمال احمرار خديها ولمعان عينيها . كانت ترتدى ثوبا مرجانى اللون ، حريرى القماش ، عارى الكتفين ، التصق بكل ثنية من ثنايا جسدها ، يضمه الى خصرها حزام نحاسى اللون يماثل لون حذائها المرتفع الكعبين 0
كان هواء الليل ناعما ودافئا . لكنه انعش بشرتها الحارة ...
مرت عبر الانوار الناعمة الى الشرفة ... ثم لمحت طيفا ابيض فى الظلام ، فجمدت ثم حاولت التراجع ، لكن يدا قوية امتدت اليها لتقبض على معصمها بقوة : تعالى الان لتشرحى لى سبب تاخرك !
جرها كولت الى عتمة الحديقة ... فجفلت قلقة : ليس هناك اى شرح ! اراد السيد روتنغهام استكشاف الجزيرة ، بعد اختفائكم جميعا . ولم يكن هناك سواى لتسليته 0
-وهكذا ذهبت معه طوال النهار 0
فردت بحدة : اذكر اننى اقبض راتبى لافعل ما يقال لى ... فماذا كان على ان افعل ؟ هل احاول تغيير رايه وهو يقول انه يرغب فى زيارة الجزيرة ؟
-حسنا ... انت على حق فى هذا الامر ... عم تحدثتما ؟
كرهت لهجته الامرة ومع ذلك راحت تقص عليه ما تتذكره من حديثهما . حينما انتهت ساد الصمت ، صمت ينذر بشر . قطعه بقوله : اذن ... تحدثتما عن كل ما يمت للعمل بصلة ... ايتها الحمقاء الصغيرة ! كيف تركته يطرح عليك الاسئلة ؟ كيف تجرؤين على التحدث عن خططى ، عن اعمالى الخاصة . كيف تجرؤين !
فرفعت عينيها الى وجهه الغاضب : لكننى لم افعل هذا ! لقد اخطات فى فهمى ! هو من اراد الكلام عن مشاعره تجاة الشركة والبيع ، كى يفهم كل شئ يا كولت . ولم يحاول دفعى الى افشاء الاسرار . ولم يطرح الكثير من الاسئلة . سالنى فقط اذا ما كنت اظنك ستقوم بتغييرات كثيرة 0
-وبماذا اجبته ؟
-اجبته انك ستفعل ! كولت ، انت تؤلمنى ! ماذا فعلت لك ؟ لو رفضت الذهاب معه لغضب ... فترك ذراعها : كان يجب ان تفتشى عن احدنا ... فمات كان فى المنزل 0
-كان يجب ان تفكر فى هذا قبل ان تختفى ام ان لريتا الاولوية فى ذلك ؟
-لا استطيع اغضابها ، او اغضاب الاخرين ، قبل ان يتم كل شئ 0
-اوه ... صحيح ؟ لكن عندما استخدم الاسباب نفسها اكون مخطئة ! شخصيا ، اعتقد ان روبرت هو الاهم ، لكنك تعرف اكثر منى ؟ من الان فصاعدا . ساكتفى ب "لا" ... " نعم " ... " شكرا " . واشكر الله اننى ساتخلص من كل شئ فى نهاية هذا الاسبوع 0
تحولت بغضب عنه ، لكنه امسكها قبل ان تخطو . فتعثرت وكادت تقع . لكن ذراعه التفت حولها تنقذها من الوقوع ... وابقاها اسيرة ذراعه يحدق فى وجهها المتجهم . وقال ببرود : كم تبدين سخيفة الان . يبدو انك نسيت ان بيننا اتفاقا !
-لم يعد بيننا اتفاق فقد اعطيتك انذارا باننى اريد انهائه 0
-اجل ، بالطريقة النسائية الماثورة ، لكننى اذكر مرة انك تراجعت عن اتفاق مماثل 0
ابيضت وجنتاها حتى ان بشرتها لمعت تحت نور القمر : ذاك لم يكن اتفاقا ... انه ...
-لكننى اذكر انه كان اتفاقا ... اتفاقا عمل لا يختلف فى مبادئه عن اى اتفاق مكتوب 0
-لكننى لم اكن من خالف قوانينه تلك الليلة ... لا اتوقع منك ان تفهم ... فانتِ ترفض حتى الاستماع الى ...
-كل ما اعنيه انه لا يمكنك التراجع الان ...
ودون انذار ، وجذبها اليه ... كان ضغط جسده عليها عنيفا ساحقا المها . لم يكن فى حركاته رقة ، بل غضب دفين يماثل غضبها ... مع ذلك فقد بدا جسدها الخائن يموج بمشاعر تحثها على الاذعان والتجاوب 0
ولم تسمع شهقة العجب التى انطلقت من مسافة قريبة ... ولا احست بوجود منفرج 0
وارتفع راس كولت عنها اخيرا ... ولمعت عيناه وهو ينظر فى عينيها ... وقال بصوت هادئ خطير : تذكرى ... انا املكك لاسبوعين اخرين ... فاياك ومحاولة النسيان !

رفيلة
13-01-2011, 10:10 AM
بين المد والجزر



تلك الامسية عندما وصلوا الى الفندق لم تكن امسية سارة بالنسبة لناتالى . لانها كانت ماتزال منزعجة مصدومة اذ لم تستطع نسيان الانطباع الذى اعتلى وجه ريتا ، بعد ان تركها كولت الذى شعر بوجود دخيل عليهما 0
بدت ريتا مذهولة ... غاضبة التفتت ناتالى الى ريتا الواقفة فى ضوء القمر ... ثم استعادت الفتاة الاكبر سنا رباطة جاشها فضحكت : اهذا عملك المستعجل كولت ؟ ام انك لاتحب تضييع الوقت ؟
واحمرت ناتالى من الاحراج ... وصل مات واريك فى تلك اللحظة ، يلحق بهما جد ريتا ، وتحرك الجميع نحو السيارة . حول الطاولة الان ، فوجئت ناتالى بنظرة ريتا الممعنة فى وجهها ، كانت تلك الاخيرة تتعمد التحديق فيها قبل ان تشيح بوجهها . فيما بعد ، بعد جولة رقص ، لاحظت ناتالى عودة النظرة نفسها ، فاشتد غيظها ... كيف يمكن لكولت ان يبدو هادئا هكذا ... بل وكيف يتوقع منها التظاهر بالسعادة وقد رافق ريتا ثلاث مرا الى الرقص ؟ ولماذا يترك ريتا تقوم بهذه الحركات الغرية له ، مظهرا انه يتمتع بكل لحظة تقرب منها ؟ فكيف استطاع اقناعها انه خائف من الوقوع فى حبائل ريتا ؟
وقف كولت يمد يده ويجذب ناتالى الى حلبة الرقص : اتسمحين لى !
حثتها كرامتها على الرفض ، حتى بعد ان اطاحت الاثارة بكل مشاعرها ... لكن نظراته اخذت تتحداها بان ترفض . وجذبها اليه وهو يتحرك راقصا وهمس فى اذنها : فلنرقص بالطريقة القديمة الطراز 0
-لكننى لست فتاة قديمة الطراز ... فانا شئ تمتلكه بضعة اسابيع ... اتذكر !
فرد ببرود : ذاكرتى سليمة . ولعلى استطيع قول الشئ نفسه عنك 0
-اذا كانت ذاكرتك بالجودة التى تظنها فستذكر بالتاكيد اننى حذرتك حول ما ساتصرف به ... ثم ان هناك شيئا اخر يجب ان احذرك منه ، لم اكن اتوقعه ... الامر لن ينجح هكذا ... فى لحظة تعاملنى كالمحب المتشوق ، وفى الاخرى تتحول الى رئيس شرس تتوقع منى الطوع عندما تامرنى 0
ساد صمت عميق بينهما ، ثم قال بهدوء : صحيح ... يجب حل هذا 0
بعد ان اوت الى غرفتها تلك الليلة لم تجد فائدة من الاصغاء الى صوت المنطق الذى يقول لها ان تتغلب على مشاعرها كلها متى ابتعدت عن سيطرته ... فهى لاتريد اصلا الابتعاد عنه ، وهذه حقيقة مؤلمة ، من المستحيل انكارها . مهما سبب لها من غضب ، مهما عاملها بمهانة ... كل مايلزمها هو لمسة واحدة منه ، او نظرة حتى تشتعل النيران فى قلبها ، وتبدا بالارتعاش . واحاسيسها بالحنين الى ما لا يقدر احد على اعطائها اياه سواه ... ما من رجل من قبل كان له هذا التاثير عليها ، مع ذلك فهناك زاوية عنيدة فى زوايا عقلها تحاول التعلق بالحصانة التى لم تعد تملكها 0
كان اليومان التاليين لايطاقان ، لان ريتا فيهما تامر فيستجيب الجميع ... عند انبلاج فجر اليوم التالى بدات رحلة صيد السمك ... لكن ناتالى اعتذرت ، ولم يحاول احد اقناعها ... داخليا تالمت لان كولت قبل رفضها بسهولة ... فما كان منها بعد ذلك الا
الجلوس وحيدة تمضى يومها بهدوء فى القراءة والسباحة والتشمس ... لكنها فوجئت بعودة الجميع ظهرا محملين بصيد يكفى ثلاثة ايام 0
قالت ريتا بحماس : كانت الاسماك تكاد تقفز الى المركب ، حصدت ثلاثا منها دون عناء ! من سيرافقنى للغوص تحت الماء بعد الظهر ؟
اخترعت بذلك حجة اخرى كان على الجميع اطاعتها بها ، فتم استئجار مركب ومعدات الغوص ... فاحست ناتالى ثانية ان لها حدودا معينة فى وجود ريتا ... فكولت بارع فى الغوص براعة ريتا ، ولابد انها تنوى لعب دورها معه تحت الماء 0
وافق روبرت ، وتعاطف فى عينيه ، ناتالى الى لعبة تنس ، فتركها تكسبها متعمدا ، ثم اعتذر لانه لم يجد سلوى اخرى يقدمها لها ... عندها احست بعقدة الذنب تجاهه لانها لا تبدو رقيقة مرحة ... فلقد اعجبت بهذا الرجل وشخصيته ، واخذت تتساءل عن امرين : الاول ، لماذا لم يتباحث كولت مباشرة مع العجوز دون اللجوء الى المداورة والحبكات والتكتيكات العملية ... ثانيهما ، كيف لروبرت ان يكون له حفيدة لم ترث منه لطفه او فتنته ... لكن الرد على هذا كان يتكون فى ذهنخا شيئا فشيئا ، ردا يؤكد ان ريتا تمتع نفسها بتنفيذ ما تريد ، حتى ولو فشل كل شئ فى خطة الاخرين 0
مرت اربع وعشرين ساعة اخرى وريتا مازالت تمتع نفسها ... وتنفذ ارادتها وقد بدا كولت خلالها غير منزعج . فها هو يلتقط يد ريتا الضاحكة ويشدها اليه ، حيث تكيف جسدها النحيل مع جسده الملاصق لها 0
بالنسبة لناتالى ، الاسبوعين اللذين قال كولت انه يملكها فيهما ، لم يبق منهما الا اثنا عشر يوما ، بعدها ستحاول البدء فى نسيانه ... وستعود اليها راحة البال . واذا تمكنت ريتا من الحصول عليه ... فهو يستاهل مايجرى له ... فهو ما ان يصبح فى قبضتها حتى يكتشف انها لايمكن ان تتسامح معه باى تلاعب ... هذه الفكرة زودت ناتالى بنوع من الارتياح والرضى ... لكنها لم تدم طويلا لسوء الحظ 0
خلال اليومين اللذين امضاهما الجميع فى التجول والتفرج على معالم الجزيرة ، كانت ناتالى تراقب ريتا تلتصق بكولت والالم يعتصر قلبها ... رغم ما يفعله لها او يقوله ، رغم عجرفته ، تصرفاته المهينة ... كانت تريد ان يمتلكها لان امتلاكها افضل بكثير افضل بكثير من وضعها الحالى ، الذى لا يعد ان تكون فيه سوى عابرة سبيل 0
عند الرجوع الى الفيلا فى وقت متاخر من الليلة التالية لم تتذكر ناتالى من الامكنة التى زاروها ، سوى صور كولت وريتا معا ... كانت الصورة دائمة الحضور فى ذهنها ، حتى ولو كان الاصل غائبا عن نظرها ... صورة منعت عنها النوم ساعات الظلام . حتى باتت تعرف شكل كل غرض وظل فى غرفتها المعتمة . وكانت الساعة تقارب الرابعة عندما غطت فى نوم مضطرب . استفاقت منه بعد بضع دقائق مذعورة تحدق فى الظلام ، مصغية بحذر الى صوت كانت متاكدة انه سبب استيقاظها . لكن الفيلا كانت صامتة ... فحتى الهواء بدا جامدا 0
ارادت ان تشرب ، وان تضع ماء على عينيها لتزيل عنهما الم السهر ... ودون ان تحدث صوتا ، غادرت الفراش ومشت ببطء الى المطبخ . فوجدت عصير فاكهة مثلج اطفا ظماها قبل ان تخرج من باب الفيلا الجانبى 0
لن يطول الوقت قبل ان ينبلج الفجر ، وهو فى ابنلاجه هذا يظهر روعة الليل الاستوائى المخملى الذى سرعان ما يتحول الى صباح لؤلؤى مشمشى جديد . تركت سترتها على الرمال ... وكانها رمت بالقلق مع السترة ، واخذت تغرز اصابع قدميها فى الرمال المبتلة قرب الشاطئ من الغرابة وعدم الواقعية ، ان يكون الشاطئ لها وحدها ، كى تركع ... تضرب الماء ، تخوض فيه تغوص لينعم جسدها ببرودته كما نعم جوفها ببرودة العصير المثلج ... وعادت لتجلس على الرمال وذراعاها معقودتان حول ركبتها تحدق فى منظر البحر المعتم 0
لافائدة ... لن تستطيع النسيان ... هى يوما لم تشعر بمثل هذا البؤس فى حياتها . ارتجفت شفتاها ، واحست بالم فى حلقها ، وقفت دمعتان ساخنتان على جفنيها تنتظران الى وجنتيها ... تبا لكولت !
-ما الامر ؟ مصابة بالارق ؟
اجفلت ناتالى مصدومة فهى وسط غوصها فى قوقعة بؤسها لم تسمع حتى همسة او حركة تقترب منها ، لكنها الان احست وكولت يقترب منها ان الهواء طفق يتحرك حوله 0
ركع على الرمال قريبا منها ، فلامس ذراعه كتفيها العاريتين ، فجفل جسدها كله بعنف للمسته ... فقال ساخرا : مابك ؟ هل فقدت صوتك كذلك ؟
-لا ... بالطبع لا ! شئ ما ايقظنى ولم اتمكن من العودة الى النوم ، ففكرت فى النزول الى الشاطئ ... هذا كل شئ ، فهل انا بحاجة الى اذن منك ؟
ساد صمت قصير تبعه صوته يقول بنعومة : هل الفظاظة طبعك الدائم ؟
-فكر كما تريد 0
-اوه ... غاضبة 0
-لا ... لست غاضبة 0
وهبت تقف ، لكنه اجبرها على الجلوس ثانية 0
-انتظرى لحظة ... حسنا ... لقد انتقمت منى ناتالى ... والان جاء دورى 0
-ماذا تعنى باننى انتقمت ؟
-ما سمعته . لقد تعمدت الابتعاد عن كل شئ فى اليومين الماضيين . وتعلقت بروبرت ، لماذا ؟
-هذا غير صحيح ... ! فانا ...
-ليس صحيحا ! فماذا يجرى اذن ؟ ام انه مغرم بك ؟
اختلطت الدموع والضحكات الهستيرية فى نفسها بين الشك وعدم التصديق : ماذا ؟ لاتكن احمق ! ام تفضل ان اكون فظة مع الرجل . والتصق بك اينما ذهبت ؟ حسنا ... لا يعجبنى ان اذهب الى اى مكان لست مدعوة اليه 0
جذبت يدها منه بقوة ، لكنه عاد ورماها فوق الرمال ، ومال فوقها قائلا : اسمعى ... الافضل ان تفهمى هذا قبل ان تندفعى وترمى اراءك السخيفة ... لقد رفضت الاشتراك برحلة الصيد بملء ارادتك . ولم اقترح مجيئك معنا الى الغوص عن قصد لاننى لا اعرف مقدرتك فى هذا المجال . فقررت ان اوفر عليك الظهور بمظهر الساذجة ... فلريتا اسلوب مميز فى الغوص ... الم تلاحظى انها تفقد صبرها بسرعة مع من هم قليلى الخبرة فى اى شئ 0
من المهين لكرامتها ان تعترف باحساسها الشديد به . وكانت شاكرة الظلام الذى منع عنه رؤية وجهها ... ثم سمعته يتنفس نفسا عميقا ويتابع بلهجة متغيرة : لو كنت قد تصرفت بخشونة معك تلك الليلة ... فانا اسف 0
-اوه ... لاحاجة للاسف ، فقد كنت محقا 0
-حسنا اذن ... لماذا الاعتراض الدائم على ؟ على الاقل تعرفين اننى لن اعبث معك كما كان يحصل مع غيرى 0
احست بطعنة الم فى مشاعرها ... الا يمكنه نسيان تلك الحادثة او التوقف عن تذكيرها برايه بها ؟ وصاحت : يبدو اننى مازلت مضطرة لمقاومة العبث 0
-لا ناتالى ... كان ذلك جزء من اتفاقنا . ولن افكر مطلقا فى وضعك بظروف تشبه ظروف تلك الليلة 0
نظرت ناتالى اليه ... فاستطاعت الان ان تميز قسمات وجهه . فجاة تلاشى كل غضبها ... ولم تعد ترغب فى اكثر من ان تمد ذراعيها لتلفهما حول راسه الاسود . لكن الكبرياء منعها ... وبقيت على عنادها ترفض التعاون معه 0
-اسمعى ناتالى ... اقترح ان نكون صديقين ، فلا اصدق انك ترغبين فى ان نكون اعداء 0
لا ! ... انه يهتم فقط بما يؤثر عليه ... الا تدركين انه لايمكن انشاء صداقة مع رجل مثله ... ؟ هناك فقط ... اما اعداء ... او حب 0
افلتت منه فجاة فجلست وظهرها اليه تقول بصوت ضعيف : لا ... بالطبع لا اريد ان نكون عدوين 0
-جيد ...
احست فجاة ان ذراعيه قد احاطتا بها وقال هامسا : الافضل ان نوقع الاتفاق ونضع الاختام عليه 0
كان يركع خلفها ، واحدى يديه تدير وجهها لتواجهه بينما ذراعه الاخرى تجذبها الى كتفه ... وكانت اشعة الفجر قد بدات تتسلل الى السماء ، واخذت اولى خيوط الشمس تزحف من خلف كتفى الجزيرة تدفع بالظلام وتحل محله ... فصاحت ناتالى : لقد حل النهار ...
لكن كولت اسكتها واضعا اصابعه الناعمة على شفتيها ... كان عناقهما غريبا خفيفا لذيذا . يختلف تماما عن العناق المتعجرف الفظ الاشبه بالهجوم . وكان كمن يجردها من سلامها بنعومته الخطرة ... وعندما ابعدها قليلا ابتسمت له بقلق : حسنا ... هل تم ختم الاتفاقية سيدى ؟
التوى فمه من جانب واحد ، ثم برقة وثبات ، ارجعها الى الوراء حتى اسندت راسها الى الرمال ... ولم يعد فى حركاته شيئا من العنف ، فلم تحاول المقاومة ... بل همست : كولت ... لقد طلع النهار ... سوف يتساءلون ... الا يجب ان نعود الى المنزل ؟
-اتريدين العودة ؟
نظرت صامتة الى قسمات وجهه السمراء الوسيمة ، حيث كانت ابتسامة خبيثة تتراقص على شفتيه ... وهز راسه يجيب عن سؤاله بنفسه : لا ... لن تتمكنى من الخلاص هذه المرة يا حلوتى 0
-ماذا تعنى ... الخلاص ؟
فجاة انقطت انفاسها تحت ضغط يده الثانية ، واحست بجسده يلتصق بها ... اصابع كالنسيم اخذت تمر على بشرة كتفها . لمستها الخفيفة كالريش ، تتسبب بسلسلة من الدوائر الصغيرة فوق عنقها وهمست : لكننى لا اقول اشياء كاذبة لاتخلص 0
-لانها ستكون مضيعة للوقت . فالذبذبات قوية جدا 0
-اية ذبذبات ؟
فامسك بيدها : الا تتلقين ايا منها ؟
اغمضت جفنيها وكانما هذا السد هش قادر على حجب خيانة عينيها عنه . كانت تعلم ان عليها الهرب قبل ان تضيع ... وقالت : لقد ظننت هذا صدى موج البحر 0
وبدات تتخلص من قبضته . لكن حركتها سمحت لذراعيه ان تمرا تحت جسدها ... فتمتم قبل ان يشدها الى دفء صدره : انت تتكلمين كثيرا 0
الرمال تحتها لم يعد فيها برودة الليل ... بل احست انها تلسعها بحرارتها ... فمداعباته كانت ناعمة كالحرير ، تجذبها للالتصاق به اكثر فاكثر موقظة رغبة خطرة لم تمر بها يوما ... فقد فقدت الاحساس بالزمن ، والوعى بما تفعل ... ودون ارادة منها التفت ذراعاها حول كتفيه العريضين 0
-لماذا لا تكونين هكذا دوما ؟ همس لها 0
-ولماذا لا تكون انت ؟
-لكننى هكذا 0
-لا ... لست كذلك !
-اظنك لم تفهمى قصدى 0
احس بها تتصلب تحت ملامسته فقال : المسى لك على هذا النحو محرم ؟
-انت ادرى 0
دفعتها غريزة المحافظة على نفسها للابتعاد ، فازالت بذلك كل بهجة من نفسها فحلت مكانها البرودة ... فقال : لكن المحرمات وضعت لتخالف فى بعض الاحيان 0
فردت مقطوعة النفس : ليس الان ... ولا تحاول اجبارى كولت 0
-الا تثقين بى ؟
-الامر ليس هكذا ... فانا لست مستعدة ... فلديك ريتا ! وهى الان تراقبنا !
-وماذا لو راقبتنا ؟
لم يتحرك ، بل كان بكل سرور ينظر الى وجهها التعس نظرات سوداء ساحرة . وبقيت ذراعه حولها تمنعها من الحراك : يقال ان مسترقى النظر لايسعدون انفسهم ... لذلك من الافضل ان نسمح لها باستراق النظر 0
-لا ! انها قادمة الى هنا 0
نظر كولت فوق كتفه وهو ممد على الرمال بقرب ناتالى ... التى كانت متوترة عديمة الثقة بنفسها ... ارادت الوقوف والهرب ، لكن ضغط ذراعه المخدر منعها ... وتوقفت ريتا تنظر اليهما وامتلات اساريرها بالتسلية والمرح . وقالت لناتالى : لا تحسى بالاحراج هكذا حبيبتى ... هذا ما يحصل معنا احيانا ... ولااحد ينظر الى ما يجرى بجدية 0
احست ناتالى بان جسدها قد تلون بلون قرمزى من الراس حتى اخمص القدم . واخذت تنظر حولها يائسة تفتش عن سترتها ... فوجدتها على مسافة قريبة منها . لكن قبل ان تتمكن من التحرك لاستعادتها ، قبض كولت على يدها وجذبها لتقف . فى تلك اللحظة التالية دارت بها الارض والسماء لانه حملها بين ذراعيه وركض بها نحو البحر وارتمى معها فى الماء . فغاصت فى الماء حتى كادت تضيق بها انفسها ثم طفت على سطحه تشهق : لماذا فعلت هذا ؟
-فعلت ماذا ؟
ووضع يديه مجددا على كتفيها استعدادا لانزالها تحت الماء ثانية فصاحت : لاتفعل هذا !
-بدا لى انه الحل الوحيد لتطفئ لهيب جسدينا . الا اذا كان لديك راى اخر 0
دفعها الموج للالتصاق به . كان تلاطم ماء البحر حليفا لها للحظات ثم عدوا ... قربهما ثم ابعدهما ... واعاد الكرة الى ان عجزت ناتالى عن مقاومة كولت ومقاومة البحر . فامسك بها بذراع واحدة وقال بصوت بدا يرتجف قليلا : كانت هذه تمثيلية رائعة ... لكنك لم تخدعينى !
وانكسر السحر 0
جذبت نفسها بعيدا عن قوة جسده التى فرضتها عليها قوة البحر ، كانت فى قوته جاذبية تلزمها دائما فى الاقتراب لكنها الان اصبحت اقوى بشكل لايصدق داخل البحر الصاخب ... ودون اهتمام بما اذا كان قد لحق بها ام لا ، اخذت تضرب الماء متجهة نحو الشاطئ فامتزجت ملوحة الدموع بملوحة ماء البحر ، وصنعتا قوس قزح منع الرؤية عن عينيها 0
كان طبعا كل ما جرى مجرد تمثيل . كيف يمكن لها ان تكون حمقاء فتنسى هذا ؟ من وجهة نظرها كانت تمثيلية خرقاء لا لزوم لها ، ولن تستطيع فهم السبب الذى جعله يصر على ان تلعب دورا فيها 0
تلمست قدما ناتالى الشاطئ فوقفت . ثم تخبطت متعثرة خلال المسافة الضحلة الاخرى تترك دموعها تنهمر دون منعها . غير عابئة بمسحها بعد ان علمت ان ما من احد يشاهدها تبكى 0
كانت ريتا متمددة على كرسى نوم فى الشرفة ، ترتدى الثوب الحريرى نفسه الذى منعها بالتاكيد من الغطس فى البحر وراء كولت ... كل حنايا جسدها العارى تماما واضحة المعالم تحت القماش الحريرى ، وبدت مغرية اكثر بكثير من منظر ناتالى فى ثوب السباحة البيكينى 0
كان كولت قد لحق بناتالى بعد ان التقط سترتها عن الرمل ... والقاها الان فوق كتفيها ... فتمتمت ناتالى شاكرة وهى تسرع لدخول المنزل 0
حتى الوقت الذى انهت فيه حمامها وارتدت ثيابها وتناوللت فطورا سريعا ، كانت ناتالى قد بدات تحس بالتعب والارهاق لحرمانها من النوم ليل امس ... اه ليتها مازالت تحس بالالتزام والتزمت اللذين نشات عليهما فى تربيتها المستقيمة ... لكنها تعلم انها ليست مستعدة للمضى معه الى اخر الطريق ، نحو الخطوة النهائية اذا لم يجمع بينهما الحب والالتزام الكامل اللذين هما اساس العلاقة بين الرجل والمرأة 0
افاقت من تاملاتها على صوت روبرت يعلق على لونها الشاحب، مظهرا اهتماما وقلقا حقيقيين اعادا البهجة الى عينيها مجددا ، فاحست للمرة الاولى منذ طفولتها بحاجتها الى حنان الاب الذى لا تكاد تتذكره ... فالاب يؤمن الكتف المريحة ، والعزاء الخاص وهما ما يعجز عن تامينهما اى انسان حتى الام 0
تمتمت برد عادى ... ثم لمحت الضحكة الخبيثة على شفتى ريتا ، التى قالت : هل كانت الخطوات اسرع من قدرتك حبيبتى ؟
وقبل ان تتمكن ناتالى من الرد برد مناسب غير فظ نظر روبرت بحدة الى حفيدته ، ثم وضع مرفقه على الطاولة وابتسم لناتالى 0
-اظن ان هذه الجزيرة الصغيرة لن توفر لنا رحلة طويلة فى السيارة ... لكن هناك منزلا قديم الطراز اود التفرج عليه ... فهل تحبين مرافقتى ... وتناول الغداء فى مكان ما ؟
لم تتردد ناتالى بالقبول . هذا بالضبط ما هى بحاجه اليه للتخلص من المشاعر المشحونة ... لكن قبل ان تعلن موافقتها تدخل كولت بنعومة : لو سمحت روبرت ... اود بحث امر او اثنين معك اليوم اذا كنت لاتمانع ؟
فهز العجوز كتفيه : هذا سبب وجودنا هنا ... اسف ناتالى ، نقوم برحلة فى يوم اخر ربما ؟
-طبعا ...
ووجهت السؤال الى كولت : هل تريد اية مذكرات محددة ؟
-لا ... لن احتاج اليك اليوم . فافعلى ما شئت 0
ذهب كولت يفتش عن مات ، بعد ان اتفقا على اجراء الحديث فى غرفة الجلوس ... وبقى روبرت وحفيدته وحدهما صامتين الى ان وقفت ريتا قائلة : من الافضل ان ارتدى ثيابى 0
والتفتت الى ناتالى تسالها فجاة : ثمة محلات لائقة فى هذا المكان ؟
-لست ادرى ، فانا لم اتعرف عليها بعد . لم اجد الوقت لهذا 0
ووقفت هى ايضا تحس بالاضطراب من جراء نظرة ريتا الممعنة . انها النظرة نفسها التى كان يرمقها بها روبرت العجوز ساعة وصوله ... ثم تغيرت النظرة فجاة وصاحت ريتا برضى وببطء : بالطبع ! اتذكر الان ! كنت اعرف اننى شاهدتك من قبل . كان هذا فى نيويورك ، ليلة اصطحبنا كولت الى ملهى "زمردة الكاريبى " ... انت الفتاة التى تورطت مع ذلك الرجل الفظ ... وكان على كولت طبعا ان يلعب دور الفارس 0
احست ناتالى بقلبها يتجمد ياسا ... الن تمحى نتائج تلك الليلة من حياتها ؟ كل مافعلته ، اسداء خدمة لصديقتها ، وانظر اين انتهى بها الامر ؟ الاخرون يفعلون ما هو اسوا بكثير دون ان يلاحظ احد فعلهم . لكن ملهى زمردة الكاريبى ملهى باهظ الثمن ، انيق ذو مستوى رفيع ، ومن يتواجد فيه يحسن الادب ، ولايتورط فى فضيحة تعسة مع عابث غير محترم مثل سام كاربنتر 0
سمعت ريتا تكمل : اعتقد انك تعرفين انك افسدت يومها سهرتنا 0
-لم يكن هذا قصدى ... وانا اسفة هذا اذا كان اسفى يساعد 0
ابتسمت ريتا على غير توقع : لقد مضى الامر ؟ والان ، بما اننى عرفت انك لست سوى فتاة مرافقة اظنك ستكونين حكيمة بعض الشئ بحيث لا تغرك اية افكار بشان كولت 0
فاتسعت عينا ناتالى : ماذا تقصدين ؟
-ما قلته بالضبط ، انه رجل رائع ، لكم هو بحاجة الى ... انت تعرفين ماذا اعنى ...
وصمتت تهز كتفيها ... فقالت ناتالى بحنق : شريكة فراش ؟
-انت قلتها يا حلوتى 0
وتحركت نحو الباب تردف قائلة : لكن الرجال امثال كولت لا يتزوجون من شريكة فراشهم 0
وفتحت الباب ، ثم التفتت وكانها تذكرت امرا : اترغبين فى استكشاف محلات الجزيرة ؟
لم تستطع ناتالى اخفاء دهشتها من تغير طباع الفتاة ، ثم هزت راسها : لا شكرا . من الافضل ان ابقى هنا ... فانا تعبة قليلا 0
فردت ريتا بمغزى : لست دهشة لهذا ! اراك فيما بعد 0
بدت الفيلا هادئة تماما بعد خروج ريتا . اذ لم تسمع ناتالى سوى صوت حديث الرجال الذى يخنقه الباب المقفل . وصوت حركة الصحون واوانى الطبخ الاتى من المطبخ الذى كانت فيه ماريا تبذل جهدها فى الحفاظ على روتين العمل فى الفيلا 0
راح تفكير ناتالى ، وهى مستلقية على الشرفة تقرا كتابا ، الى الرجل الوحيد ... بل الواقع انها لاتفكر فى احد سواه ... ان ما يجرى لها ليس بعدل ولا انصاف . فكلمة ، نظرة ، ابتسامة او تقطيبة ، تؤثر على حياتها . وتصرفات ك0ك. المتناقضة والمؤثرة على احساساتها جعلتها تدرك انها فقدت السيطرة على ذاتها . عندئذ اغمضت عينيها تاركة مخيلتها تعود الى ساعات فجر هذا الصباح . لكن ما حدث فى الصباح كان غباء منها ... فهى تعلم انها لا تعنى له شيئا ، لاشئ ابدا ، فالحب لاينمو بالطريقة التى حلمت بها ... وخاطبت نفسها متاوهة : لماذا ؟ بالنسبة لها انها المرة الاولى التى تقع فيها فى الحب ... فهل يجب ان يتعلق قلبها بحب كولت كراين المتعجرف الطموح الذى لا يقاوم ؟
وشردت كارهة نفسها واحلامها ، تلحق بظلها الذى تقدمها مع تقدم الشمس فى كبد السماء ... ثم سمعت رنين الهاتف فوقفت تصغى ... فتابع الرنين ، وكانه يظهر الضرورة والالحاح . فاسرعت الى الداخل تلتقط السماعة . كان الصوت الاتى عبر الهاتف صوت رجل جعلتها كلماته تضطرب فقالت بسرعة : اجل ... سابلغة الرسالة حالا . ولكن الا تود التحدث اليه ...
فقاطعها الصوت : لا استطيع اخباره اكثر مما قلته لك ... قولى له فقط ان عليه الحضور حالا 0
وانقطع الخط ، فحدقت ناتالى بالسماعة لحظة ، ثم اعادتها الى مكانها وركضت عبر الردهة الى غرفة الجلوس ، تقتحم الغرفة وتنظر عبر دخان السيجار الى روبرت . ودون اهتمام بالحديث الجارى او بنظرة كولت الباردة قالت : لقد اتصل مساعدك الخاص من منزلك لتوه ... ارجوك لا تهلع ... زوجتك ليست على ما يرام ... حالتها مقلقة وقد قرر طبيبها ادخالها المستشفى ، ويتمنى عليك مساعدك العودة فورا 0
حدق روبرت فيها وجهه يزداد شحوبا : لكن ... لكن ماذا حدث ؟ ما الامر ؟ لماذا لم ...
-اردت ايصال المكالمة لك . لكنه لايملك تفاصيل عن الحالة ... يبدو انها امضت ليلة رهيبة تعانى الالم . لقد ادخلوها المستشفى منذ عشر دقائق 0
مرر روبرت يده عبر شعره الرمادى فلاحظت ناتالى قطرات العرق على جبينه ، وقال : كانت على ما يرام عندما اتصلت بها ليلة امس 0
فقالت له بسرعة : ساحضر لك شيئا من الليموناضة ... لابد انك صدمت 0
لكن كولت سبقها وقدم له كوبا باردا ليريح اعصابه ... وقال ابن اخيه اريك : لاتقلق سيدى ... ساذهب لاتاكد من اوقات رحلات الطائرات 0
عاد اللون الى وجه العجوز بعد احتسائه الشراب ، فنظرت اليه ناتالى قلقة شفوقة ... اسفة لاضطرارها الى حمل مثل هذا الخبر السئ . ونظر روبرت الى كوات : اسف لتوقف كل شئ فى وقت كنا بدانا فيه بالتفاهم ... لكن انا مضطر للسفر الى زوجتى 0
-طبعا ... واذا كان هناك اى شئ تستطيع فعله ....
وعاد اريك الى الغرفة : سيدى ... الحظ يخدمنا ! هذا اذا استطعنا الوصول الى المطار فى الوقت المناسب ... امامنا فقط عشرون دقيقة 0
-هذا يكفى ... اذهب وحضر الحقائب ... اين هى ريتا ؟
وتاوه عندما اخبرته ناتالى : اه ... كيف لها ان تغيب طوال اليوم ؟ كيف يمكن ان تجدها ؟
فلمس كولت ذراع العجوز مطمئنا : لا تقلق ... اذهب انت واريك الى المطار ... وساعتنى انا بريتا ...

رفيلة
13-01-2011, 10:11 AM
كيف الخلاص؟


وكانما ريتا بحاجة لمن يعتنى بها ! ارتجفت ناتالى متوقعة البرد القارس حين خرجت من السيارة ، لكنها لما فتحت باب السيارة مترددة ... احست بانتعاش لانها عادت الى منزلها 0
اخرج مات حقائبها من صندوق السيارة ووضعها خارج شقتها . لم استدار مبتسما : ابتهجى ! لقد كانت رحلة رائعة !
فردت دون اقتناع : اجل . شكرا لك مات على ايصالى الى منزلى 0
-من دواعى سرورى . الن تغيرى رايك بشان تناول الطعام معنا ؟ ستتكدر زوجتى كثيرا اذا عرفت انك ستتناولين ما قد تجدين فى الشقة من طعام وحيدة 0
-انت لطيف جدا ... لكننى فى الحقيقة لست جائعة ، والوقت متاخر 0
-حسنا ... افتحى الباب لاحمل لك الحقائب ، ولاتاكد من سلامتك 0
كانت الشقة فى وضعها الفوضوى المعتاد عندما دخلت . احست بالخجل لا للمرة الاولى فهى معتادة على هذا الشعور لقلة الترتيب المنزلية لدى زميلاتها . وقفت تتامل ما حولها تعسة ، بينما كان مات يدخل الحقائب ، ثم ودعها بعد ذلك فراقبته يخرج باسى نحو سيارته . سوف يصل ليشاهد منزله مرتبا على افضل ما يرام ... وبدات الفكرة تجذبها ... آه ما اروع ان يكون للمرء منزل خاص به ... يفعل به ما يشاء ... لكن من المؤكد سينقصه شئ متى خف بريق الاثارة . صبت لنفسها كوب شاى ونظرت الى غرفة الجلوس المقبضة للنفس بازدراء . يوما ما ... ستؤسس لنفسها شقة من اجمل الشقق ، ستجد فيها الراحة التامة بعد العمل . وستتعلم الطبخ وصناعة الحلوى ...
تبا ! يالافكارك السخيفة ! ودخلت غرفتها تفرغ حقائبها ، متمنية ان تصل احدى زميلاتها لتريحها من الوحدة . ايا منهن لم تحضر تلك الليلة . باتى كانت فى اجازة بضعة ايام ، وجول سافرت فى مهمة الى اوروبا . وهما لم تتوقعا عودة ناتالى قبل اسبوع اخر. هذا ما قالته لها جاين عندما وصلت فى المساء التالى ، بعد يومين امضتهما فى هوليود لتصوير دعاية لاحدى مستحضرات التجميل وكانت جاين فى مزاج رائق لانها حصلت على دور فى سلسلة تليفزيونية محلية سيبدا تصويرها فى وقت قادم من السنة ... وفى هذه الاثناء ستصور دعايات 0
عندما عادت الى العمل انزعجت لاسباب عدة منها ان كولت لم يعد بعد وهذا يعنى ان لا شئ لديها تفعله وما ازعجها اكثر ان كارولين لم تضيع فرصة لتثبيت نفسها وقدميها فى العمل خلال غياب ناتالى ... حتى باتت ناتالى لا تجد طريقة لتستعيد سيطرتها على المكتب الا باستخدام طرق القوة لكن ما دام كولت غائبا وما دامت هى عازمة على الاستقالة ... فلا جدوى من ان تضع خططا للعمل 0
كانت كارولين تقوم بكل المهمات فهى التى استلمت الرسالة التى نصت على ان كولت لن يحضر الى مكتبه قبل اسبوع ، وربما عشرة ايام ... وهى التى استمرت فى التعامل مع البريد الذى كانت تاخذه الى مساعد كولت . فكان ان امضت ناتالى ثلاثة ايام تعسة ، تحاول ملء وقتها الذى كرهت فيه كل دقيقة مرت بها خلال النهارات ، وهى نهاية الاسبوع قد قربت ... ماذا ستفعل ؟
هنا ... فى المكتب ... حيث عملت له ومعه ، اطبقت عليها الحقيقة دون رحمة ... ولا امل فى التظاهر بالعكس ... لقد قالت له ، بطريقة شرسة ، ابحث عن سكرتيرة اخرى ... وقد اوضح لها بما لا يقبل الشك انه فهم الرسالة ، وابلغها انه يملك خدماتها خلال اسبوعين اخرين ... رغم مغازلته لها ، فهو لم يتظاهر قط ان ذلك كان له سببا اخر غير ما اتفقا عليه ... وستكون احمق الحمقاوات لو حاولت خداع نفسها بان فى نفسه اية مشاعر خاصة نحوها ... فحتى الغباء لم يستطع محو صورته مع ريتا فى المطار قبل الرحيل 0
مازالت تذكر جيدا راس كولت الاسود قرب راس ريتا الاحمر واهتمامه بحقائبها ومساعدتها للخروج من السيارة بتلك الطريقة المتالقة التى جعاتها تنسى لحظات الالفة معه . ثم مرافقته لريتا نحو الطائرة لوداعها 0
لقد فازت ريتا رغم جهود كولت كلها لابعادها عنه . ففى اللحظة الاخيرة لعب القدر لعبته وساعد ريتا جاذبا اهتمام الرجل الذى تريده فى قبضة يدها . ومن يلوم اى رجل اذا استسلم لريتا الجميلة الذكية ، المقدامة ، والصادقة مع نفسها للوصول الى ما تريده من الحياة 0
همست ناتالى لنفسها : وداعا كولت ... وداعا يا حبى ... عندما تعود لن تجدنى هنا ... كانت كلما فكرت فى ردة فعله تصاب بالارتعاش ... فهو اما سيضحك واما سيخسر او يغضب بل ربما سيصرف النظر عنها ببرودته المعتادة التى تخترق قلبها وكانها رمح سام ... لا ... يجب ان تقرر الانفصال لانها لن تتحمل المخاطرة ...
ذهبت لتقابل روبرت كليفس مدير شؤون الموظفين ، الذى نظر اليها بحيرة وكانه يحاول ان يتذكر من هى ... لكنه سرعان ما ابتسم مرحبا 0
-ماذا استطيع فعله لك اليوم ؟
رغم بذلها جهدا كبيرا لتنطق بالكلمات التى مرنت نفسها على قولها مرارا لم تستطع الا ان تحدق فيه متعجبة فكيف تصورت يوما انها تحبه ...
بدت التسلية على فمه وهى تشرح له ما تريد دون ان تمعن فى تفاصيل الظروف التى حدتها الى تقديم استقالتها ، ولم يكن الامر سهلا ... وقد ساورتها الشكوك فى ان يكون السيد كليفس قد بدا يملا الفراغات بسهولة ، ليضع فيها اسبابا لم تحدث . فقد كان حاجباه مرتفعين عندما انهت كلامها ... فقال : حسنا ... كان هذا عملا سخيفا قمت به عزيزتى اليس كذلك ؟
لو وافقت على كلامه كان هذا اعترافا منها بحماقتها ، خاصة ان هذه الحماقة مورست مع المدير العام ... ولو انكرت فستبدو ايضا حمقاء . فما كان منها عندئذ الا ان قالت بتصميم وعزم : لقد رايت من الواجب ، والادب ، ان ادعك تعرف 0
-اوه ... انت اذن لن تعيدى التفكير فى الاستقالة ثانية ؟ ولا تطلبين منى التدخل لصالحك عندما يعود ك0ك ؟
-لا ... شكرا لك 0
بدا وكانه فقد اهتمامه بها ، فاخذ يكتب شيئا على ورقة امامه ، ومد يده الاخرى الى الهاتف ... وقال متجهما : حسنا ... سنسجل استقالتك ابتداء من الاسبوع الفائت اى يوم ابلغت الرئيس بها ... سابلغ دائرة التسجيل والحسابات . واسف لانك لم تكونى سعيدة معنا 0
وكانت هذه النهاية . فى يوم الجمعة المقبل ، كانت سجلاتها واوراقها وحساب راتبها جاهزة ... وبدت ابتسامة كارولين اكثر اعتدادا بالنفس ... مع ان ناتالى لم تخبر احدا الا السيد كليفس ... لكنها عرفت ان الخبر انتشر فى المؤسسة بسرعة . ليس لان تاثيرها كان كبيرا فى المؤسسة خلال عملها ، بل بسبب تالق مركزها كسكرتيرة شخصية للمدير العام 0
احست بغربة عند خروجها اخيرا من المكتب . فهى قد لوت الخنجر بيدها ، وبذلك لن ترى كولت ثانية ...
قالت جاين انها مجنونة ، دون ادنى شك 0
-يالهى ما احمقك ! وظيفة مرموقة كهذه ! لماذا ؟ لماذا ناتالى ؟
-لاننى لا اريد الاستمرار فى العمل هناك 0
علمت انها لن تستطيع خداع جاين ، كما وانها بحاجة الى قلب شفوق يسمعها ... لذا بدات تدريجيا تفشى سرها فقالت يائسة : انا ... لم استطع ... مواجهته 0
-اجل ... افهم هذا ... لقد وقعت فى حبه حقا . لاباس ... لقد فعلت الصواب ... ففى الفترة الاولى ستتالمين كثيرا ثم مع مرور الايام شيئا فشيئا 0
-هل سانساه ؟
لم تكن قادرة على تصور هذا قد يحدث ! وبدت لها اسارير جاين جادة وهى تجيبها : طبعا ... لم اكن اتصور ان لك الشجاع للابتعاد ... فبعض الفتيات يعلقن ، مع علمهن ان الامر ميؤوس منه ولا حظ لهن ... لكن المؤسف هو خسارة الوظيفة ... فقد تمضى فترة طويلة قبل ان تجدى وظيفة جيدة 0
-كما وجدت هذه ... ساجد غيرها 0
كان ردها رد الواثق الذى لم يجرب الفشل بعد ... لكنها احست بالتحسن لافشاء سرها لشخص اخر ... لكنها الان لن تعرف ابدا اذا نجح كولت فى اقتناص الشركة الانكليزية ... كما لن تعرف ما اصاب زوجة روبرت ؟ ترى هل تحسنت حالتها ؟ وريتا ... هل سيتزوجها كولت ؟
لكن مع مرور الايام تضاعفت مشاغلها وقلقها . فعلى عكس توقعاتها ، لم تجد وظيفة ... فاقتصاد البلاد كان يواجه ازمة تراجعية ... والوظائف لم تكن متوفرة مؤخرا . كتبت ناتالى الطلبات ، وانتقلت من مكان الى اخر . واخفضت تطلعاتها الى مستويات متواضعة ... ومع ذلك فشلت . خاصة لانها خرجت من مؤسسة كراين دون الحصول على كتاب توصية ... لكنها تفضل الموت جوعا على العودة من اجل الحصول على هذا الكتاب 0
بدات مدخراتها الصغيرة تتلاشى بسرعة مخيفة فماذا ستفعل عندما تنتهى ؟ هل ستعترف بالهزيمة وتعود الى موطنها وبيت جدتها ؟ نعم ، هى لا تنكر انها لن تجد هناك شماتة كان تقول لها : " قلت لك هذا " فالجدة لطيفة جدا ومتفهمة ... لكن لطفها وتفهمها لن يسهل على ناتالى عذاب التخلى عن حلم المدينة 0
لم تكن ناتالى اصلا ممتلئة الجسم ، لكنها اخذت تفقد جزءا من وزنها بسرعة ، والورود الريفية الجذابة التى كان يتغزل بها يوما السيد كليفس اخذت تتلاشى ... لذا عندما اقترحت عليها جاين مرافقتها فى مهمة مرافقة كالتى اعتادت عليها وافقت فورا ... وهذا ما كان يمكن ان يذهلها منذ ستة اشهر 0
عندما عادت الفتاتان الى الشقة قالت جاين منتصرة : هاك ! لقد ابهجتك هذه السهرة ... لقد عرفت الان انك لن تندفعى الى احضان الشيطان !
انحنت ناتالى تقول : هناك رسالة تحت الباب ... لا انها مذكرة لك للاتصال بشخص ما 0
ان جاين على حق فى ما قالته ... لكن سيلزمها وقت طويل قبل ان تنسى تجربتها مع سام كاربنتر . بينما كانت ناتالى تتجه الى غرفتها قالت لزميلتها : حسنا ... مهما يكن ... ادخرنا ايجار المنزل للاسبوع القادم 0
فلحقت بها جاين محذرة : لاتعتمدى على حدوث هذا دائما عزيزتى ... ليس سوى مال اضافى ، وقد تمر اسابيع قبل ان تكسب مالا مثله 0
خلعت ناتالى ملابسها لتعلقها وتقول : لدى مقابلتان فى الغد ... وانا واثقة من نجاحى فى احداهما وحسب المعدل العام ، يجب ان ينفتح باب ما فى وجهى قريبا 0
فقالت جاين تلاطفها : بكل تاكيد ... ولا تياسى مهما حصل 0
لكن ، بدا لها ان حسابها فى البنك سينضب عند نهاية الاسبوع ... وهى الى الان لم تستلم وظيفة بعد ... كما ان قانون المعدل العام اخذ يتخلى عنها ... وعندما اتصلت بها جدتها ليلة السبت ، فاجاتها فى مزاج يائس حقا ... والدموع التى حاولت ناتالى كبحها لم تستطع اخفائها عبر الهاتف ، فقالت لها جدتها بحنان ورقة : لماذا لا تنسى امر العمل وتعودين الى المنزل حيث يجب ان تكونى ... لقد اشتقنا لك جميعا 0
صوت الجدة الحنون فجر موجة من العبرات ... لكن ناتالى اجابت بعناد من بين شهقاتها : لا استطيع جدتى ... فاذا تخاذلت عند اولى الصعوبات ... اكون كمن يعترف بالفشل 0
-كلام هراء ! قد يستغرق احيانا ايجاد وظيفة مناسبة وقتا . انا الى الان لا افهم سبب تركك عملك . كانت وظيفة ممتازة ، لكن اذا كنت محقة فى ظنى ، فانا سعيدة لانك تركتها فهذا يعنى انك لم تسمحى للمدينة بالاستيلاء على تفكيرك ، ودفعك الى التصرف بطريقة قد تندمين عليها فيما بعد ... فالمدينة لها تاثير سئ على الاخلاق 0
تقلبت ناتالى بين الضحك والبكاء لكن فى الواقع لم تكن جدتها متزمتة ... فلو كانت لماسمحت لها بالتحرر من الرباط المنزلى . ثم سمعت جدتها تقول كمن يكمل كلاما سابقا : المسكين السيد وايلد فى حالة يائسة يا ناتالى ... وهو يفتقدك كثيرا ... واظنه سيستقبل عودتك للعمل عنده بذراعين مفتوحين . فلماذا لا تفكرين فى الامر حبيبتى ؟ وهذا يعنى انك لن تضطرى للعودة الى هنا الى الابد ... وقد تعرفين ماذا سيكون بانتظارك ... وسيساعدك هذا على التغلب على حالتك اليائسة 0
هل تعود للعمل فى حسابات السيد وايلد ؟ فى ذلك المكتب الخشبى وعلى تلك الالة الطابعة القديمة الطراز وبين اكوام الخشب الجديد ... لكن الفكرة عادت فراقت لها اذ هناك شئ ما بشان العودة الى الجذور وقد تساعدها فى التغلب على انكسار قلبها ، لو فى القضاء على شوقها لرجل لن يكون لها يوما ... فما دامت هى فى المدينة نفسها فلسوف تبقى متعلقة بقشة هشة من الامل ... تتمنى لو تلمحه يوما ...
تمسكت الجدة بلحظة الضعف التى تنسمتها فى ناتالى فقالت بثبات : توقفى عن التفكير ... سارسل لك ثمن بطاقة السفر فى القطار صباح الاثنين ... عندها لن يمنعك شئ من العودة الى منزلك فى الاسبوع القادم ... لك ان تاخذى عطلة لطيفة قبل ان تقررى ماذا ستفعلين ... ابلغى جول حبى ... انا لا اجدها ابدا حين اتصل ...وتصبحين على خير حبيبتى !
المال الموعود وصل صباح الثلاثاء بالبريد ، وحدقت ناتالى فيه مفكرة ... من الخير لها العودة ... فالاقدار تدفعها الى هذا ... فليلة امس سالتها جول اذا كانت ستغادر ... اذ يبدو ان صديقة لها تبحث عن مسكن ... وهذا ما سيلائم الاثنين معا . وفجاة قررت ناتالى : يمكن ان تسكن صديقتك متى شاءت ، ساحضر كل حوائجى اليوم وساسافر صباح الغد 0
والتفتت لتقابل نظرة جاين المستغربة : ماذا اسمع ؟ اكنت احلم ام انك قلت انك ستتركين المنزل ؟
-لا ... لست تحلمين 0
-هاى ! لكن لا يمكنك الرحيل غدا . فهناك وظيفة خاصة لك ، يجب ان تقومى بها غدا 0
-ولماذا انا ؟ ثم ان المرة الاولى التى تذكرينها لى . لقد قلت سابقا ان على الا اعتمد على مثل هذه الوظائف 0
-اعلم ... لكن الوكالة طلبتها خصيصا لنا 0
-مع من ؟
-مع الانكليزيين اياهما ... ناتالى ، يجب ان تبقى ... فلتكن حفلة وداع ... يوم اخر لن يشكل فارقا 0
-لا ... لا اعتقد هذا 0
انهاتعلم جيدا ان مشاكلها ستزداد سوءا . لكنها حزمت اغراضها كلها تلك الليلة باستثناء الثياب التى ستحتاجها . . وكانت ثيابا عادية لا رونق فيها ، لكن الامر لا يهمها . انها ليلة اخرى لن تنفع او تضر 0
لكن جاين قررت ان اناقة ثيابها امر مهم ، فقد قالت لها : تبدين رهيبة المنظر 0
-شكرا لك ... ! على الاقل ، منظرى يعكس مشاعرى . ولا استطيع فعل شئ لمظهرى الشاحب !
-هراء ! لقد تركت نفسك لسحر ذلك الرجل ... فانسيه !
-وماذا تظنينى احاول ؟
فتنهدت جاين : اعلم والمشكلة انك بحاجة الى رجل اخر لتنسيه 0
-لك طريقة غريبة فى اعطاء المرء الثقة بنفسه !
فضحكت جاين : اسفة ... لكن يجب ان تستعيدى لون وجهك ... والماكياج لن ينفع ...
قررت ناتالى ان ما من مجال بعد للاسى على كولت ... فقد فعلت هذا ما يكفى حتى الان ... وستنتهى هذه الليلة بسرعة ... وفى الثامنة من صباح الغد ستكون فى القطار الذى سيتوجه الى ريف بلدتها 0
لقد وجدت وظيفة ، وستدخر بعض المال ، لتعود فى السنة القادمة . انضج بعض الشئ واكثر حكمة ، فتغزو عندها المدينة من جديد 0
سالتها جاين : هل وضعت عطرا ؟
-لا ... نسيت 0
-هذا ما ظننته . بالله عليك حافظى على تماسك !
وسالت ناتالى بعد ان اوصلهما التاكسى ، يفوح منهما العطر الباريسى الرائع : الى اين سنتجه ؟
-الى ملهى جديد ... واعتقد ان ذينك الانكليزيين سيتمتعان به . ارجو ان يكونا هنا الان 0
كانت نقوش سوداء على الجدار ، وضوء صغير فوق الرؤوس ، يمثلان المدخل الذى يمتد امامه بضع درجات معتمة ، تنحنى لتقود الى داخل الملهى ... عندما دخلت ناتالى ، تطلعت الى شفاه خضراء وسوداء هى لفتاتين تنتظران . ثم نظرت الى شاب ذهبى الشعر يرتدى بزة حمراء ... فتساءلت ... بماذا ستورطها جاين هذه المرة ... الجو فاسد مشؤوم كله فراحت مخيلة ناتالى تعمل ... حتى اعتقدت ان سام كاربنتر يبدو لها الان ظاهرة صحية 0
وامسكت بذراع جاين تجذبها وقالت هامسة : هل شممت هذا ... ؟ هل هذه رائحة الماريغوانا ؟
لم يبد على جاين اى تاثر او اهتمام .
-هذا ممكن ... اتساءل اين ...
قاطعها صوت اجش يطلب منها اقفال الباب الذى فتحته لتفتش عن الرجلين ... فقالت ناتالى ببؤس : انا متاكدة اننا جئنا الى مكان خاطئ جاين ... دعينا نذهب من هنا ...
فرد عليها صوت اجش من خلفها ، صوت مالوف جدا : لا ... لم تاتِ الى المكان الخاطئ 0
ادارت ناتالى وجهها مذعورة فارتدت الى الخلف ، تكذب ما تراه عيناها المتسعتين من الصدمة ... هذا مستحيل !
لا يمكن ان يكون المتكلم هو كولت !

رفيلة
13-01-2011, 10:14 AM
هذا ما يهمها


]
بدا هنا فى هذا المكان المشؤوم اطول واجمل خاليا من العيوب يرتدى سترة مخملية سوداء ، وسروالا رماديا وقميصا زهريا قاتما 0
خفق قلب ناتالى خفقات هائلة ، جعلته يهدد انفاسها بالانحباس ... وتلعثمت بسؤالها : ما ... ماذا .... تفعل هنا ؟
-افتش عن مرافقتى ؟
وقف دايفى تالبوت على مسافة غيربعيدة خلفه يرفع يده بالتحية ... فالتفت كولت ليعرفه الى جاين . وراقبته ناتالى دون ان تتفوه بكلمة ... يبدو ان كولت وجاين يعرفان بعضهما بل يبدو لها وكان كل شئ مدبر ... فجاة وجدت صوتها المحبوس فصاحت بجاين : لست افهم ... قلت لى اننا سنقابل انكليزيين ... فلماذا لم ...
فضحكت جاين ، وتابط كولت ذراع ناتالى وقال لها بنعومة : حدث تغيير بسيط فى الخطة ... وهذا يحدث كثيرا هذه الايام 0
وضحك لدايفى و جاين : اذهبا وتمتعا جيدا ... وشكرا لك جاين 0
كان الاثنان قد ارتدا على اعقابهما يصعدان درجات السلم ثانية ...
فخرجت ناتالى من سباتها وصاحت : انتظرا لحظة ...
وحاولت جذب ذراعها منه ... ثم حدقت فيه : انا لن ابقى معك هنا !
فاجابها ببرود : لن يبقى احد منا هنا ... فانت قادمة لتتناولى العشاء برفقتى 0
فردت غاضبة : ولكننى بكل تاكيد لن ارافقك . فلست موظفة لديك الان . ولا يمكنك اصدار الاوامر لى 0
-لن انكر هذا ... لكن بما ان رجلا انكليزيا اشترى رفقتك هذه الامسية ... فلماذا تحتجين على ؟
-لان رفقتى ليست معروضة للبيع لك !
فجاة بدا وكانه فقد صبره ، فتركها : حسنا ... اذا كنت مصممة على البقاء هنا وحدك .... فابقى 0
اجتازت ساقاه الطويلتان السلم درجتين درجتين حينها بدات عدة عيون تنظر بفضول اليها ... فادركت انها لا تريد بكل تاكيد ان يتركها هنا لتشق طريقها وحدها الى المنزل ، فاسرعت الخطى وراءه وتكاد تقع من شدة سرعتها ... فوجدته ينتظرها فى اعلى السلم ...
كانت سيارته متوقفة عند الزاوية ، وبدون ان تتكلم ، امسك ذراعها وقادها نحو السيارة التى فتح بابها الامامى قبل ان يدفعها الى الداخل 0
عندما صعد امام المقود ... ادار وجهه اليها قبل ان يدير المحرك : ارجوك ، حاولى ان لا تجادلينى ناتالى ... فانا افضل ان نقوم بالرحلة صامتين . لكن اذا كان يجب ان تتكلمة فحاولى الكلام كالناس العاديين ... تعلمين : حديث عن الطقس ، او عن الاقتصاد الحالى ...
-اجل .... ولكن ...
فتنهد وادار المحرك : اعلم ... على ان اعترف بان مشروعنا فشل ... لكن يبدو ان كل مشاريعى تفشل فيما يتعلق بك 0
فتحت ناتالى فمها ثم اقفلته ... فلهجته تدل على انه لن يرد على اى سؤال من اسئلتها قبل ان يكون مستعدا 0
-هكذا افضل ... اجلسى واقلقى بصمت 0
فتنهدت بغضب ... كيف له دائما ان يقرا افكارها ؟ فهى بالفعل قلقة بشان الاسئلة العديدة التى تجول فى خاطرها ، وهى تعرف انه قادر على اضافة الكثير الى لائحتها قبل ان يصلا الى حيث يقصدان . هل سيطلب منها العودة الى العمل ؟
لكن كان يمكنه ارسال رسالة لها بهذا المعنى ... ايعقل انه اكتشف انها سكرتيرة كفوءة اكثر مما كان يدرك ؟
وضعت ناتالى يدها على عنقها وادارت وجهها المحترق نحو النافذة ... ترى الى اين سياخذها ؟ ... وتراجعت تريح راسها وقد تلاشت كل قدرة لديها على المقاومة ... لقد تم انتزاع سيطرتها على مصيرها ... لكن هل استعادته حقا ؟ عليها ان تكون صادقة فتعترف انها لم تعد تهتم ...
جاءها الرد على سؤالها بعد قليل عندما تركت السيارة الطريق الرئيسى الموصل من نيويورك الى نيوجرسى لتلج طريقا هادئا يتجه الى قلب الريف ... بدا انه يعرف طريقه فقد كان يختار المنعطفات الصحيحة من الطريق بسهولة ودون تردد وظل يقود سيارته الى ان ابطا السير ليعبر بوابات قديمة ... فلمحت عندئذ ناتالى واجهة منزل ريفى له مداخن سوداء ترتفع ازاء السماء ... وبدا المكان ساكنا ومهجورا ... ولم يكن فيه انوار الا مصباحين قديمين كانا على جانبى المدخل 0
علمت انه سيخرج المفاتيح من جيبه ليفتح الباب الخشبى الضخم ، وعلمت ان هذا هو منزله ... واعلمتها غريزة الانثى الخالدة سبب اصطحابها الى هنا 0
رعشات الخوف والتوقع والرغبة والياس لاحقت بعضها بعضا عبر عمودها الفقرى حتى غاب عنها رؤية المدخل المفروش باجمل اثاث قد يحتويه منزل قديم انيق . والتفت ليرفع عنها وشاحها ، دون ان يبتسم : لقد وعدت بالعشاء ناتالى ... لكننا سنحضره نحن معا 0
-استطيع الطبخ ، مع اننى لا اقضى امسياتى فى المطبخ 0
-من هنا المطبخ 0
ومشى امامها ، يرتفع وقع خطواته قاسيا فوق الارض الخشبية حتى وصلا الى مطبخ ضخم ، ذى جدران خشبية يحتوى على ادوات عصرية مختارة بدقة .وعلى طاولة ضخمة ريفية قديمة الطراز ، فتشت ناتالى عما ينفعها مبدعة لحماية فستانها . لكنها لم تجد سوى مبدعة بلاستيكية عليها رسالة حمراء اللون من الامام : " الى من لديه كل شئ أ " فمدت يدها اليها : هل لى ان استخدمها ؟
-طبعا ... وعليك المحافظة عليها لئلا تغضب منى استيل 0
فجاة توقفت اصابعها عن عقد الربطتين وراء خصرها : استيل ؟
-ابنة مدبرة منزلى . لقد قدمتها لى هدية الميلاد 0
-اوه ...
وتابعت اصابعها عملها ... حتى ابنة مدبرة منزله ليست امنة منه 0
انهت ناتالى عقد المبدعة وقالت : ماذا ستحضر ؟
-ثمة خضروات فى درج البراد . هل بامكانك تحضير السلطة بينما احضر انا " الستيك" ؟
عملا بصمت معا ... وبعد نصف ساعة كانا يجلسان فى غرفة الطعام الخفيفة الانوار ... وبينما كان ياكلان سالته عن الصفقة ، فاجاب : لقد تمت ... وروبرت سيتقاعد فى نهاية السنة 0
-كيف حال زوجته ؟
-انها افضل بكثير 0
وانهيا الوجبة صامتين . ثم قال كولت : لابد ان القهوة اصبحت جاهزة الان ... فلنتناولها فى غرفة الجلوس 0
كانت غرفة الجلوس دافئة تماما ، لكن توهج النيران الاحمر كان يعطى دفئا من نوع اخر ، خبيثا ساحرا جعل ناتالى تدرك فجاة مدى قوة كولت ومدى ضعفها ... ووضعت القهوة من يدها لتقول : حسنا ... انا ...
فقاطعها ببرود : اجل ... لقد حان وقت الشرح 0
انفجرت اخيرا القنبلة الزمنية الموقوتة : انا ؟
وحدقت فيه بذهول ، ثم اردفت : انا لست مدينة لك باى تفسير او شرح . فلست موظفة لديك الان ! لكنك قطعا مدين لى بتفسيرا منذ متى تعرف جاين ؟ لماذا ... جعلتها تخدعنى ؟ لو كنت تريد رؤيتى ، فلماذا لم تطلب منى ؟ بدل ... بدل كل هذا ... الخداع والتحايل ؟ انه ...
فرقع يده يقاطعها : وهل كنت ستقبلين لو طلبت منك ؟
-لا ! ... اجل ... لا ، لا ! اوه ... لست ادرى . فتوقف عن الرد على اسئلتى باسئلة اخرى !
-لماذا تركت العمل قبل رجوعى من انكلترا ؟
-كنت تعلم اننى ساترك العمل . لقد قلت لك هذا !
-او فعلتِ ؟
-تعرف اننى فعلت ! .... مرتين !
-ظننت الامر اندفاع غضب مؤقت نمر بها جميعا 0
-لا ... لم يكن ! كما ان هذا كان منذ اسابيع ، بعد ان ذكرتنى بطريقتك الساحرة اللطيفة انك تمتلكنى اسبوعين اخرين ... ام ان هذا كان احد اندفاعاتك الغاضبة ؟
فارتفع حاجباه : وهل المتك بهذا الكلام ؟
-لن ارضى غرورك باجابتى عن هذا السؤال . اوه ... كولت ... ماذا تريد منى ؟ لماذ صحبتنى الى هنا ؟
-لاكتشف امرا 0
-لا افهمك 0
-الا تفهمين ؟ ظننته ابسط ما فى الدنيا ... اردت ان اعرف مشاعرى الحقيقية كما اردت ان ارى ما اذا كنت قادرا على جعلك تعترفين بمشاعرك 0
-ماذا ؟
-اوه ... بالله عليك ناتالى ! هل ادعيت امامك قبلا ؟ انت تجذبيننى . كنتِ دائما تجذبيننى وذلك منذ رايتك للمرة الاولى تلك الليلة مع ذلك الجلف القذر ، وقتذاك عندما اوصلتك الى بيتك وددت لو اخنقك لادخل بعض التعقل الى عقلك الساذج 0
وصمت قليلا ، ثم تنهد : عرفت نساءا كثيرات ... لكننى لم اعرف واحدة الهبت مشاعرى كما الهبت انتِ مشاعرى 0
-اذا كنت الهبت مشاعرك ، فلماذا عاملتنى منذ البداية وكاننى ...
-عندما رايتك مرة اخرى كنت مع دايفى بل ... حتى اكون اكثر دقة ، كنت بين ذراعيه 0
-انت دون شك تعرف ما هو عليه دايفى . انه موظف لديك . لقد احتجت فقط الى ثلاثة دقائق لاعرف ، وكان ذلك حين ظهرت 0
فجاة سمعا طرقا حادا على الباب فجمدت ناتالى من الصدمة ... بينما تمتم كولت بشئ ، ثم قال بصوت ناعم : ادخل 0
فانفتح الباب ودخلت فتاة صغيرة نحيفة ، فى حوالى الثامنة من عمرها ذات شعر احمر قصير يلتف حول وجهها الصغير . وابتسمت الفتاة وقالت جئت لاخذ فنجانى القهوة اذا انتهيتما منهما . لقد نظفت الصحون والاشياء الاخرى 0
اخذت الفنجانين مع صحنيهما والابريق ثم التفتت وابتسمت ابتسامة جديدة : اذا اردت شيئا سيد ك . نادنى ! مامى تشاهد التليفزيون . تصبح على خير !
-شكرا لك استيل ... تصبحين على خير 0
ولم تدر ناتالى اتضحك ام تبكى ... نظرت الى الساعة ثم الى كولت . وسالته : كيف يفترض ان اعود الليلة المنزل ؟
-لن تعودى 0
-لا استطيع البقاء هنا ... فانا ... انا ساستقل قطار الثامنة ...
فاخذ يهز راسه : ستبقين هنا . ولابد ان استيل قد وضعت لك الان الارنب لعبتها فى الفراش لئلا تشعرى بالوحدة فى غرفة غريبة 0
-وهل تفعل هذا لكل ضيفاتك ؟
-اوه ... اجل ، مع انهن لا يوافقن جميعا على هذا 0
-اذن ... هذه هى استيل ؟
-ولماذا تسالين ؟
-دون سبب 0
-لم لهجة الارتياح فى صوتك اذن ؟ اوه ... اتذكر الان ... لابد انك استلمت مخابرتها يوم جرحت امها نفسها ... وتساءلت من هى استيل ؟
-ليس من حقى ان اتساءل عن اى شئ ... فانا سكرتيرة تفعل ما تؤمر به 0
-صحيح ... لكنك لست سكرتيرتى الان . آه بالله عليك ، عودى كما كنت وتوقفى عن مهاجمتى 0
ما ان انهى كلامه حتى كانت ذراعاه حولها تضمانها اليه ، ثم قال لها : انظرى الى 0
علمت انها لن تستطيع المقاومة ، فرفعت راسها تنظر اليه ، كانت لحظات الانتظار عذابا ... لكنها فى النهاية وجدت ذراعيها ترتفعان وتلتفان حوله ايضا واصابعها تتخلل شعره الكثيف . فى حين ان دقات قلبها كانت تقرع كالطبول ... كانت يداه جائعتين تبحثان عن اكتفائهما . مما اثار التجاوب الفورى فيها 0
سرعان ما علمت انها تقترب الى نقطة اللارجوع . لكن التوق الذى كان يدفعها لتعطى بقدر ما تاخذ كان يسبب لها الحزن كذلك ... وهذا احساس لم تكن تحسب حسابه . عندما رفع راسه لينظر الى وجهها وجد الدموع تبلله فتمتم : ناتالى ... ما الخطب ؟
-لا شئ ... فانا ...
ودفنت راسها فى صدره تحاول ايقاف دموعها الغبية 0
-اخبرينى ! ما الامر ؟
فهزت راسها وقالت منتحبة : انا اسفة ... لكننى لم استطع منع الدموع . وهذا سبب هربى منك ...لاننى لم استطع منع نفسى من الرغبة فيك . و ....
-ولكننى اريدك كذلك ... وظننتك تعرفين هذا 0
-اعرف هذا ، ولكننى لم اعد استطيع مقاومتك ، و...
-ولكن لماذا ترغبين فى مقاومتى ؟ فانا اريدك حبيبتى ...
-اعرف ، لكننى لا اريدك هكذا ... ليس لاكون فتاة اخرى فى سجل الفتيات مثيلات ريتا التى تحبك ولا تستطيع الاحتفاظ بك . اردتك لى ... لى وحدى 0
-لكنك حصلت على ... فانا احبك ناتالى !
-لا ... انت لاتحبنى ... انت تريدنى فقط ... وهناك فرق 0
-اعرف ان هناك فرقا ... كما اعرف تماما شعورى نحوك . وربما قد يخدعك هذا لكنه واقع الحياة . وعليك ان تفهمى اننى لم اصل الى هذه السن وهذا المركز والسلطة دون ان التقى بنساء جميلات ... وكان بامكانى اغوائك بسهولة ... لكننى ...
فتراجعت عنه : اوه ... لا ! لم تكن لدى اية نية فى تركك تفعل هذا 0
-لكننى لم احاول يا حلوتى ... فلا تكونى واثقة 0
الم يحاول !
وتابع ببطء : لم يبد لى الامر عادلا ... فبعد ان تعرفت اليك تدريجيا ادركت ان ظروف لقائنا الاول كانت مضللة ... ومع ذلك كنت اشك فى بعض الامور . كنت اعرف انك ترغبين فى ، لكن كان هناك حاجز لم استطع تجاوزه 0
وحدق فى عينيها : اتعلمين ناتالى ان عينى الفتاة تخونانها احيانا ، اذ تكشفان مدى خبرتها . لكن احيانا قد تخفى عينان بريئتان قلبا من فولاذ تحت واجهة مخادعة 0
تجمعت البرودة حول قلبها . فاشاحت نظرها عنه ... انه الان صادق معها ... وهى تحس بالامتنان لهذا 0
-حينما عدت من لندن ، بعد ايصال ريتا ، وبعد ان سويت امر الصفقة ، عرفت ان شيئا نقص من حياتى ... فلقد رحلت عنى ، فلم تمضِ الا ايام حتى عرفت ماذا دهانى ... كنت اريدك اكثر مما اردت اية امرأة فى حياتى ... وعرفت ان ما بيننا لن يكون
علاقة عابرة تتلاشى حالما تلوح لى سيدة جميلة اخرى ، وكان على ان اراك ثانية لاتاكد 0
وتنهد ... ناظرا اليها نظرة اذابت عظامها : اليس فى شقتك احد ؟ لقد اتصلت عدة مرات دون ان القى ردا . ثم تذكرت جاين واليوم الذى شاهدتكما معا قرب محطة المترو . فخطر لى ان اعيد عقارب الساعة الى الوراء فامثل دور ذلك الجلف الذى كان معك تلك الليلة . فتركت رسالة لجاين دون ان اذكر اسمى لئلا تريه ودعوت الله الا تتردد فى الاتصال برقم مجهول 0
-لا ... لن تفعل جاين هذا ... فهى تعتمد عادة على اوضاع كهذه 0
-وهكذا اتصلت ... فدبرنا امر مساعدتها لى . فى الواقع تحمست
للفكرة ...
صمت للحظات ، ثم وكانه قرا ما فى عينيها جذبها بقوة بين ذراعيه : اعلم انك صغيرة ... واعلم ان هذا اول حب لك ، لذا لا اريد استعجالك ... لكننى اريدك ... ولن تعرفى كم اريدك !
وضغط فكه الساخن على وجهها فاحست بضربات قلبه فوق صدرها فلم يكن منها الا ان عقدت ذراعيها حوله ، فقد حان الوقت لتتخذ القرار ... وحان الوقت لتنضج وحان الوقت لتنسى الخرافات ... انها تحب وتريد كولت ، ولا تظن انها ستتعود على العيش بدونه . حتى وان كانت علاقتهما لن تدوم ... فهى على الاقل تود اختبار البهجة فى حبه . ودون حبه لن تختبر سوى الاسى وفراغ المستقبل ، مستقبل لن تعرف فيه سعادة 0
-كولت 0همست
-نعم 0
لقد اتخذت القرار لكنها لم تكن واثقة كيف تتفوه به . فعادت الى الهمس : انا ... لقد اتخذت قرارى ... ولست ادرى كيف اقوله ... لكن اذا ... اذا كنت تريدنى ، فانا احبك و ... احب ان ...
كان يزداد توترا كلما امعنت فى اعترافها ... فقال بنعومة : اجل ... ستحبين ان ... لكن ماذا ستحبين ؟
-ان ... اعيش معك ... ان احبك 0
توقعت ان تسمع منه " تعالى وعيشى معى ، وكونى حبى "
لكنه قال : ناتالى ، يا حبى الصغير المثير ... انا اتقدم منك بطلب الزواج ، لا لشئ اخر . اريد اطفالا مثيرين مثلك . اريد ان العودة فى نهاية النهار الى المنزل ... الى شخص يحبنى لنفسى ، الى من يحتاجنى لاجعل حياته ثمينة ... الى من لا ينسى ما هى سعادة الحياة البسيطة . انت واقعية ، مخلصة صادقة ... وانا احبك اكثر مما يجب رجل امرأة 0
صاحت بجنون : كولت ... قل هذا مرة اخرى ... اظننى احلم !
-لن اكرر ! هناك طرق اخرى خير من الكلام ... قد تعلمك الكثير 0
واغرقت فى الضحك وقد تذكرت نبؤة قالتها جاين يوما : " ان شخصا ما سيقع فى حب براءتك عندها سيمضى الليالى يعلمك ما هى الحياة " 0
-ما المضحك ؟
اخبرته ثم قالت : لا استطيع تمالك نفسى ... انا سعيدة جدا 0
لم تعد تخشى الان ان تكشف مشاعرها نحوه فنظرت اليه مقطوعة الانفاس وجهها مشرق بالاحمرار ، وعيناها توحيان بانهما فى حلم لذيذ : كيف وصلنا الى هذه الحال ؟
-لا تسالينى 0
وجذبها معه متجها الى الاريكة ... فتنهدت وهى تستند اليه : قل لى شيئا كولت ...
-اذا استطعت 0
-لماذا كنت غاضبا ومريعا ونحن على الجزيرة ؟
-الا تعلمين ؟
-ما كنت اسالك لو كنت اعلم !
-اليس لديك مخيلة ؟ ام ان المخيلة الانثوية ليست قادرة تماما على ادراك كم يتاثر الرجل وتتدمر اعصابه وهو يغازل امرأة يريدها ثم يضطر للتراجع ... هل اجبت عن سؤالك ؟
-اسلمته وفهمته 0
-امامك الكثير لتفهميه 0
-اعرف ... وساكون مجنونة الى ان افهمه 0
ملست شعرها ، ثم تصلبت فجاة فسالها : ما الامر الان ؟
-انظر الى الساعة ... ! كيف ساعود الليلة ؟
-لن اعود الليلة الى المدينة ، فانسى الامر حبيبتى 0
-لاباس ولكن ... ليس معى ثياب نوم ولا اشياء اخرى 0
-اظن ان لدى فرشاة اسنان فى مكان ما ... وماذا تحتاجين غيرها ؟
-اريد ان اعرف ما يفترض بى ان ارتدى صباح الغد ... وما سابدو عليه لدى عودتى الى الشقة فى ثياب السهرة ؟
فشدها اليه ليوقف بفعالية كا احتجاجاتها 0
-حدث مثل هذا من قبل حبيبتى ... وسيظل يحدث لكن المدينة العجوز لن تلاحظ 0
-لكن الجيران سيلاحظون 0
-انت تتكلمين كثيرا ... وما نحن بصدده اهم بكثير ...
واخير ستعيش اكثر احلامها جنونا ... وهذا هو كل ما يهمها !



*****



تمـــــــــــت


منقولة من منتديات *****
الكاتبة : dede77

monaaaa
17-04-2012, 03:48 AM
Thanks alooooot

شبابيه كووول
20-04-2012, 07:05 PM
مشكووووووووره حياتي

دلوعة بس عسولة
25-04-2012, 09:27 PM
http://www.mlazna.com/mwaextraedit5/extra/56.gif
:schmpp:

zazaza
17-05-2012, 10:48 PM
http://www.mlazna.com/mwaextraedit5/extra/64.gif

zazaza
18-05-2012, 08:48 AM
روايه رائعه جدا رفيله


عاشت ايدك ياقلبي الف شكر قليل بحقك

لامار
17-08-2012, 04:51 AM
http://www.mlazna.com/mwaextraedit5/extra/63.gif