آخـــر الــمــواضــيــع

رجل غير عادي _الجزء الاول _ترجمة salmanlina حصريا على ملاذنا بقلم zazaza :: قرقعة كؤوس بقلم قلم مضطرب :: رواية اريدها بأي ثمن _ترجمة amadiaحصريا على ملاذنا بقلم zazaza :: زواج اجباري _ترجمة salmanlina حصرياً فقط على ملاذنا بقلم zazaza :: رواية ( في محراب العشق ) لـ blue me بقلم الود طبعي :: Gâteaux décoration 3 - Samira / ديكور الحلويات 3 - سميرة ( باللغة العربية و الفرنسية بقلم benghida :: رابط قصة غير مفعل بقلم Shaymaa :: تحميل رواية (لماذا لم يسألوا إيفانز؟ ) أجاثا كريستي بقلم الود طبعي :: تحميل رواية ( ثلاثة عشر لغزاً ) لأجاثا كريستي بقلم الود طبعي :: رواية ملائكة وذئاب للدكتور أحمد مراد (رائعة لا تفوتكم) مكتوبة بقلم الود طبعي :: بلييييييييييييييييييييييييييييز بقلم وبعدين يعني :: ممكن خدمه,, بقلم وبعدين يعني :: Leçons De Patisserie N°1 - Cuisine Rima / دروس الحلويات رقم 01 - مطبخ ريما ( باللغة بقلم benghida :: ما الفرق بين وحدة الوجود والشرك والإلحاد والتوحيد بقلم لحظة عشق :: برنامج JRiver Media Center 19.0.155 العملاق لتشغيل وتنظيم الملتيميديا بقلم Hamada Bader :: برنامج cFosSpeed 9.64 Build 2144 Final لمضاعفة سرعه اتصالك بالانترنت بقلم Hamada Bader :: برنامج Camtasia Studio 8 اخر اصدار لتصوير سطح المكتب بقلم azizhm :: Patisserie - cuisine facile de A à Z / حلويات - الطبخ السهل من ا الى ي بقلم benghida :: تحميل برنامج فايبر apk 2015 بقلم downloadsky :: تحميل برنامج WiFi Hacker v3 - لإقتحام اى شبكة وايرلس وكسر باسورد اى شبكه لاسلكيه بقلم اشرف الشبح ::



+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 7

  1. #1
    وردة ملاذنا ومشرفة قسم ألعاب الكمبيوتر وقسم الانمي
    حالتي : pink angel غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Dec 2010
    عضويتي رقم: 1351
    هوايتي: المطالعة
    سيرتي الذاتية: لا يوجد
    عملي: طالبة
    مشاركاتي: 5,979
    معدل تقييم المستوى : 2147483733
    pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى.

    رواية صيف القطاف - غلوريا بيفان (كتابة كاملة)

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



    كتابة ورده قايين
    منتديات *****

    الملخص
    كانت سارة متلهفة كي تستلم ميراثها ... كروم مزدهرة في وسط منطقة زراعة العنب في نيوزلندا .
    ولكن الرجل الذي كان يشرف على الأملاك ، لم يكن على استعداد للترحيب بالمالكة الجديدة .
    ولهذا قررت سارة استعمال طريقة ملتوية ، والإدعاء بأنها تبحث عن عمل مؤقت لقضاء عطلتها . وهذا ، سيكسبها وقتاً كافياً لتتعرف عن كثب على فيك جورافيتش وتقنعه بأنها لاتشكل تهديداً لمركزه في الكرم ، قبل أن تكشف عن هويتها الحقيقية .
    ولكن مع مرور الوقت ، بدأت سارة بإدراك صعوبة التراجع عن خدعتها...


    " هل أتيت إلى هنا ، تبحثين عن عمل في الكروم،لقضاء عطلتك؟"
    عرض فيك على سارة طريقاً للتخلص من ورطتها . ولكن ماذا سيحدث ، لو ،افتراضاً ، كُشِف أمرها؟ وعرفوا أنها كاذبة ومخادعة ؟
    سيستمر ذلك في الصيف فقط . همس الوسواس في داخلها . ثم أعود إلى انكلترا ولن يعرف أحد ، هنا، بأمري بتاتاً.
    التعديل الأخير تم بواسطة pink angel ; 29-06-2011 الساعة 09:00 PM


  • #2
    وردة ملاذنا ومشرفة قسم ألعاب الكمبيوتر وقسم الانمي
    حالتي : pink angel غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Dec 2010
    عضويتي رقم: 1351
    هوايتي: المطالعة
    سيرتي الذاتية: لا يوجد
    عملي: طالبة
    مشاركاتي: 5,979
    معدل تقييم المستوى : 2147483733
    pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى. pink angel من افضل السمعات في المنتدى.

    رد: رواية صيف القاف - غلوريا بيفان (كتابة كاملة)

    الفصل الأول

    " لقد استلمت رسالتك التي تطلب فيها مني أن آتي وأقابلك ." قالت سارة ، وعيناها المليئتان بالحيرة ترمقان الرجل الأصلع والمنتفخ الودجين الذي كان يجلس خلف طاولة مكتبه .
    " أنا مسرورٌ لقدومك ." حدق المحامي بنظرة تقييمية في الفتاة الواقفة أمامه ، نحيلة ، متوسطة الطول ، لون بشرتها مثل لون الكريمة ، شعرها بني داكن ويعلو أنفها النمش – لم تكن جميلة بمعايير العصر ، ولكن شعر أنها تملك جاذبية تشد الغير . فهي مليئة بالحيوية والنضارة وابتسامتها الدافئة العريضة والودودة كانت مثل شعاع الشمس الذي يدخل جو المكتب العفن.
    "بصراحة." بدأت سارة الحديث ." لابد أن هناك خطأ . فأنا لم أستطع تخيل سبب تريد من أجله مقابلتي.
    قال الرجل في نفسه :إن صوتها رقيق وواضح .
    وتساءل كيف ستكون ردة فعلها عندما يخبرها عن السبب الذي من أجله طلب مقابلتها ." هل أنت الآنسة سارة ؟ سارة سميث؟"
    " نعم ، هذا أنا . إسمع ." أخرجت سارة من حقيبتها ورقة مطوية ." لقد أحضرت وثيقة ميلادي كما طلبت ولكن لاأحد يطلق علي هذا الإسم الآن." وشعر المحامي أن ابتسامتها تأسره.
    " حقاً؟" تغيرت نبرة صوته ." لماذا توقفوا عن تسميتك بهذا الإسم؟"
    "لماذا؟" علقت سارة وهي تكاد أن تطلق ضحكة استغراب عالية ." ماذا سيكون شعورك لو كنت مضطراً لحمل هذا الإسم طيلة حياتك ؟ وكما تعرف ، أستطيع شراء اسمين مقابل بنس واحد ." أسرت له سارة ." عندما انتقلت من لندن إلى ديفون كي أقيم عند عمتي ، قررت أن أغير اسمي . ومنذ ذلك الوقت اتخذت لنفسي سنكلير وهو اسم عائلة والدتي . ألا تعتقد أن هذا الاسم افضل من اسم سميث القديم البالي ؟"
    " بالطبع ، بالطبع ." ولكن المحامي – كما لاحظت سارة – لم يكن صاغياً وقد صب اهتمامه على مجموعة الأوراق الموضوعة أمامه على طاولة المكتب ." تبعاً للمعلومات التي تلقيتها من مكتب المحاماة في نيوزلندا . وذكروا فيها أنهم أمضوا سنة تقريباً وهم يحاولون العثور عليك ، حتى تتبعوا أثرك أخيراً إلى حيث تقيمين مع عمتك في ديفون ... كانت صعوبة العثور عليك هي بسبب تغيير اسمك!"
    " اسمي أنا؟" أجابها المحامي بلهجة جافة :" خاصة عندما يتعلق الأمر بميراث كبير . أنا مُكلف بأن أبلغك ."
    وأضاف بصوت جدي ورزين :" تبعاً لوصية المرحوم ستيفن جورافيش."
    " ستيفن ؟" اتسعت عينا سارة من هول الصدمة ، وقالت بصوت متهدج :" لست تعني أنه ... لا أصدق ذلك ...؟"
    رق صوت المحامي قليلاً عندما رأى الألم المفاجئ الذي اعتلى وجهها :" لقد مات فجأة ."
    " لاأستطيع أن أصدق ذلك ." همست سارة وكأنها تهذي ، من هول الصدمة :" لقد كان شاباً وقوياً ، لا أستطيع أن أصدق أنه مات !"
    " لقد أصيب بسكتة قلبية مفاجئة ." قال المحامي بلطف :" صدقيني إذا قلت لك إنها تحدث لرجال لم يناهزوا الثلاثين من عمرهم – مثلما كان ستيفن – أكثر بكثير مما نظن."
    وبرغم كلام المحامي الملطف ، بقيت سارة مذهولة من سماع خبر موت ستيفن ، فيما عاد المحامي إلى التكلم بحزم :" هل كنت تعرفين ستيفن جورافيتش جيداً؟"
    " نعم ... لا ...القصة ومافيها ..." قالت سارة وهي تلعق شفتيها الجافتين :" لقد عرفته لمدة أسابيع فقط ، كان يقوم بزيارة إلى لندن ." أضافت سارة وقد بدا عليها أنها تعاني صعوبة في التركيز :" يا إلهي ، لقد مضى وقت طويل على ذلك ، لقد كنت في الحادية عشرة من عمري ، وكانت أختي كاتي مخطوبة إليه ، ولكن ..." تحشرج صوتها وتوقفت عن الكلام .
    أبعد المحامي مقعده عن طاولة المكتب ، ووضع رجلاً فوق رجل . " أخبريني القصة كلها ،تكلمي عنهما ."


    " ليس هناك الكثير ." قالت سارة وهي تحاول أن تستجمع أفمكارها ." أختي كاتي وستيفن التقيا مصادفة ، كما يحدث في كثير من الأحيان . ستيفن كان يقوم في ذلك الحين برحلة سياحية حول أوروبا ، أتياً من نيوزلندا . وقرر البقاء في لندن لعدة أسابيع قبل العودة إلى بلاده . ودخل ذات يوم مخزن الأثريات الذي تعمل فيه شقيقتي والتقى بها ، تبادلا أطراف الحديث وطلب منها أن تكون دليله السياحي خلال فترة إقامته في المدينة . " قالت سارة بصوت خالٍ من التعابير وكأنها تتكلم وهي نائمة .
    " انصب اهتمام ستيفن طوال فترة تجواله في أوروبا ، على زيارة كروم العنب ، فقد كانيملك في بلاده – نيوزلندا – حيث المناخ شبيه بمناخ البحر الأبيض المتوسط . وقد ورث هذا الكرم عن جده الذي جلب من ساحل دالمتيان الشتلات الأصلية عندما قرر الاستقرار في نيوزلندا . كان ستيفن يسعى من وراء زيارته للكروم في أوروبا أن يشتري أصنافاً جديدة من الكرمة ذات جودة ممتازة يزرعها في كرمه . وقد استفاد كثيراً من الزيارات التي قام بها إلى الكروم الأوروبية بالإضافة إلى أنه اقتبس أحدث الوسائل التي طبقها فيما بعد في كرمه ."
    " يبدو هذا سخيفاً الآن ." استطردت سارة يصوت كأنه صادر عن الأموات :" ستيفن وكاتي وقعا في الحب من أول نظرة . لقد أحبا بعضهما البعض حباً شديداً ، ولكن ستيفن كان مضطراً للعودة إلى نيوزلندا في خلال ثلاثة اسابيع كي يشرف على زراعة الشتلات التي ابتاعها ،في الوقت الملائم من الموسم ،وقد وعد كاتي بالعودة إلى لندن بعد ثلاثة أشهر . وهو الوقت الذي كان يحتاجه في تشييد بيت جديد عوضاً عن الكوخ القديم الذي كان شغله . لقد أراد كل شيء مكتملاً في صن فالي حين يصطحب عروسه إلى الكرم ، ولكن ..." خفت صوت سارة إلى درجة أن المحامي اضطر معها للانحناء نحوها كي يسمع ما تقول " ... الرياح تجري بما لاتشتهي السفن ." وعاد بها شريط الذكريات إلى لحظة الوداع الأخير بين ستيفن وكاتي في مطار هيثرو ، حين اغرقت شقيقتها الوقورة في البكاء الشديد ن والتصقت بالرجل الضخم الذي كانت تحبه.
    " لن أدعك تسافر."
    " لن أغيب طويلاً ، ياحبيبتي ن ثلاثة أشهر فقط وأعود ، إنها مدة قصيرة." همس ستيفن في اذن كاتي :" وبعد ذلك نكون معاً ثانية ، ومدى العمر . ونبدأ حياة جديدة ."
    تمردت الطفلة سارة على القدر الذي اخذ شقيقتها وقالت في نفسها ، انه لاعدالة في السماء ، في الأيام السوداء التي تلت مقتل كاتي ، كانت على وشك الزواج من ستيفن .
    قطع المحامي الصمت الذي خيم بينهما بعد أن غرقت سترة في ذكرياتها، وسأل :" ما الذي حدث؟"
    ط لقد كتلت كاتي في حادث سيارة ، بينما كانت في طريقها غلى المطار . كانت ستغادر لندن في ذلك اليوم . مسافرة إلى نيوزلندا ." ابتلعت سارة ريقها بصعوبة ." اصطدمت السيارة التي كانت تقلها وأمي بسيارة أخرى انحرف بها سائقها السكران عن الطريق . كلتاهما قتل على الفور ، كاتي وأمي."
    " قتلت أمك أيضاً." صدم المحامي وهو يسمع تفاصيل الكارثة التي ألمت بسارة ولأول مرة في حياته المهنية لم يجد كلمات عزاء مناسبة يقدمها لها . وقطع عليها ، بنبرته الهادئة شريط الذكريات المؤلمة :" إذاً أنت لم تنسي هذا الرجل؟"
    " أنسى ستيفن؟" قالت وقد عادت إلى نبرتها الجامدة ، دفعة واحدة ، كل الانفعالات العاطفية :" لا أحد يمكنه نسيان رجل مثله ! ببساطة أقول ، لا أحد يستطيع . ستيفن كان رجلاً من طراز فريد . رجلاً ذا وجه ويدين رقيقتين ، لوحتهما الشمس بسمرة شديدة بسبب عمله الدائم تحت أشعة الشمس ، وقد أخبرنا أنه يشرف على العرائش على مدار السنة . كان ملتحياً ، صوته عميق ، ويهتم بكل ما حوله . كم تمنيت أن أعثر على شخص مثله عندما أكبر ، يحبني مثلما كان يحب شقيقتي !" ظهرت ابتسامة قصيرة على وجهها ." أعتقد أنه كان مثالي الأعلى."
    " هل كنت تراسلين ستيفن قبل موته ؟" سألها المحامي بعد أن سعل سعلة خفيفة.
    " نعم لفترة قصيرة فقط ، وقد اقتصرت الرسائل التي كنت أبعثها إليه ن وكنت أخبره فيها عن علاماتي المدرسية ، وهواياتي ، والألعاب الرياضية التي أمارسها ... الخ . لم يكن بإمكان رجل مثله الاهتمام فعلياً بفتاة صغيرة مثلي. بعد ذلك ، في السنوات الأخيرة ، كنت أرسل إليه بطاقات التهنئة بعيد الميلاد ، ولكنه لم يرسل قط واحدة لي فخيل إليّ حينها ، أنه قد نسي أمري."
    " لقد فهمت ." قال المحامي وهو يتأمل القلم الذي بيده :" لقد عرفت أن أباك ليس على قيد الحياة ، هل هذا صحيح ؟"
    هزت سارة برأسها:" لقد هجرنا عندما كنت طفلة صغيرة ، وأنا لا أتذكر حتى صورة شكله."
    " وعليه ..." تابع المحامي :" ... تكون عمتك هي قريبتك الوحيدة الباقية على قيد الحياة !"
    " أوه ، نعم ." تغيرت ملامح وجه سارة وبان عليها السرور ." إنها رائعة ، وهي بالنسبة لي كل العالم ."
    " ومن أجل ذلك ، انتقلت، بعد الحادثة ، للإقامة معها ." قال المحامي بطف.
    " نعم ، هذا صحيح." أجابت سارة فيما كانت تحاول أن تدفع عنها الذكريات السوداء التي مازالت تؤلمها . ورفعت رأسها قليلاً وكأن الروح ردت إليها :" أنا مدينة لها بالكثير !"
    " لاشك في ذلك ."ظهر على المحامي بوضوح أنه فقد الاهتمام بتاريخ عائلتها غير المثير . وقالت سارة في نفسها ، لايمكن إلقاء اللوم عليه لأن فتاة مثلها ، في العشرين من العمر ، عذراء ، لا تعيش حباً عاصفاً برغم كثرة عدد الرجال الذين دعوها للخروج وكثرة العلاقات الفاترة والقصيرة التي لاتترك أثراً في الذاكرة . هي فتاة مضجرة ومملة .
    شمخت سارة بانفها وقالت :" إن قصة حياتي ليست مثيرة ، أليس كذلك؟"
    " ستكون مثيرة في المستقبل ." لاحظت سارة . شيئاً من الغموض في صوته :" ثقي بي ، يا آنسة سميث ، ستكون حياتك في المستقبل مثيرة !"
    " سارة ، يمكنك أن تناديني باسمي الصغير ."
    " لايبدو يا سارة ، أنك استوعبت ما ألمحت إليه ، تبعاً للوصية التي كتبها ستيفن . أنت ترثين مبلغاً كبيراً من المال ، معظمه مستثمر الآن في البنوك والأسهم المالية وأنا أقدر أن هذا المبلغ يساوي ... " ذكر المحامي رقماً جعل سارة تفغر فاها على اتساعه ." بالإضافة إلى ..." وعادت سارة إلى تركيز انتباهها على ما يقول :" ... إلى الكروم في نيوزلندا وأعتقد أن قيمتها مرتفعة جداً ، وتقع في مقاطعة تدعى ... تدعى ..." توقف عن الحديث وهو يحاول قراءة اسم المقاطعة المكتوب على الوثيقة التي بين يديه .
    " وايماري." أكملت سارة الجملة عنه ." إنه اسم من لغة الماوري ويعني الفال الحسن ، لقد أخبرني ستيفن عن هذه الأشياء وأراني صوراً فوتوغرافية عن الكرم ، الذي يقع في الوادي . وعن التلال المحيطة به والمغطاة بغابات كثيفة من الأشجار والنباتات المحلية . وقد قال لي إن الكثير من الطائرات الصغيرة التي سقطت هناك ، لم يستطع أحد العثور على بقاياها بسبب كثافة الأشجار ، وإنها ..."
    " نعم ، نعم ." قاطعها المحامي وقد نفذ صبره :" من الواضح أنها منطقة نائية في نيوزلندا ، وهي مليئة بالغابات التي تفصل بين المناطق السكنية والمزارع."
    " هل قلت أن ستيفن قد أورثني كرمه المحبب إليه ؟"
    حدقت سارة في المحامي وهي غير مصدقة أذنيها ." أنا لا أفهم لماذا فعل ذلك؟"
    " دعيني أشرح لك الوضع ، يبدو أن ستيفن جورافيش كان قد كتب وصيته عندما كان في لندن منذ سنوات بعيدة ، وفيها يحول الإرث إلى شقيقتك التي صار يعتبرها زوجة المستقبل . وحسب شروط الوصية ، في حال وفاة شقيقتك ينتقل الإرث إلى أقرب أقربائها ... في هذه الحالة تكونين أنت الوريثة ."
    استغرقت سارة في التفكير فيما قاله ، واستنتجت :" إذاً ستيفن لم يتزوج بعد وفاة كاتي ؟ هل كان عنده أولاد أو أقارب ؟" لم يعطها المحامي جواباً مباشراً . فقد اعتاد ، من خلال خبرته السابقة ، ان يتخذ موقفاً متشائماً في مثل هذه الحالات . ولكن قد تكون الفتاة محظوظة . تمتم

    بصوتٍ مرتفع :" على مايظهر ، ليس في الأفق مايشير إلى وجود أقارب أو أولاد ، لقد قمنا ببعض التحريات في نيوزلندا ، وحسب المعلومات التي وردت إلينا ، فإن ستيفن كان الولد الوحيد لأبويه وبقي عازباً."
    غير المحامي موضوع الحديث بسلاسة :" لن تحصلي على المبالغ النقدية التي ستؤول إليك حسب الوصية قبل مضي فترة من الزمن ، وفي الوقت الحالي أستطيع أن أعطيك سلفة مقدماً ، بضمانة الأملاك ."
    " هل ستفعل ذلك لاحقاً!" امتلأ وجهها بالحياة ." إن هذا رائع بالفعل."
    تابع المحامي مناقشة بنود الوصية معها ، وجعلها توقع على بعض الأوراق القانونية ، كانت سارة خلالها تحاول أن تؤكد لنفسها أن ما يحدث هنا هو حقيقة وليس خيالاً .
    " أخبريني ." اخترق صوته الجهوري مسار أفكارها الحائرة ." كم من المال أنت تحتاجين في الوقت الحاضر كي تتدبري أمورك ؟ هل بضعة آلاف من الجنيهات تكفي ؟"
    " بضعة آلاف ؟ هل قال ذلك بالفعل ؟" أجابت سارة بسرعة :" يا إلهي ، إن كل ما أحتاجه هو ثمن تذكرة الذهاب إلى نيوزلندا ومبلغ بسيط كي أغطي مصاريفي هناك."
    رمقها المحامي بنظرة حادة متسائلاً :" هل تعنين أنك تريدين الذهاب إلى حيث الكروم؟"
    " بالطبع سأذهب !" نظرت إليه سارة وهي متعجبة من سؤاله ." لن أستطيع الانتظار طويلاً كي أرى الأملاك بنفسي ، وأريد البقاء هناك ثلاثة أشهر تقريباً ، كي أطلع على مسار العمل في الكرم وأحصل على كل ما أريد معرفته."
    استقام المحامي ، بحركة فجائية ، على مقعده وقال من دون أن يحاول اخفاء معالم الانزعاج التي باتت على وجهه :" اسمحي لي باقتراح ... من الأفضل ، في حالات كهذه ، التريث بالأمور ، ولكن إذا كنت تصرين على الذهاب لرؤية الأملاك ..."
    " نعم ، نعم ، أريد الذهاب ..." قالت سارة وعيناها تلمعان حماساً.
    عض المحامي على شفتيه استياءً وقد عرف أنه لن يستطيع ثنيها عما عزمت عليه :" سأرتب اجراءات سفرك وأطلب من مكتبنا في أوكلاند أن يرسلوا شخصاً يستقبلك في المطار . الكروم ، كما تعرفين ، تقع في منطقة نائية وعليك تدبير أمورك في الوصول إلى هناك من أوكولاند ."
    لم يبدُ على سارة أن كلام المحامي أحبط همتها :" أنا تفحصت خريطة نيوزلندا وأعرف أيت تقع الكروم!"
    " هذا لايعني شيئاً ." قال المحامي مناوراً :" فعلى الأرجح لأن تجدي مكاناً تنامين فيه عندما تصلين إلى هناك."
    " بالطبع سأجد مكاناً للمبيت ." قالت سارة بثقة :" لقد أقام ستيفن سنين عديدة في ذلك المكان ، ومن المرجح ، أن تكون هناك مدبرة منزل ... أو أحد آخر . لابد من وجود مدير للإشراف على العمل في هذا الوقت . على كل حال ..." عادت النظرة الراقصة في عينيها ." أنا على استعداد لتحمل هذه المجازفة ."
    " على الأقل ..." أضاف المحامي بإلحاح :" دعيني أخبر المشرفين على الكرم بموعد وصولك ورقم الرحلة ، و..."
    " لماذا تريد مني أن أفعل ذلك ." لاحظ المحامي أن سارة تصر ولم يعد هناك من مجال لتغير رأيها :ط إذا أخبرتهم ستضيع علي فرصة مفاجأتهم وستكون مفاجأة كبيرة لهم !"
    إني أراهن على ذلك . قال المحامي في نفسه .
    اختفت الضحكة فجاة عن وجهها وتلاشى الحماس في عينيها ." هل ستخبرهم عن قدومي غلى نيوزلندا ؟" لاحظ المحامي تغير النبرة في صوتها ." لن تفعل هذا ، أليس كذلك ظ أرجوك ألا تفعل ." قالت سارة متوسلة .
    تردد المحامي في الجواب واستغلت سارة الفرصة لتقول :" ألا تستطيع ترك الأمور على ماهي عليه الآن لفترة اطول ظ أعني ن لابد أن هناك من يعتني بالكرم طول هذا الوقت الذي مضى على وفاة ستيفن!"
    " في الواقع ، هناك شخص يقوم بهذا العمل ." أخبرها المحامي :" وهذا الشخص أمضى وقتاً طويلاً في العمل مع ستيفن."
    " إذاً ، سأطلب منك خدمة ، دعه الآن يتابع عمله كالمعتاد ."
    شعرت سارة بعدم ارتياح المحامي لهذا الاقتراح.
    فاستطردت محاولة اقناعه :" هل تستطيع ان تخبر المحامين في نيوزلندا ، بأنك استطعت العثور على مكاني ، وسوف تتصل بهم فيما بعد؟ ولكن أرجوك ، لا تخبرهم بأني قادمة غلى نيوزلندا."
    " إذا كان هذا ما تريدين ." تمتم المحامي بتردد.
    " نعم، هذا ما أريده ، وشكراً لك!"
    ابتسامتها الدافئة وتعابير السرور في عينها كانت خير تعويض له على خسارة المناقشة معها.
    " نصيحة أخيرة لك ." ألح المحامي برغم تأكده من عدم انصياعها لنصائحه . فقد كانت مصممة بشكل نهائي على أن تفعل ماتريده . من كان يظن ان هذه الفتاة الشابة عنيدة غلى هذا الحد!
    حاول المحامي في رجاء أخير ان يعيدها إلى واقع الأمور ، وفي هذه المرة ، طرح الموضوع من زاوية أخرى :" خذي ، على الأقل ، عمتك معك ، باستطاعتك تحمل المصاريف الإضافية ."
    لمعت عيناها بنظرة تنم عن عدم تصديق ما تسمع ." آخذ عمتي في رحلة تقطع فيها نصف المسافة حول الكرة الأرضية ، أنت لاتعرفها حق المعرفة ." قالت سارة وقد اختفت البسمة من على محياها ، واعترف المحامي في نفسه ضرورة ما اقترحه عليها :" بصراحة ، عمتي لن ترضى أبداً بالقيام برحلة كهذه ، فهي تصاب بالدوخة عندما تنتقل داخل المدينة من طرف إلى آخر ، على أي حال ، سأطلب منها أن تسافر معي ، ولكني أعرف ما سيكون جوابها على ذلك."
    لا فائدة من محاولة اقناعها بأي شيء . واستسلم المحامي لما لا يمكن تفاديه.
    انتهت المعاملات القانونية بعد قليل ، وتسلمت سارة الشيك من المحامي ووضعته في حقيبة يدوية .
    ترك المحامي مقعده ورافقها حتى باب المكتب ، ثم قال :" إذا احتجت إلى أي مشورة فأنا دائماً بالخدمة."
    " أوه ، سأحتاج إلى الكثير من ذلك ، ولكن ليس بشأن سفري غلى نيوزلندا !"
    اقفل الباب وراءها فيما كانت أصداء ضحكتها تملأ المكان.
    ودعت سارة عمتها على رصيف محطة القطارات المحلية . فيما كانت الريح الباردة تلوح شالها حول كتفيها وتدفع بالدم إلى وجنتي المرأة المسنة ويجعلهما بلون زهري داكن.
    " ساكتب لك رسالة كل أسبوع ." وعدت سارة عمتها :" وأرسل لك الصور التي التقطها عن الكروم."
    امتلأت عينا العمة أديت بالدموع ولكنها بقيت على ابتسامتها ." كل ما أتمناه هو أن لا تقعي في حب نيوزلندي متعجرف وضخم الجثة ، ممن يطلقون عليهم الكيويز."
    " لا تقلقي ، لن أفعل ذلك ، وسأعود قبل أن تبدئي بافتقادي . اعتبري أن سفري هو لقضاء العطلة فقط ، إلى جانب ..."
    وأغرق هدير محركات القطار ما تبقى من كلام سارة.
    " وداعاً ، وداعاً ، انتبهي لنفسك ." تعانقت المرأتان ثم افترقتا ، وقفزت سارة إلى القطار ، وأخذت مكانها قرب النافذة . لوحت بيدها مودعة عمتها حتى اختفت عن ناظريها .
    وصلت سارة مبكرة إلى مطار غاتوك . وانتظرت طويلاً قبل الصعود إلى الطائرة وبعد انتهاء اجراءات السفر الرسمية . واخيراً ، ها هي الآن في مقعدها على متن طائرة الخطوط الجوية النيوزلندية بشعاراتها الوطنية المميزة

    هدرت محركات الطائرة ، وربطت سارة حزام الأمان حول خصرها ، وانتلأت بالحماس وهي تودع سماء انكلترا الملبدة بالغيوم لتستقبل سماء جنوبي الباسيفيكي المشمسة!
    " يبدو عليك السرور الشديد والارتياح !" رن صوت رجالي ممتع في أذن سارة ، واستدارت لتواجه صاحب الصوت ، الجالس على المقعد قربها . وقد لاحظت في سرعة أنه في الأربعين من عمره وملامح وجهه تدل على الحنكة.
    " أوه ، أنا مسرورة جداً." ابتسمت سارة له فهي في هذا اليوم تشعر أنها تستطيع ان تبتسم في وجه أي كان.
    أزاح الرجل خصلة من الشعر تدلت فوق جبينه وقال بلطف :" مرحباً ، أمامنا رحلة طويلة ، والأفضل أن نقضيها في التعرف على بعضنا ، اسمي إيوان ، ما اسمك ؟"
    " سارة ."
    " إن العودة إلى أرض نيوزلندا الطيبة ، شيء رائع ، أليس كذلك ؟" قال الرجل كلامه بسرعة .
    " إنها متعة ." لمعت عينا سارة ." ولكن نيوزلندا ليست بلدي ." وضحكت في سرها ." على الآقل ، ليس بعد!"
    حدق إيوان في عينيها الصافيتين والمليئتين بالحماس وقال :" ما هو هذا الشيء الخاص الذي يجذبك غلى بلاد الكيوي ويؤثر بك على هذه الصورة ؟ لا شك أن سفرتك هذه ليست رحلة سياحية عادية . إذا سمحت لي بالقول ، فإن رأيي هو أنك على وشك القيام برحلة العمر المليئة بالمغامرات ن وقد نفد صبرك وانت تنتظرين البدء بها . وواضح ان عينيك تلمعان كوميض البرق ، ولن أدعي وأقول في سري إن سبب ذلك هو وجودي معك."
    " أنا أعرف ذلك ، ولا أستطيع منع نفسي ." تمتمت سارة ، بصوت خافت ونظت إليه بمودة :" لايمكنك أن تخمن ما يحدث معي ، فأنا نفسي غير مصدقة حتى الآن أن ذلك صحيح . إن الخبار التي تلقيتها كانت مثل السحر ! وأشعر أني مازلت في حلم ." تعثرت سارة بالكلام تحت تأثير نظراته الحادة :" كل ما في الأمر ، إنه إرث ، لقد ورثت مبلغاً كبيراً من المال وبيتاً و ... الشيء الذي أثارني أكثر من غيره ... كروم عنب واقعة في نيوزلندا . وقد حصلت على كل هذا من رجل ما كدت أعرفه ن لقد أوصى لي بكل ما يملك."
    رمقها إيوان متفحصاً." لاشك أن هناك بقية لهذه القصة ."
    " نعم ، إنها أمور خاصة ." اعترت عيني سارة غشاوة.
    " لابأس ، لاحاجة لاخباري بذلك ، إذاً ، أنت في طريقك لاستلام ميراثك؟"
    " أوه ، نعم ." ارتفعت معنوياتها بسرعة ." أنا ذاهبة لأقضي فصل الصيف في الكرم ، سأعمل هناك وأتعلم كل شيء ، أعني كيفية زراعة الشتلات ، القطاف ، رش الأدوية ، تعبئة الشراب ... إلى أخر السلسلة."
    " أنا أعرف كل شيء عن صناعة الشراب ." علق إيوان على كلامها ." هذا جزء من عملي." ولاحظت سارة ابتسامة جانبية متهكمة على وجهه ." قد تريدين معلومات كثيرة عن هذا الموضوع او ذاك ، ولكنها تخرج من رأسي بمجرد أن تنتفي الحاجة إليها ، إلا ما يتعلق بصناعة الشراب ، فهذا هو الموضوع الذي يمتعني في مهنتي."
    " لقد عرفت ." انطلقت الكلمات من فمها بنبرة تنم عن الانتصار :" أنت مؤلف أو كاتب صحافي أو شيء من هذا القبيل ، أليس كذلك؟"
    أومأ إيوان رأسه بالإيجاب :" نعم أنا أعمل في الصحافة ومن مميزات هذه المهنة هو تنقلي المستمر في البلاد . العنب المنتج في نيوزلندا أصبحمادة صحافية في العالم كله . ومن أجل ذلك أجري المقابلات الصحافية مع معظم منتجي العنب في نيوزلندا ، وأنا متأكد أننا سنتقابل ثانية لاحقاً."
    تبين لسارة من خلال الحديث مع إيوان ، إنه محدث لبق ومثير ، وقصص تجاربه السابقة وهو يغطي الأخبار في ماطق الحروب والكوارث تشد الانتباه وقد لجمتها عن الكلام وأمتعتها طوال فترة السفر الطويلة .
    استيقظت سارة بعد نوم قصير على منظر الفق الذهبي اللون ، وعرفت أن رحلتها أوشكت على الانتهاء . ولم يمض وقت طويل قبل أن تشعر أن الطائرة بدأت بالهبوط ، ومالت في مقعدها إلى الأمام ، تنظر من النافذة وترى أضواء المدرج الخضراء.
    وقفت سارة منتصبة ، عندما جثمت الطائرة على أرض المطار ، وتناولت حقيبتها من الرف العلوي فوق مقعدها .
    وانضمت إلى صفوف المسافرين الذين ملأوا الممشى بين المقاعد ويسيرون باتجاه باب الخروج من الطائرة.
    لمس إيوان كتفها ، واستدارت كي تواجهه ، قال لها مبتسماً :" حظاً سعيداً مع العنب ! سنلتقي قريباً."
    " مع السلامة ." أجابته مبتسمة :" سنلتقي قريباً..." ليس إلا تعبيراً كلامياً وعلى الأرجح أنهما لن يلتقيا ثانية ، حتى ولو كانا في بلد لايتجاوز عدد سكانه الثلاثة ملايين وعدد رؤوس الغنم ثلاثين مليوناً . بعد دقائق نسيت سارة تماماً إيوان.
    كانت الدنيا لا تسع فرحتها وهي تخرج من الطائرة إلى مبنى المطار حيث ألقت الشمس بأشعتها إلى الداخل .
    هنأت سارة نفسها على حسن تدبيرها ، لأنها قررت أن تسافر وهي تحمل حقيبة واحدة فقط ، وأن تشتري ما تحتاجه من ملابس تناسب فصل الصيف في نيوزلندا.
    أنهت اجراءات الجمرك بسرعة لأنها لا تحمل غير حقيبة يدها وحقيبة السفر الصغيرة ، وكانت من أول المسافرين الذين غادروا قاعة الوصول إلى الخارج.
    غسلت سارة يديها ووجهها في غرفة الحمام الواسعة ذات الجدران المغطاة بالمرايا الطويلة وأحواض البورسلين اللماعة . ثم أخرجت من حقيبتها قميصاً قطنياً خفيفاً ونسروال جينز واستبدلت بهما البدلة الصوفية التي ارتدتها قبل مغادرة انكلترا . وبشعور من الراحة نزعت عن قدميها جوربي النايلون وانتعلت حذاءً صيفياً.
    وضعت على وجهها قليلاً من الكريم المرطب ، وقليلاً من الكحل على أهدابها . هذا كل الماكياج الذي ستحتاجه في هذا الصباح الجاف حيث الحرارة ستزداد ارتفاعاً مع تقدم ساعات النهار . وبعد تمشيط شعرها ، ارتاحت لمنظرها في المرآة ، وشعرت أنها على استعداد لمواجهة أي شيء ، لاشك في ذلك ، فقد رأت في المرآة فتاة شابة على استعداد لمد يدها بالمساعدة لمن يحتاجها في الحياة الجديدة التي تنتظرها بدلاً من أن ترى نفسها المالكة الجديدة لكروم صن فالي التي وصلت لتوها من انكلترا.


    الفصل الثاني



    عندما خرجت سارة من قاعة القطار ، واجهتها أشعة الشمس ، وشعرت بصفاء الجو والهواء المنعش ورأت الألوان المختلفة أشد وضوحاً . صعدت ، بعد ذلك إلى الحافلة التي تنقل المسافرين القادمين إلى المدينة واتخذت مقعداً بجانب النافذة.
    شعرت بأن فترة انتظار المسافرين كي يأخذوا أماكنهم في الحافلة قد طالت ، وكان إيوان واحداً من هولاء ، ولكن ماذا يهم؟ فكرت سارة ، انه لايعني لها شيئاً أكثر من كونه رفيق درب لن تلتقي به ثانية.
    مالت سارة بجسمها إلى النافذة ، ولعب الهواء الدافئ بشعرها الناعم الذي غطى قسماً من وجهها ، فيما كانت الحافلة تخرج عن الطريق الرئيسية وتدخل إلى الشوارع حيث اصطفت حوانيت البيع المختلفة بمظلاتها الواقية من الشمس ، ومحتويات واجهات العرض التي تأخذ اللباب وتدهش النظر.
    ثم شاهدت سارة في الشارع الرئيسي لمدينة أوكلاند ، المدينة المتعددة الثقافات ، العمال يخرجون من أماكن عملهم ويتمشون على الأرصفة ، يرتدي الرجال قمصاناً بيضاء منشاة وسراويل قصيرة عملية وجوارب بعلو الركبة.
    والفتيات يرتدين التنانير المقلمة . وبدت عليهن النضارة والصحة . تحدث أكعاب أحذيتهن صوتاً كالموسيقى.
    أحست سارة فجأة أن لون بشرتها الأبيض هو أشد بياضاً من أي بشرة رأتها.
    مرت الحافلة ، بعد ذلك، بمحاذاة المرفأ ، حيث المياه تلمع وكأنها مغطاة بآلاف القطع من الكريستال نثرت على صفحة من الحرير الأزرق . ورأت سارة القوارب ، وسفن الركاب ، وسفن الشحن الراسية قرب الأرصفة . ورأت تمثال محارب الماوري ، المؤثر يلقي بظله على مياه المرفأ ، ويقع في خلفيته بركان رانفيتوتو الخامد ، الذي قرأت عنه سارة في الدليل السياحي الذي كانت تحمله.
    بعدما ترجلت من الحافلة ، عثرت سارة على وكالة سفر تقع على الرصيف المحاذي لمياه المرفأ ، دلفت إلى داخله ، واقتربت من مكتب جلس إليه موظف بدا غارقاً في أحلام اليقظة . وقفز عندما رآها قادمة.
    " صباح الخير." حيت سارة الموظف :" لقد وصلت لتوي من انكلترا وأريد ... " عيناه كانتا تلمعان من الإثارة ." ... أن تساعدني في عدة أشياء!"
    نظر إليها وهو غير مصدق عينيه ، وحدق في وجهها المفعن نظارة وحماساً وقال :" وصلت لتوك ، أنت تبدين على أحسن حال بعد سبع وعشرين ساعة من الطيران المتواصل ! اخبريني كيف استطعت أن تحافظي على هذه الصورة الرائعة ؟"
    " لقد كان ذلك سهلاً." أطلقت سارة ضحكة تدل على سعادتها البالغة . " أنا مسرورة جداً ، لوجودي في هذه البلاد ، اخبرني من فضلك كيف أصل إلى وايماري ؟ أريد الذهاب إلى كروم صن فالي . هل سمعت بهذا الاسم؟"
    " أجل سمعت بهذا الاسم ، من لم يسمع به ؟ إن العنب الأحمر الممتاز ربح العديد من الجوائز هنا وفي الخارج . ولكني لم أتذوقه لسؤ الحظ لأني غير قادر على دفع ثمنه المرتفع ... حقاًانه شيء عظيم حقاً أن يصبح لمنتجات نيوزلندا هذه السمعة الجيدة في الأسواق العالمية . هل قلتِ انك تريدين الذهاب إلى وايماري ؟ انها تبعد قليلاً عن طريق السيارات الرئيسي ولكن عندنا حافلة تنطلق إلى هناك الساعة الثالثة بعد الظهر."
    أحست سارة بغشاوة انسدلت فوق عينيها المليئتين باللهفة وأحتجت :" هل سأنتظر كل هذا الوقت ؟ لقد كنت آمل ..."
    " ليس هناك من مشكلة . عندنا حافلة أخرى للرحلات ستتحرك من هنا." نظر الموظف إلى
    ساعته للتأكد من الوقت وأردف :" بعد نصف ساعة ، ستنقلك معظم مسافة الطريق إلى هناك ، ولكن كي تصلي إلى الكروم ، يجب أن تأخذي طريقاً زراعية سيراً على الأقدام ، أعني إذا لم يكن لديك مانع!"
    " طبعاً ، لامانع ." لمعت عيناها ثانية :ط لقد نفد صبري من الانتظار!"
    " ولكن ماذا عن حقابئك ، إذا كنت ستسيرين؟"
    " أنا لا أحمل إلا هذه الحقيبة الصغيرة ." أنزلت الحقيبة عن كتفها ووضعتها على الطاولة أمامه.
    " هذه الحقيبة لن تكون عائقاً ." وهذه العبارة التي قالها الموظف لها سوف تسمعها سارة مراراً بعد ذلك لأنها قول مألوف في نيوزلندا :" سيكون عندك متسع من الوقت لشرب القهوة في المطعم القريب من المكتب ، استمتعي برحلتك !"
    رمقته ضاحكة وهي تدير له ظهرها :" إذا لم أستمتع برحلتي أكون قد أخطأت التقدير من البداية ، وأعني بذلك ، أن كل المتع بانتظاري ، هناك ، في صن فالي.
    دخلت سارة المقهى النظيف ، ومن شدة توتر أعصابها فقدت شهيتها ولم تنفع في استردادها كل أصناف الحلويات الشهية الموضوعة على الرفوف الزجاجية . تناولت القهوة في كوب من الفخار وذهبت إلى رصيف الحافلة وجلست على مقعد تنتظر بدء الرحلة.
    جلست بجانب النافذة وانطلقت الحافلة مارة في شوارع المدينة المزدحمة بالسيارات . متعت سارة نظرها بالأبنية الحجرية القديمة التي تعلوها الأبراج . وشاهدت قسماً من الحركة في الشارع والأشجار المتناسقة ينعكس في زجاج الأبنية الحديثة.
    عندما خرجت الحافلة من المدينة مرت بأحياء كانت مداخلها مزرعة بالأشجار الكثيفة الوراق والباسقة ورأت سارة لافتات كتب عليها للبيع . بعد قطع مسافة على الطريق أصبحت الأكواخ الخشبية تظهر متباعدة عن بعضها البعض ومرت الحافلة بمرتفع بدا وكأنه خالٍ من السكان إلا فيما ندر . كوخ هنا وكوخ هناك أو قطيع من الغنم يرعى إلى جانب الطريق . وكان هناك المزيد من التلال والهضاب.
    بعد السير لعدة ساعات وصلت الحافلة إلى قمة تل وشعرت سارة بالنسيم البارد على وجهها الدافئ ، ورأت الدخان يتصاعد من مكان ما في الوادي ، وسمعت زقزقة العصافير تقطع السكون المخيم.
    لاحظت سارة بعد فترة أن الحافلة قد انعطفت عن الطريق الرئيسية وأخذت طريقاً فرعية . ترنحت وتباطأت في سيرها على الأرض الوعرة . كان المسلك متعرجاً يصعد عبر غابة كثيفة من النباتات المحلية ، كلنا توغلوا أبعد في هذا المعبر الملتوي ، ازدادت كثافة الأشجار حوله ورمت بظلالها على كامل الطريق وأصبح لونها أكثر اخضراراً . شعرت سارة بارتفاع درجة الحرارة داخل الغابة ، وبالعرق ينضح من جبينها المغطى بالغبار.
    وأخيراً ، تحولت الطريق إلى الانحدار نزولاً من القمة وسارت الحافلة عبر أراضٍ معشوشبة ورأت سارة الشمس تشع ثانية . أوقف السائق الحافلة فجأة ، ونظر إلى سارة .
    " لقد وصلت يا آنسة سميث إلى وجهتك."
    لم تعر سارة أي انتباه للوهلة الأولى ، ثم استوعبت فجأة ، " الآنسة سميث..." انه الاسم المكتوب على جواز سفرها وعلى أمتعتها . رمقت السائق بنظرة خالية من التعابير ." أنا لا أرى أي أثر يدل على الكرم أو أي شيء آخر ، هل أنت متأكد أن هذا هو المكان ؟"
    " لا تقلقي ." قال السائق وقد غلفت وجهه البرونزي ابتسامة ترحيب :" إن الكرم ليس بعيداً من هنا ، ولكنك لا تستطيعين رؤيته . تابعي السير على هذا الطريق الترابي حتى تصلي إلى النهر . وهناك ستجدين الكرم الذي يقع بجانب الجسر ، المسافة غير بعيدة!"
    " لقد اعتقدت أن المسافة ستكون أبعد من ذلك ... أوه !" أدركت سارة في لحظة ." هل هذا يعني انك خرجت عن خط رحلتك المرسوم كي توصلني إلى أقرب نقطة."
    أكد لها السائق مبتسماً :" أنت الآن ، لوحدك ، على أفضل حال."
    ابتسمت سارة وقالت :" سأكون على ما يرام."
    " صن فالي ، انه مكان رائع ، ستحبين هذا المكان ، حظاً سعيداً."
    وبينما كانت سارة تنزل على الدرجات الحجرية المؤدية إلى الطريق الترابية ، تعالت الأصوات من الحافلة مودعة اياها :" أرجو ان نراك ثانية ... انتبهي لنفسك ... لاتشربي الكثير من الشراب... اشربي كأساً عني ... وداعاً ... وداعاً ...وداعاً!"
    بدت سارة بحجمها الصغير ، وقد وقفت تلوح بيدها وتراقب الحافلة التي دارت على نفسها وابتعدت مخلفة وراءها غيمة من الغبار الأصفر ، مثل نقطة صغيرة في هذه المنطقة المترامية الأطراف.
    انتصبت قامة سارة بينما كانت تسير على الأعشاب اليابسة بجانب الطريق العتيق . لاحظت سارة أن المنطقة تبدو خالية إلا من أزيز النحل ورائحة ورق الأشجار . ثم رأت لافتة معلقة على شجرة كتب عليها كروم صن فالي . استدارت قليلاً مع منعطف الطريق وكادت أن تتوقف عن التنفس . فقد بان لها بعيداً ، في أسفل التل ، الكرم الذي انتظرت رؤيته طويلاً . صفاً بعد آخر من الأغصان المترامية على الأسلاك المعدنية ، تفصل بينها معابر طويلة ، مغطاة بالعشب الأخضر . ورأت أن كل صف ينتهي بخميلة من الورود المتفتحة . كل شيء كان ساكناً في الوادي ، ولف الضباب التلال المجاورة قليلاً . أنصبت أشعة الشمس على العرائش المزروعة في الوادي المخبأ ، حيث العناقيد الناضجة ، باللون الأحمر الفاقع تدلت من أغصانها وبان أن الوقت قد حان لقطافها .
    وبعد وقت غير قصير ، استطاعت سارة التخلص من سحر هذا المنظر وتابعت السير عبر الممر المليء بالمنعطفات متجهة إلى المنزل الكبير المبني من حجارة رمادية اللون وعلى مرتفع بجانب الطريق العشبي المنحدر .
    ظهر لسارة فجأة ، كوخ قديم كان محجوباً تقريباً بالكامل ، عن النظر ، بنبات البوغنفيلا ذي الأزهار الارجوانية المتعربشة على جدرانه وبعريشة العنب التي القت بعناقيدها وأغصانها على السطح . أدركت سارة أن هذا الكوخ ربما ، هو البيت الذي سكنه المستوطن الأوروبي الأول الذي أنشأ زراعة الكرمة وزرع الشتلات الأولى التي أتى بها من أوروبا البعيدة . وتذكرت ، أن ستيفن أقام في هذا الكوخ قبل أن يبني المنزل الكبير الذي كان من المفترض أن يكون جاهزأً لاستقبال عروسه الانكليزية .
    مرت سارة في طريقها إلى المنزل الكبير ببركة سباحة ، عكست مياهها أشعة الشمس ، وتزينت صفحتها بالزهور المختلفة الألوان التي سقطت عن الأغصان المتدلية فوقها كالسقف . ثم رأت المباني الخارجية المجاورة للمنزل الكبير وكان أحدها مرآباً ، لاحظت من مدخله المفتوح وجود سيارة صغيرة وبيك أب وجرار زراعي متوقفة داخله .
    وصلت سارة بعد ذلك ، إلى فسحة حيث افترق عن الطريق الموصلة إلى البيت ممر فرعي وضع إلى جانبه عمود ، علقت عليه لافتة تشير إلى غرفة الاجتماعات . ومهبط للمروحيات.
    يا للسماء ، فكرت سارة وقد أصابها الذهول ، مهبط للمروحيات ، هنا في هذا الكرم!
    وصلت أخيراً إلى طريق عريضة صالحة لمرورالسيارات تؤدي مباشرة إلى البيت الحجري في أعلاه ، وتسلقت سارة بخفة الدرجات الفاصلة بين الطريق ومدخل البيت ، ولاحظت أن أشعة الشمس قد تسربت من نوافذ المنزل الفرنسية الطراز إلى الداخل . ورأت كلباً أسود يتفيأ في ظل حاجز ، وقد انتصب واقفاً عندما رآها وهز ذيله بألفة .
    ضغطت سارة على زر الجرس ، وسمعت أصداء رنينه تتردد في أنحاء المنزل.
    فتحت لها الباب امرأة ، ذات ملامح صغيرة ، حافية القدمين ، ترتدي فستاناً صيفياً بانت منه كتفاها .
    كانت بشرتها التي غطاها النمش ، كالجلد الناعم البني اللون ، رمقها بتعجب وسألت :" نعم؟"
    " مرحباً ." قررت سارة أن تتجاهل نبرة المرأة الجافة .
    وقالت في نفسها ، ربما يتكون الشك في الغرباء من العيش في مكان منعزل كهذا ." أنت لا تعرفينني ، ولكن ..."
    ابتسامتها التي أسرت بها قلب المحامي في لندن فقدت بريقها في مواجهة هذه المرأة ." اسمي سارة ولقد سمعت الكثير عن هذا الكرم وقد أتيت ..."
    "انت؟" لاحظت سارة أن ملصق الخطوط الجوية النيوزلندية قد جذب انتباه المرأة ." أنت من انكلترا ، أليس كذلك ؟" قالت وقد بان على وجهها الاحمرار والغضب الشديد ، وحدقت في سارة بعدائية واضحة.
    " لقد وصلت هذا الصباح ..."
    " أوه ، أنا أعرف من أنت ! أنت الفتاة الرديئة من انكلترا!"
    ارتفعت نبرات صوت المرأة وفقدت السيطرة على أعصابها :" لن تلاقي أي ترحيب هنا ، طالما أنا المشرفة على هذا المنزل ! اذهبي وابحثي عن مكان أخر للمبيت ." كانت تنطق الكلمات وكأنها تصب جام غضبها على عدو :" ربما البيت الذي في المزرعة ، عند نهاية الطريق يقبلك مقابل أجرة !"
    لعقت سارة شفتيها كي ترطبهما ." ولكني اعتقدت ..."
    " لقد كان ظنك خاطئاً عندما توقعت أن بإمكانك البقاء هنا ، اذهبي الآن!"
    " مساء الخير." جاءت هذه التحية بصوت رجولي عميق ، واستدارت سارة على نفسها لتواجه الشاب ذا الشعر الداكن الذي كان يصعد الدرج متوجهاً إليها ولاحظت في الوقت نفسه ، أن المرأة ذات الوجه الصغير الأحمر اختفت داخل المنزل بعدما كانت تقف في الباب وتسد الطريق بجسمها على سارة .
    " أنا فيك ." قدم نفسه مبتسما وبثقة ورمقها بنظرة كسولة ." ما المشكلة ، هل أستطيع مساعدتك بشيء ؟"
    " نعم ، طبعاً." وللحظة نسيت سارة كل شيء حولها إلا هذا الرجل الواقف أمامها ، متناسق الجسم ، مفتول العضلات ، شعره ناعم أسود اللون ، وابتسامته جذابة وظهر حول شفتيه المرسومتين بدقة القليل من حب الشباب . من خلال هذه الصورة المشرقة ، ولونه البرونزي ، وجدت سارة هذا الرجل جذاباً يأسر الألباب.
    تسارعت الأفكار في مخيلة سارة . هذا الرجل يشع بحيوية خشنة وجاذبية خلابة فاتنة . ماهذا ! ان الاشعاع منه يدخل أعماقها : هزت نفسها كي تخرج من دائرة هذا السحر إلى دائرة الواقع . لاشك انها تعرضت كثيراً لأشعة الشمس ومن المحتمل انها أصيبت بضربة شمس . ولكن، ربما تستطيع السيطرة على مشاعرها المنطلقة إذا لم تحدق مباشرة في هاتين العينين ذواتي الأهداب الكثيفة .
    " ماهو غرضك؟" قطعت نبرته القوية عليها اضطراب أفكارها ، وترددت في الإجابة ، لأن الكلام الذي كانت قد حضرته نفسياً ، لتقوله في هذه المناسبة ، تلاشى برمته من رأسها بسبب عدائية المرأة التي قابلتها عندما وصلت . فكرت سارة ، وسرعان ما أدركت أن من الصعب أن تفصح عن هويتها أمام هذا الرجل .
    " إنه ..." سمعت صوتها ، وكانت تأمل في نفسها أن تكون نبرته مرتاحه ." هل أستطيع التحدث إلى مدير الكرم ؟ إذا لم يكن ..." وبرغم نظرة عينيه العميقتين المفعمتين بالحياة التي أحبطت معنوياتها ، جهدت وأكملت جملتها :" ... مشغولاً أو خارجاً؟"
    " أنا متأكد أنه موجود ." ولوهلة لمحت سارة أسنانه البيضاء القوية ووجهه الملوح بأشعة الشمس ." أنت تتكلمين معه في هذه اللحظة !"
    اتسعت عينا سارة من الدهشة ." هل تعني ." تمتمت وهي غير مصدقة :" انك مدير كرم سنفالي ؟"
    " لنقل فقط ..." لاحظت سارة نبرة تهكمية في صوته .
    " ... اني أشرف في الوقت الحاضر على سير العمل !"
    " ولكني ظننتك أحد العمال ." خرجت الكلمات من فمها بعفوية :" أعني احد الذين يعتنون بشتلات العنب ." ومرت في خاطرها ، فجأة فكرة ؛ إذا كان يبدو بهذه الجاذبية والوحشية وهو لايرتدي إلا قميصاً وسخاً وسروال جينز مرقعاً ، فكيف سيبدو لو ... وأوقفت سارة مخيلتها عند هذا الحد .
    " أنت على حق ثانية ." قال بنبرة متفحصة وتلاقت نظراتهما . أحست سارة على الفور أن عينيه تخترقان أعماقها . وازداد نبضها . في لحظة مجنونة شعرت فيها أن ضوء الشمس يغمرها راقصاً ، وجهدت كي تبعد نظرها عن عينيه الداكنتين الساحرتين .
    " ما الذي تريدينه مني؟" وبدا لها أن صوته الرخيم بنبراته العميقة يأتي من مسافة بعيدة .
    " حسناً ، بصراحة ..." حاولت سارة أن تستجمع أفكارها .
    شيء ما ، كان يجعل من الصعب جداً عليها أن تخبر هذا الغريب عن هويتها . ولكنها كانت تشعر بالارتياح لعدم ظهور المرأة الصغيرة الغاضبة ثانية . وسمعت نفسها أخيراً تقول بصوت ناعم ورقيق ، تقريباً :" اسمي سارة ، وقد وصلت هذا الصباح من انكلترا ، أنا ..."
    " سارة !" اختفت كل معالم البراءة المصطنعة عن وجهه فجأة ، ولاحظت سارة من تعابير وجهه المميزة ومن عينيه اللتين كانتا تلمعان مثل عيني ّ قطعة في الظلام ، ان هناك شيئاً خطأ ، وأحست أن الموقف أصبح مشحوناً بانفعلات .
    " سارة سنكلير ." أضافت بسرعة وليظن مايريد بهذا الاسم.
    رمقها فيك بنظرة ريبة ." هل قلت ... سنكلير ؟"
    " نعم ، هذا اسمي ." أكدت له بصوت متحشرج ، ومصصمة أن لاتسمح لنفسها بأن تهاب هذا الغريب القوي الشخصية .
    تغيرت ملامح وجهه فجأة وعيناه اللتان كانتا تبدوان وكأنهما قطعتان من الثلج الأسود ، لمعتا وامتلأتا بالنور .
    " يبدو ان الأمر اختلط عليّ بسبب برقيات وردتني بمعلومات متضاربة ." الابتسامة التي ظهرت على محياه كانت تدفئ القلوب ." لقد ظننتك فتاة أخرى ."
    خيم الصمت على سارة ودفعت خصلة من شعرها الكستنائي الغزير إلى ماوراء أذنيها . وتسارعت أفكارها المتضاربة والحائرة . الشيء الوحيد والمؤكد هو انها لا تستطيع البقاء هنا ، حسبما خططت بسبب ردة فعل مدبرة المنزل الغاضبة عندما قابلتها . واستغربت أن لايكون اسمها معروفاً من المدير ، بالطبع كيف يمكنه ذلك ، وتذكرت سارة أن اسم الفتاة التي ورثت الكرم ، الاسم المذكور في وصية ستيفن وفي جواز سفرها ، هو سارة سميث ؛ وليس سارة سنكلير . ولذلك لم يبد عليه انه يعرف ان سارة سميث وسارة سنكلير اسمان لفتاة واحدة ، وتساءلت في نفسها عما كان سيفعله لو تقدمت منه وأخبرته صراحة بأنها هي الفتاة الأخرى !"
    " لقد فهمت الوضع الآن ." تحولت تعابير وجهه من الارتياب والشك إلى الارتياح ، وأكمل بصوت عميق وهاديء :" لقد نشرت اعلاناً في الصحيفة المحلية منذ حوالي الاسبوع عن وجود عمل مؤقت في الكرم ، هل جئت من أجل ذلك؟"
    صدمت سارة بهذا الاستنتاج ولم تستطع التفكير بهدوء . ترددت في الجواب . حتماً سيفسر صمتها على انه علامة قبول ، قالت سارة في نفسها بعد أن عاد إليها توازنها العقلي.
    " كنت آمل أن يجيب أحد على إعلاني ، لأني بحاجة إلى مساعدة . اننا على وشك البدء بالقطاف وفريق العمل ، من الفتيات المحليات اللواتي يأتين كل سنة في موسم القطاف لم يكتمل عددهن هذه السنة . لم أعطِ تفاصيل في النشرة الإعلانية توضح ماهية الوظيفة . اني أحتاج إلى فتاة يمكنها القيام بمهمات مختلفة ، قطف العنب ، تعبئة الزجاجات ، وضع الملصقات ، الاهتمام بطلبات البيع الواردة بالبريد ... وربما تستطيع أن تقوم بمهام المضيفة في غرفة الاستقبال ، وتشرف على راحة زائري الكرم الذين يصلون بالحافلات السياحية ، ومتذوقي الشراب الذين يأتون مجموعات لمشاهدة معمل التقطير ."
    " بصراحة ." أكمل المدير حديثه :" لقد فقدت الأمل حتى أن يرد أحد على الاعلان . ولكن ، على الأقل ، لاشك أن أحداً قد قرأه وان هناك استثناء للقاعدة . إن بنات المزارعين في هذه المنطقة ينزحن إلى المدينة للعمل هناك ، بمجرد أن يحصلن على الشهادة الثانوية . وأي فتاة تأتي من خارج المنطقة ، لا تستطيع أن تتحمل العزلة في هذا المكان لوقت طويل ، ولا أحد يستطيع إلقاء اللوم عليهن ، وكما أرى ..."
    أضاف فيك وعيناه شبه مغمضتين من وهج الشمس وهما ترمقان وجهها الشاحب :" ... أنت لست فتاة محلية ."
    أدركت سارة في تفكيرها المضطرب أن مغزى حقيبة السفر التي تحملها لم يفته ، وتمنت أن لا يقرأ اسمها الحقيقي المكتوب على ملصق الخطوط الجوية النيوزلندية .
    تأكدت سارة من أن فيك لم يقرأ اسمها على الملصق عندما أضاف قائلاً :" اخبريني ، منذ متى ، أنت تقيمين في هذه البقعة من العالم ؟"
    احترسي ، لا تدعيه يعرف انك وصلت لتوك إلى نيوزلندا ، قالت سارة في نفسها وأجابته :" لم يمض علي وقت طويل ."
    " تماماً كما ظننت !" شعرت سارة بالاضطراب تحت تأثير نظراته المتفحصة ، ونقلت ثقل جسمها من على قدم إلى الأخرى ." إذاً أنت لم تأتي لأنك قرأت الاعلان ؟"
    " لا، لم أقرأ الاعلان ." أدركت سارة أن هذا الرجل لا تفوته ملاحظة أي شيء ، خاصة إذا كان هذا الشيء سراً تحاول اخفاءه عنه . صوته الهاديء والممغوط خدعها في البداية .
    " أنت من انكلترا ، أليس كذلك ؟" سألها فيك .
    ما الفائدة من محاولة إخفاء الحقيقة ." لقد وصلت إلى نيوزلندا ، هذا الصباح !" علت صوتها نبرة التحدي ، ولكنها ، مرة ثانية ، لم تستطع تفادي نظرته التهكمية !
    " لماذا تسأل ، هل هناك من فرق؟"
    " ليس بالنسبة لي ." ظهر على شفتيه شبه ابتسامة ." لمن ، هذا مايبدو عليك !"
    " ماذا تعني بذلك ." رمقته بنظرة استياء على ابتسامته الساخرة .
    " نحن هنا لا نلتقي كثيراً من الفتيات على شاكلتك ، هذه البشرة العسلية بلون الكريمة ..." لمرة الأولى أظهر الاهتمام بها كامرأة .
    " أنا ؟" قالت وهي غير مصدقة ما تسمع . ووعت العرق اللزج الذي كان ينضح منها ، ولابسها المتسخة بالغبار ، وشعرها الأشعث المبعثر في كل الاتجاهات بفعل الهواء الذي لفحها من نافذة الحافلة التي أقلتها . وبرغم كل هذا ، بدا على فيك انه كان يعني ما قال . انه مديح بسيط ! ولكن لماذا أربكها وأفقدها صوابها؟ شعرت باحمرار خديها ، لسبب ما ، لم تفهم كيف استطاع هذا الغريب أن يؤثر في عواطفها بهذا الشكل .
    " كيف اهتديت إلى الطريق إلى هنا ." سألها فيك وشعرت سارة بالراحة ، لأن سؤاله ليس له علاقة بسبب قدومها إلى الكرم . وتستطيع الاجابة عليه :" بصراحة ، أقلتني حافلة سياحية من أوكلاند وكانت الرحلة ممتعة حقاً ، عبر هذه الغابات."
    قست تعابير وجهه فجأة وقال :" انها ممتعة حقاً ، طالما لاتوقفين السيارات ... أوتوستوب ... لنقلك من مكان إلى آخر عبر هذه المناطق ، أنا لا أنصحك بذلك."
    شعرت سارة بشيء من الانزعاج ، يا للسماء ، مَنْ يعتبر هذا الرجل نفسه؟ كي يقول لها ماذا عليها أن تفعل أو لاتفعل ، وهو ما يكاد يعرفها ؟
    قالت بلهجة جافة :"أنا أستطيع الاهتمام بنفسي ."
    عادت إلى التفكير في مشكلتها ، بعد دقيقة . وتذكرت قسوة تعابير وجهه، عندما ظن انها سارة الأخرى . بان القلق عليها وهي تلف خصلة من شعرها حول اصبعها مرة بعد أخرى . انه يحتاج إلى يد عاملة في الكرم ، لا شك في ذلك . ولكنه لا يريد سارة سميث في صن فالي ، تماماً مثلما لا تريدها مدبرة المنزل .

    " في المواسم السابقة ، آتاني العديد من الشبان والفتيات الغريبي الأطوار ..." بدأ فيك الحديث ثانية :" ... من انكلترا ، من أوروبا ، من كل مكان ، معظمهم كان جوالاً ، ينتقل من منطقة إلى أخرى ، ويقوم بمختلف الأعمال المؤقتة ، في توضيب فاكهة الكيوي ، أو قطف العنب في الكروم ، أو فرز التفاح والدراقن في البساتين . أكثريتهم تلاميذ يقومون برحلة سياحية وفي الوقت نفسه يغطون مصاريف سفرهم بالعمل هنا وهناك . أعتقد انك واحدة من هؤلاء ؟ هل أنت هنا لقضاء عطلة ، وتغطين مصاريفك من العمل في الكرم ؟"
    هل تسعين للعمل في الكرم ؟ حسناً ، يبدو هذا منطقياً ، قالت سارة في نفسها ، وأجابت وهي لا تجد حاجة لاخفاء لهفتها :" نعم ، أنا ابحث عن عمل مؤقت ."
    كانت أفكارها الحائرة تتدافع مع بعضها البعض في الوقت نفسه . لقد عرض عليها وسيلة للخروج من المأزق الحالي . ولديها الآن فرصة للبقاء هنا وتحقيق أمنيتها في أن تعيش الحياة اليومية للكرم . هل تستطيع متابعة الخداع ؟ ماذا تفعل لو ... اكتشف أمرها مثلاً ؟ فكرت سارة ، لو لم يكن المدير جذاباً لهذا الحد ، ولو لم تضطر إلى خداعه . شعرت فجأة بالمغص في معدتها كيف ستكون ردة فعله عندما يكتشف انها كاذبة مخادعة ؟ أسوأ ما في الأمر أن يظن انها تسللت إلى صن فالي باسم مستعار كي تراقبه وتتأكد من مدى إخلاصه والتزامه بالعمل ، في أملاكها البعيدة .
    لن يطول هذا الموقف أكثر من فصل الصيف ، همس صوت الاغراء في رأسها ، ثم أعود إلى انكلترا ولن يعرف أحد من هنا ، السر أبداً .
    وأنا لن أراه ثانية ... لماذا اتتها هذه الفكرة الآن ؟ لامت نفسها على ذلك ، انها بالتأكيد تعاني من حرارة الشمس غير المعتادة عليها !
    " اخبريني ." قطعت نبرته الهادئة عليها تأملاتها الحائرة :" هل لديك النية في الانتقال إلى مكان آخر في خلال أسبوع أو اثنين ؟"
    هزت رأسها نافية :" لم أنوِ على أي شيء من هذا القبيل ." لو يعرف الحقيقة !
    " لا أستطيع تقييمك تماماً . يا سارة ." حركت سارة جسمها بشيء من عدم الارتياح تحت تأثير نظراته الحادة ." كما قلت سابقاً ، العاملات المحليات وصلن وسنبدأ القطاف غداً ، ومازلت أحتاج إلى عاملة أخرى لهذا الموسم ." القى عليها واحدة من نظراته التي تنم عن الارتياب والتي بدأت سارة تمقتها ." هل لديك أية فكرة عن العمل الذي أنت بصدده؟ وعن ساعات العمل الطويلة التي تكسر الظهر تحت أشعة الشمس المحرقة ؟ لا يبدو لي انك لائقة بدنياً ، هل أنا على حق ؟" ومال نظره إلى كاحليها العاريين اللذين لا يمكن تمييزهما ، لشدة بياضهما ، عن الصندل الأبيض الذي تنتعله .
    شعرت سارة بتورد خديها من جراء تفحصه لها ." أنا قوية بما فيه الكفاية ." أكدت له :" وبصراحة ، سأدهشك !"
    تعليقه الوحيد على كلامها كان رفع حاجبيه :" هل اشتغلت من قبل في الأماكن الخارجية الطلقة ؟"
    " لا ." اعترفت سارة :" اني معتادة على العمل المكتبي ، لقد اشتغلت لعدة سنوات ."
    " أهذا كل شيء ؟" نبرته المطاطة لم تنم عن شيء ، وشعرت سارة بالهلع من أن يرفض إعطاءها العمل ." هل عندك أية خبرة أخرى ؟" نبرته الباردة الخالية من أي انفعال أثارت فيها ، فجأة روح التمرد . طبعت على وجهها أجمل ابتساماتها أو ما استطاعت ، تحت هذه الظروف ، وتركت كل شيء للقدر ." أنا أعزف على الغيتار وأستطيع الغناء قليلاً."
    قالت برعونة وهي تشعر أن هناك سبباً وجيهاً لتصرفها .
    " أتستطيعين ذلك فعلاً؟" ولدهشتها لاحظت الاهتمام المفاجئ الذي لاح عليه .
    " لا أستطيع الادعاء بأني محترفة ." قالت سارة :" ولكني كنت أعزف لأصدقائي في حفلات المكتب وفي مناسبات مشابهة ."
    "رائع ." امتلأت عيناه الداكنتان بالاهتمام ." اخبريني ، أي نوع من الموسيقى تعزفين ؟"


    هزت سارة رأسها بخفة ." تقريباً كل مايطلبه المستمعون ، الموسيقى الريفية ، الأغاني ، الفولكلور ، أو أي شيء يجعل الخصر يتمايل ."
    " هذا عظيم ." وقد بدا الاهتمام على وجهه .
    اعترى سارة شيء من الحيرة وسألت :" ولكنني لا أرى اي علاقة ..."
    " أنظري إلى هناك ." طلب منها فيك.
    " أين؟" تابعت بنظرها في الاتجاه الذي أشار إليه فيك بيده ، ورأت انه يشير إلى بيت زجاجي مجاور للمنزل الكبير.
    " ان ذلك ليس بيتاً زجاجياً فقط ، انه يضم غرفة استقبال وغرفة اجتماعات تتسع لمئتي شخص . صانعو الشراب يأتون للاجتماع هنا ، والزائرون الذين تحملهم الحافلات السياحية إلى هنا ، يحضرون كي يشربوا ويأكلوا المشاوي في الهواء الطلق المنعش."
    حاولت سارة التركيز ومتابعة حديثه ." صدقيني إذا قلت لك إن اقناع فنانين بالجيء إلى هنا ، من أجل إقامة حفلة واحدة ، خاصة إذا لم نطلب منهم ذلك قبل وقت ، أصعب من اقناع الشيطان بالإيمان ." قال فيك وهو ممتلئ فرحاً :" أنت الشخص المناسب الذي كنت أبحث عنه ."
    " يا إلهي!" وضعت سارة يدها على فمها :" لم أجلب غيتاري معي من انكلترا."
    " لايهم ." لوح بيده البرونزية في الهواء دلالة على عدم أهمية هذا العائق ." لن يتسبب ذلك بأي مشكلة . المهم الآن هو ، إذا أردت هذا العمل ، فهو لك ." قال فيك بحماس :" يمكنك الاقامة في الكوخ القديم الواقع على طرف الكرم . لقد حافظنا على صلاحيته للسكن بشكل جيد ، وهو مريح ، أيضاً . أنا أدفع أكثر بقليل من الأجور المتعارف عليها أيام العطل ، نستطيع الاتفاق عليها بما يناسبك ويناسبني ، ولكن كل شيء يتوقف على الطقس ، وسنقوم بذلك خطوة خطوة ... أليس كذلك ؟ لا تنسي بأن تتصلي بي عندما تواجهين أي متاعب . وأنا سأهتم بها ." وفكرت سارة ، مرة أخرى ، في أن لابتسامته الغامضة سحراً خاصاً. قال لها فيك :ط هل نذهب الآن؟"
    لم تصدق سارة حسن حظها ." ولِمَ لا ؟" أجابته.
    " رائع ، هيا بنا !" أخذ يدها في قبضته المتينة وشعرت سارة بارتفاع سرعة نبضها ." في المناسبة إن اسمي هو جورافيتش ، ولكنك تستطيعن مناداتي باسمي الأول ، فيك ."
    جورافيتش ؟ انه اسم عائلة ستيفن أيضاً ، وفقدت سارة الإحساس بيدها الممسكة بيده ، هل دنت ساعة الحقيقة ؟ لا شك في انه قريب الرجل الراحل ومن المحتمل أن يكون الوريث الشرعي للكرم.
    " هل أنت بخير يا سارة ؟" ولاحظت من نظرته انه يتفحص وجهها باهتمام ." لقد شحب لونك فجأة ، هل أنت مريضة ؟"
    " لا، لا شيء." أزاحت خصلة الشعر التي انسدلت على جبينها في محاولة لأبعاد الغشاوة التي هددت باحتواء كل مشاعرها ." أنا على ما يرام ." قالت وهي تتصنع البسمة :" قد يكون هذا من تأثير الحرارة ."
    " انها غلطتي ..." امتلأت عيناه بنظرة أسف ." ... لأنني تحدثت إليك طول الوقت تحت أشعة الشمس المحرقة ، تعالي إلى الداخل وسأجلب لك شيئاً بارداً تحتسينه بينما أنا أضعك في صورة الحياة اليومية لصن فالي ... أعني بذلك الحياة العملية ."
    وقف فيك وراءها ، غير شاعر بانفعالاتها ، فيما كانت تدخل المنزل ، عبر الباب الفرنسي الطراز وتتجه إلى الغرفة المجاورة له . لقد فات الآوان على الاعتراف بالحقيقة.
    عليها الالتزام بكذبتها في الوقت الحاضر . وكل ما يمكنها فعله الآن هو أن تسبح مع هذا التيار وتأمل الخير .
    جهدت سارة كي تستجمع قوة دهائها وقالت :" أنت المشرف على كل شيء هنا ، بالتأكيد ..."
    قالت سارة في نفسها هذا لايقدم ولايؤخر في شيء ، ولا يشكل أي فرق.


    ولكن بالنسبة لسارة ، هذا الفرق هو كل الفرق في هذا العالم . ان تلتقي شخصياً مدير الكرم ومعمل التقطير خلال عمله اليومي هو شيء ، وان تعمل إلى جانب فيك جورافيتش بجاذبيته وقوة شخصيته وسلطويته ، وهو شيء آخر تماماً.
    " اجلسي هنا." أشار فيك إلى أريكة مصنوعة من قصب الخيزران عليها عدد من الوسائد الملونة . وقال فيما كانت سارة تأخذ مقعدها :" سأطلب من كيت أن تحضر شيئاً لنأكله ، لاشك انك تتضورين جوعاً بعد رحلتك الطويلة !"
    غادر فيك الغرفة وعاد بعد دقائق قائلاً :" وماهو الشراب الذي تفضلين ، واين كولور ، أو عصير البرتقال أو الأناناس أو شراب الكرز ؟"
    " واين كولور ، لابأس به ." أجابت سارة.
    " كيت تشعر بالاحراج قليلاً ." اعتذر فيك من سارة :" ستنضم الينا بعد قليل ، وتريد مني أن أخبرك بانها عاملتك بسوء لأنها ظنت انك سارة الأخرى ، وكان ذلك سوء فهم منها ."
    قدم فيك لسارة كأساً من الكريستال ملأى بالشراب ، وشعرت عندما تناولته بالبرودة تجري في حلقها وبطعم المانغا اللذيذ.
    " هيا ، انتما ألاثنتان لم تتعرفا على بعضكما كما يجب ."
    قال فيك بشعور من الارتياح :" كيت ، هذه سارة سنكلير ، سارة ، هذه كيت ، سارة ستلتحق بالعمل عندنا لفترة من الوقت لتساعدنا في القطاف وفي مهام أخرى ."
    " مرحباً يا كيت ." ابتسامة سارة الودية أثرت في نفس مدبرة المنزل ، التي تمتمت عندما قدمت لها السندويش :" أنا آسفة على ... أنت تعرفين ... ماقلته ." استطاعت سارة بصعوبة أن تسمع كلمات كيت الهامسة :" لقد كان ذلك سوء فهم وغلطة مني ... ولكن فيك أوضح لي الآن ..."
    " انسي هذه الحادثة ." قال سارة وقد شعرت بالارتياح لأن كيت برغم مزاجها السريع الغضب ، لا تحمل في نفسها أية ضغينة.
    وقف فيك بعدما تركت كيت الغرفة ، ونظر إلى سارة وقال :" حسناً يا سارة ، ستبدئين العمل غداً في السابعة صباحاً . وأنا احذرك أن حرارة الطقس ستكون مرتفعة جداً في الكرم . ويجب أن تكوني قوية لتحمل مشقة القطاف . ووجع الظهر والحشرات ... الخ !"
    أكملت سارة شرابها البارد واللذيذ . " لا مانع عندي بذلك ، لا أمانع في أي شيء طالما ذلك سيسمح لي بالبقاء هنا طول فترة الصيف ..." توقفت عن الكلام وشعرت بالارتباك ، وخافت أن تخونها التعابير وتفضح ما في نفسها .
    استجمعت أفكارها وأضافت :" إذاً أنت تدير شؤون الكرم لحسابك ؟"
    حدق فيك في كأسه الفارغ وأجاب :ط في الوقت الحاضر ، نعم ، هذا ما أفعله ، ولكنه ترتيب مؤقت ." وقبل أن تتمكن سارة من سؤاله عن أشياء أخرى ، أضاف فيك :" من أية منطقة من انكلترا أنت أتيت ؟ لم أستطع تمييز لهجة معينة."
    " هذا ، لأني اتيت من لندن ." لقد قالت الحقيقة تقريباً ، فهي أقامت هناك فترة من الزمن :" هل زرت لندن من قبل ؟"
    " لا، ولكن ستيفن فعل ذلك عندما قام برحلة إلى أوروبا كي يتعلم الوسائل الحديثة لصناعة الشراب من الكروم الموجودة هناك ."
    " ستيفن ؟" أمسكت سارة بتنفسها .
    قال لها بلطف :" إنه المالك الراحل لصن فالي ، كنا شركاء."
    جنت أفكار سارة ، هذا هو الوقت المناسب للاعتراف بحقيقة قدومها إلى صن فالي . ولكن إذا فعلت ، ستفوت عليها الفرصة الفريدة التي رمى بها القدر في أحضانها لتبقى هنا وتصبح جزءاً من هذا العالم.
    بدا أن افكار فيك كانت على موجة أفكارها نفسها عندما قال بنبرته الهادئة والعملية :" يبدو لي انك سعيدة جداً بأن تعملي في موسم القطاف ؟" انه يتحول فجأة غلى رئيس عمل ." يجب ان تعتمري قبعة لكي تتفادي ضربة الشمس وحروق الرقبة ." تراخت نبراته الخالية من الانفعال
    لبرهة وقال:" من الأفضل أن تحمي جلدك الناعم بأي وسيلة ، بما فيها استعمال الكريم الواقي من أشعة الشمس ." القى عليها نظرة آمرة وسأل :" هل عندك شيءٌ من هذا الكريم ؟ وهل ستفعلين ما أقول ؟"
    أومأت برأسها إيجاباً ، وكانت تعني ، نعم انها تحتفظ بالكريم الواقي داخل حقيبتها ولكن لايعني هذا انها ستستعمله في حضور كل العاملات اللواتي تعودن على شظف العيش!
    " هل من شيء آخر ؟" رفعت سارة عينيها والتقت بعينيه ، ووجدت نفسها مرة أخرى ، انها أسيرة هذه النظرات . ولثوان قليلة لم يبق من كل العالم الذي حولها إلا هذا الغريب القوي الشكيمة والمؤثر . وقاومت هذا السحر بجهد وسمعت نفسها تقول :" ماذا يجب أن أفعل ؟ أنا معتادة على العمل المكتبي ، وقد ذكرت شيئاً عن الطلبات التي ترد بالبريد ... الأعمال المختلفة ."
    " مازال الوقت مبكراً على ذلك . وهناك الكثير من الأعمال المختلفة في الوقت الحاضر . هل تريدين أن تبدئي في المخزن؟ هل لديك أية خبرة في البيع ؟"
    " لا ، ولكني أستطيع ذلك."
    " العمل ليس صعباً أو معقداً في المخزن ، فمعظم الطلبات ترد الينا بالبريد ، ولكني احتاج إليك في مخزن بيع المفرق ، خاصة عندما تصل رحلات السياح أو مجموعات متذوقي الشراب . قد يكون بينهم زبون متعب دائماً ، يعتقد أن الرحلة أن الرحلة الصعبة إلى صن فالي لا يساويها إلا الشراب الجيد ." ظهر الفخر على وجهه ثانية . سارة فكرت أنه لا بد أن يكون عند فيك سبب وجيه للافتخار بانتاجه.

    الفصل الثالث


    " حسناً يا سارة, هذا كل مافي الأمر." ووقفت سارة عندما لاحظت ان المقابلة قد انتهت.
    " اذاً لم يكن لديك مانع." عرض عليها فيك:" سآخدك في جولة للتعرف على المكان ولتشاهدي الكوخ الذي ستقيمين فيه. مهلاً,دعيني أحمل هذه عنك!" تقدم فيك من حقيبة سفرها الموضوعة على أرض الغرفة, بينهما . انحنت سارة إلى الحقيبة وبلمح البرق , واقتلعت عنها الملصق الذي كتب عليه اسمها الحقيقي , بأصابع مرتجفة.
    " إني أحتاج إلى منديل."بررت سارة حركتها.
    توقفت سارة فجأة بينما كان ينزلا الدرج, عندما أخترق السكون صدى اطلاق نار متتابع "اسمع." استدارت نحو فيك وقد اتسعت عيناها ." انهم يطلقون النار قريباً من هنا!"
    ضحك فيك وقال:" لاتقلقي, هذه الأصوات ليست صوت اطلاق نار , انها تأتي من آلة الفزاعة.انها تطلق هذه الأصوات على مراحل زمنية , كي تفزع الطيور وتبعدها عن العناقيد . ولكنها تألف هذه الأصوات بعد حين ولاتعود تؤثر فيها. ولهذا وضعنا فوق العرائش , هذه السنة , شباك تغطيها .لقد آن أوان القطاف ولانريد ان تتلف هذه الطيور جزءاً من المحصول."
    قاد فيك سارة , عندما وصلا إلى الطابق الأرضي نزولاً عدة درجات الى القبو وفتح لها بابه الخشبي .بخلاف جو الخارج المعرض لأشعة الشمس الساطعة وحرارتها, وبدا بارداً ورطباً. وكان مليئاً بالخوابي الخشبية والمعدنية.
    " بعد القطاف, نضع العنب في خواب صغيرة من الفضة كي نعصره.لقد فات الزمن على استعمال خوابي الفولاذ الذي لايصدأ."
    قال فيك وهما يسيران بين الصاديق المعبأة بزجاجات الشراب." الشراب الأحمر يحتاج إلى وقت كي يصبح صالحاً للشرب, سنة القطاف سنتان للتخمير وثلاث للتعتيق."
    خرجا بعد فترة, من القبو ومشيا تحت أشعة الشمس, نزولاً على المنحدر الذي يقود إلى العرائش في اسفل الوادي.
    "شيد القبو الذي شاهدته تحت المنزل, على طريقة المدرسة الأوروبية." قال فيك وقد دب الحماس فيه:" وأنا مقتنع بذلك تمام الاقتناع ! فمنتج الشراب الجيد يقيم دائماً فوق معمل التقطير ويشرف من هناك على كل شاردة وواردة , زراعة العرائش , قطاف العنب , ملصقات القوارير والتسويق وهذا بالطبع يأخذ كل وقته ويصيبه بالإرهاق, ولكن هذا لايهم! إذا كان ذلك يعني , ان كرمك هو محور حياتك كلها , وهذا ما أعيش أنا من أجله."
    كانت نبراته العميقة تنم عن الولع الشديد بمهنته, واعترى سارة شعور بأنه قد نسى وجودها معه تماماً, ولكنها عادت وأعارت انتباهها لما كان يقول:" الرجل الذي زرع هذا الكرم, اتى من دالماسيا, قليل المال, كثير الطموح.بدأ حياته الجديدة في نيوزيلندا بالعيش في خيمة, يجمع الصمغ الكاوري من الأرض إلى الشمال من هنا, ولما تحقق حلمه بشراء قطعة الأرض هذه, استورد شتلات كرمة من بلاده وزرعها هنا. وكان قد صمم

    حينذاك على ألاّ يكون كرمه عادياً وتجارياً. أكمل شريكي , الطريق وحافظ على هذه التقاليد, وقد علمت معه وقتاً طويلاً وكافياً كي استوعب معظم أفكاره وأساليبه.لقد أراد أن تصبح كروم صن فالي متخصصة في الأنواع الممتازة من العنب." توقف فيك لحظة عن الكلام ليمتع عينيه بمنظر الكرم المترامي في الأسفل ثم تابع:" إن انتاج أصناف كثيرة ومتنوعة, يربك مخططات المنتج وطموحاته ويلهيه عن النوعية والجودة بشكل عام, وأنا أُفضل أن أُنتج صنفاً واحداً ممتازاً , على أن أنتج عشرة أصناف من النوع القليل الجودة." ان فيك ملتزما نهائياً بالعيش والعمل في الكرم , فكرت سارة بأستياء وأصبح من الصعب عليها الاستمرار في الاصغاء إلى ما يقول. من الزراعة إلى القطاف ومن التعبئة الى التسويق.
    " ان مهنة صناعة الشراب لم تكن عملاً تجارياً قط, بالنسبة لي, بل كانت اسلوب حياة جديرة بالعيش."
    اسلوب حياة ! جهدت سارة كي تبعد عنها الشعور بالذنب وعدم الارتياح اللذين اثارتهما كلماته.أشارت إلى شتلات الورد المزروعة في نهاية كل صف من العرائش وقالت:" اخبرني , هل شتلات الورد هي عادة أوروبية أيضاً؟"
    نظر فيك إلى حيث أشارت وقال :" نعم لقد خمنت , لاروز هي بالفعل كلمة من اللغة الفرنسية القديمة, وبالنسبة لي , الوردة هي علامة الكمال!"
    "حقاً ؟"رمقته ضاحكة."لم أكن أعتقد أنك رومانسي إلى هذا الحد كي تزرع الورد بين العرائش....."
    " إنها عملية." نبرته الباردة جمدتها." إذا تعرضت العرائش للاصابة بأي مرض.فذلك يظهر على شتلات الورد اولاً."
    "أوه!" شعرت بالارتياح لانضمام الكلب السلوقي الأسود إليهما. انحنى فيك وربت على رأسه ثم قال لسارة "نسميه سام." ثم اتجها نحو العرائش الواقعة في أسفل المنحدر. تمتمت سارة وهي تقطع الصمت الذي خيم بينهما :"يبدو لي أنها زرعت بطريقة هندسية جيدة, كل هذه الصفوف من العرائش المتسلقة المنحدرات حتى أعلى التل."
    أوضح فيك :"لقد مددنا الصفوف من الشمال إلى الجنوب كي تتعرض العرائش لأكبر قدر من أشعة الشمس."
    أدارت بنظرها إلى الوراء وأشارت إلى المباني الواقعة قرب المنزل:" هل تصنعون الشراب وتخزنوها هناك؟"
    "هذه ليست من تقاليد صن فالي. عندما شيد ستيفن المنزل الكبير , كان ينوي أن يتبع الاسلوب التقليدي لصانع الشراب, أن يعيش فوق المصنع


    ويراقب كل شيء عن كثب فيما يتعلق بالعمل , وفيما يتعلق بالعائلة أيضاً." شعرت سارة بأسوداد عينيه فجأة :"للأسف لم تتحق هذه الأمنيات لستيفن , كما تحققت لجده الذي بدأ كل شيء , فهذا الرجل العتيق استطاع أن يروض طبيعة البراري, اقتلع النباتات البرية , وزرع أشجار الماكروكارب, كي تشكل حاجزاً في وجه الرياح, هل تعرفين , يا سارة؟ أن اسلوب الحياة العائلي كان السبب في نجاحه, لقد اشتغل الرجل العتيق وعائلته في الأرض من دون توقف معظم حياتهم وانتصروا في النهاية " رمقته سارة في تعجب وتساءلت:" هل تعني بذلك ان زوجته وأولاده اشتغلوا معه, طيلة حياتهم ؟"
    "لِمَ لا." أغاظتها نبرته الهادئة.
    اصطنعت التأسف وقالت:"لايبدو لي ان زوجته قد تمتعت..."
    " ولكنها كانت متفقة معه ولم تكن تتمنى أكثر من أن تعمل وزوجها جنباً إلى جنب, وفيما بعد عمل الأولاد إلى جانبها.هذا ما أرداته بالفعل!"
    " اراهن انه لم يصارح الفتاة التي كان ينوي أن يتزوجها."
    عارضت سارة :" بأنها ستعيش معه اسلوب حياة كهذه وانها ستعمل من دون توقف إلى الأبد."
    رأت سارة السخرية التي ارتسمت في عينيه الداكنتين." ولماذا يصارحها؟ لقد كان يعرف أن لاشيء سيمتعها مثل هذا الاسلوب من الحياة الى جانب القناعة التي تستمر معها طول الحياة , حتى في يومنا هذا...."
    "في يومنا هذا ." أوه , لقد أثار غضبها! هل أن الصدمة التي تلقتها اليوم بالاضافة إلى الإحباط الذي تعاني منه هما سبب إثارة حنقها؟ انه يتهكم عليها, وهي متأكدة من ذلك, فلم يكن عليها إلا ملاحظة بريق عينيه.ثم أضافت: " إنك لن تجد , أبداً فتاة ترضى بذلك , إلى الأبد؟"
    "لا أستطيع الموافقة معك." قال فيك بنبرته الممغوطة:"ان اثنين يحبان بعضهما البعض ويريدان العمل معاً..."
    لم تسمح سارة لنفسها بالنظر إلى عينيه الساخرتين."أنت لن تعثر أبداً على مثل هذه الفتاة التي تتكلم عنها بحماس.أي فتاة تقبل أن تكون على هذه الصورة تكون ساذجة وبسيطة , تفكيرها يرجع إلى العصر الفيكتوري, لا تعشق في هذه الدنيا إلا العمل. تفعل كل مايُطلب منها وتعمل ليلاً نهاراً كي ترضي زوجها؟" وأضافت وقد أحست بروح الانتقام :" كل هذا من دون أجر أيضاً!"
    "ماذ تعني الأجور..." رفع فيك حاجبيه.".... عندما تكونين شريكة في هذا الاسلوب الرائع للحياة , وحيث توزع المتع والأسهم والأرباح سواسية؟"

    قالت سارة وهي تشعر بالتشاؤم :" إذا كان هناك من متع وأرباح ! لماذا تدافع بكل هذه القوة عن هذه الفتاة الغامضة المفترضة , على أي حال؟ لاتقل لي إنك قد عثرت على مثل هذه الفتاة ؟"
    لمعت عيناه وبان عليه تفكير عميق ثم أجاب :" أنا أعمل لأجل ذلك." رمقته سارة بنظرة وهي غير مصدقة ماتسمع."يقولون في البلاد المنتجة للشراب الواقعة على البحر الأدرياتيكي.... إذا أردت بلوغ الكمال فيما يتعلق بالشراب, فكل شيء تعمله , يجب أن تعمله بالحب."
    رمقته بارتياب , ولكن ملامحه الساحرة لم تنم عن شيء ومن دون مقدمات , خطر في بالها احتمال, لو لم يتدخل القدر, هل كانت شقيقتها كاتي أتت إلى نيوزيلندا وتزوجت ستيفن واقتنعت بالعمل إلى جانبه في الكرم؟ لقد كانت مغرمة به حتى الموت . ولم تتجرأ سارة على افتراض الجواب.
    "هذا صحيح." شيء ما في لهجة فيك الخافتة كان يزعجها بشكل غريب ولم تعرف ماهو أسرعت بتغيير الموضوع ." هيا ننزل إلى الوداي وتلقي نظرة على العرائش , هل من مانع؟"
    "لا , هيا بنا." نزلا المنحدر العشبي ركضاً, وتوقفا عندما وصلا إلى أول العرائش التي تفصل بينها ممرات عشبية وحيث كان عدد من الطيور يرفرف فوق الشباك التي تغطي العرائش كانت درجة الحرارة مرتفعة جداً بين العرائش وشعرت سارة أن خصلاً من شعرها التصقت بجبينها بفعل العرق . ورأت العناقيد الأرجوانية المتدلية فوق بعضها . ونسيت كل شيء للحظات حتى وجود فيك معها من جراء تمتعها بهذه الأجواء.
    "سترين الكثير منها غداً." قال لها فيك:"دعينا نذهب الآن إلى المبنى الزجاجي."
    قادها فيك إلى غرفة الاستقبال الطويلة , عندما دخلا المبنى الزجاجي . ورأت ان في جدرانها صفاً من النوافذ تدلت عليها عناقيد العرائش المزروعة حول المبنى والمتسلقة سقفه . كما رأت عدداً من الطاولات الصغيرة بجانب الجدران وحولها عدد آخر من الكراسي .كما رأت مقصفا متكاملاً في نهاية الغرفة.
    "لنذهب الآن إلى المكتب .انه مكتب تقليدي وعملي."
    اخبرها فيك عندما خرجا من غرفة الاستقبال .ألقت سارة , في المكتب , نظرة سريعة على ما حولها ورأت طاولة مكتب مهترئة , وأكواماً من دفاتر المحاسبة وطلبات البيع وملفات مراسلات تراكمت عليها , ووجدت أيضاً آلة كاتبة وخزانة للملفات عن تقديم الجوائز لصناعة الشراب. وإلى جانبها شهادات مؤطرة , ولاحظت ان احدى هذه الشهادات قد أعطيت


    مؤخراً, وفيما تشهد أن شراب صن فالي الأحمر أصبح على رأس لائحة المنتجات المصدرة من نيوزيلندا في هذه السنة.
    وإلى جانب كل هذا رأت عدداً من العلب والصناديق الفارغة متناثرة فوق أرض الغرفة.
    مرة أخرى , قطعت عليها , نبرة فيك المطاطة , أفكارها:" هل تجدين هذه الآلة الكاتبة ملائمة لك؟"
    " أوه , نعم , لابأس بها." كانت سارة تفكر في سرها أن نوافذ المكتب بحاجة إلى النتظيف , والأوراق المتناثرة على طاولة المكتب بحاجة إلى توضيب وتنسيق كي يسهل عليها العمل.
    "هذا كل شيء ."قال فيك :" لنذهب الآن إلى الكوخ."
    تسارعت خطوات سارة عندما اقتربا من المبنى الحجري الصغير , ورأت أن مدخله حجب بالكامل عن النظر ببعض الأغصان المتشابكة . وسطحه كان مغطى بعريشة كبيرة , فيما القت نبتة البوغنفيلا بأزهارها الأرجوانية على الفراندا.
    " يبني سكان جزر البحر الأدرياتيكي , تقليدياً , منازلهم من الحجر أو القرميد." لمحت سارة أسنان فيك البيضاء القوية حين تكلم :"ومن أمثال أهل هذه الجزر.... نحن اليوغسلاف عندما نبني شيئاً , فنحن نبنيه جيداً!"
    " وأنت؟" ولأن الجواب على ماسوف تسأله يعني لها الكثير , وجدت سارة صعوبة في ابقاء نبرتها هادئة وغير منفعلة :" هل أتيت من تلك البلاد , أيضاً؟"
    "هذا ليس بالأمر الذي يمكن تحديده," قال بنبرة فاترة:"أنا أعرف أنه أصلي البعيد, أعني بُعد القرابة."
    "كم هو ... بعيد؟" أتت كلماتها من حلق جاف ولكنه لم يلاحظ تهدج صوتها.
    هز كتفيه دلالة على الاستخاف ." ستيفن كان الحفيد المباشر للمالك الأصلي للكرم. أما أنا فقد كنت قريباً بعيداً لأخيه, الذي أتى إلى نيوزيلندا قديماً وقام بزراعة كرمه الخاص!" ضحك فيك :"أعتقد اني ورثت فقط الاسم وغريزة حب صناعة الشراب . ايفان العتيق نجح في صناعة الشراب في النهاية ." رمق سارة بنظرة تحدٍ.:"عندما أحسن الفعل , وتزوج فتاة انكليزية, وصلت لتوها إلى نيوزيلندا على متن سفينة... هل أسبب لك الضجر"
    "لا , لا , أبداً , فهذا يختلف عن كل شيء عرفته , انه بالنسبة لي عالم جديد تماماً." لم تستطع سارة أن تدع نظرها يتلاقى مع نظراته وشعرت
    بالاحمرار يغطي وجنتيها .ما هذا الشيء الغريب الذي يربكها في هذا الرجل؟ ان أقصر تعليق منه يربك صوابها ." ماذا كنت تقول...؟" وشكرت ربها لأن صوتها عاد إلى طبيعته.
    " عن الفتاة الانكليزية؟" هذه المرة استطاعت تفادي نظرته الساخرة ." لو سمحت لي بالقول ." نبرته المطاطة حولت شعورها من الارتباك إلى الانزعاج ." لقد كان سعيد الحظ بالعثور عليها قبل أن يحظى بها أحد شبان المدينة . كان يحتاج بشده إلى زوجة تساعده في الكرم وفي تلك الأيام كانت الفتيات العازبات اندر من أسنان دجاجة."
    رمقته سارة بنظرة استياء وقالت:" لو أن الفتيات عرفن ماسيكون مصيرهن هنا لكُنَّ حتى هذا الوقت الحاضر , اندر من أسنان دجاجة .لم يترك هذا العتيق ايفان.... كما تسميه.... لهذه الفتاة فرصة للتعرف على رجل آخر والاختيار." وقبل أن يتمكن من متابعة سخريته منها ومن أفكارها , قالت:"دعنا ندخال الكوخ, هيا؟ لا أستطيع الانتظار أكثر ,كي أرى أين سأقيم."
    " لِمَ لا؟" فتح الباب لها ودخلا . حاولت سارة في بادئ الأمر تدقيق نظرها ليتكيف مع ضوء الكوخ الخافت، و ولكن فيك عبر الغرفة في لحظة ورفع الستائر عن النوافذ وفتحها ليسمح للنسيم المعطر برائحة الزهور بالدخول إلى الغرفة .
    " إنه مكان جميل ." تمتمت سارة وهي تنظر إلى أعمدة السقف وإلى الجدران المطلية بالجص الأبيض, رأت في الغرفة أريكة بالية وخزانة مليئة بالأواني الخزفية وطاولة طعام وكراسي.
    " المطبخ من هنا" جرها فيك من يدها خلف ستارة فاصلة, ورأت لدهشتها مطبخاً نظيفاً جداً , مجهزاً بالأدوات الكهربائية بما فيها الثلاجة.
    فتح فيك احدى الخزائن ورأت سارة على الرفوف الشاي والسكر والحليب المجفف والبسكويت والقهوة والعسل .
    " عندنا الكثير من المأكولات المثلجة في براد المنزل الكبير . أطلبي من كيت كل ماتحتاجين . فهي معتادة على خدمة المقيمين هنا في موسم القطاف."
    دخلا إلى غرفة النوم عبر باب غرفة الجلوس . ووجدت سارة سريرين عليهما أغطية من الكروشيه وتلاعب الهواء بستائر النايلون عندما فتح فيك نوافد الغرفة, وإلى جانب الغرفة حمام مع رشاش الماء الساخن والماء البارد ومنافع, ورأت مالم تتوقع وجوده , غسالة ثياب أوتوما تيكية.

    قال فيك لسارة عندما عادا إلى غرفة الجلوس :" أعتقد ان كل ماتحتاجين إليه موجود في هذا الكوخ."
    استطاعت أخيراً , أن تظهر على وجهها ابتسامة خفيفة وأن تجيب بصراحة :" نعم أعتقد ذلك , هذا المكان مريح جداً."
    "حسناً , إلى اللقاء في السابعة صباحاً , لاتنسي الكريم الواقي من الشمس والقبعة... وكل شيء."
    " لن أنسى ." مرة أخرى ارتسمت على وجه سارة علامات التمرد ومرة أخرى كانت تعني بكلامها انها لن تنسى العمل والقطاق ولا يدخل ضمن ذلك بالتأكيد, استعمال الكريم الواقي.
    راقبت سارة باستياء , الرجل الطويل الذي كان يعبر الممر عائداً إلى المنزل والكلب السلوقي يسير خلفه .من بين جميع الرجال الذين قابلتهم وحاولوا التدخل في حياتها , كان هذا الرجل هو الأكثر وقاحة . من المفترض أن تطيعه في شؤون العمل وواجباته , فهو المشرف على العمل ورئيسها , ولكن كيف يتجرأ على اعطائها أوامر شخصية مثل وضع الكريم! بخلاف ذلك , فهي تريد اكتساب اللون البرونزي في أقصر وقت ممكن وهذا يعني التعرض لأشعة الشمس لأطول وقت, لا أن تلف جسمها بالملابس وتغطي بشرتها بالمساحيق الواقية, فهذان الشيئان هما في أسفل قائمة اهتماماتها. رفعت سارة ذقنها عفوياً، دلالة على التحدي وقالت في نفسها , غداً في الصباح ستوضح لفيك انها ليست بصدد اطاعة أوامره أو الأخذ بنصائحه.
    سمعت سارة قرعاً على الباب عند الأصيل في هذا اليوم الصيفي الطويل, ولما فتحته وجدت كيت واقفة بالباب وهي تحمل بعض المناشف .
    "تفضلي بالدخول!" قالت سارة وهي تنحني على جهاز المذياع لتخفف صوته .
    "سوف تحتاجين إلى المناشف ." تفادت كيت , تلاقي نظراتها مع نظرات سارة :سأضعها في الخزانة."
    "شكراً لك." ابتسمت سارة لها.
    " لم آت إليك بغية جلب المناشف فقط." تكلمت كيت وراسها لايزال داخل الخزانة , مما جعل صوتها , وكان أحداً يحاول اخماده:" أنا مازلت أشعر بالأسف لما بدر مني هذا الصباح , لقد أطلقت العنان لغضبي ! وأريد أن أوضح الأمر . وأن اخبرك ...."
    " لاعليك, أنسي ذلك." شعرت سارة بالارتياح لأن ضوء الغروب الخافت ساعدها في اخفاء تعابير وجهها :"لا يوجد داعٍ...."
    ولكن كيت رفضت أن تترك الموضوع ." نعم هناك داعٍ لذلك , لقد أخطأت الظن وعندما قلت إن اسمك هو سارة, وإنك أتيت من انكلترا . لقد ظننت انك سارة الأخرى." أحست ان لهجة كيت تغيرت دفعة واحده واصبحت أكثر حده وعدائية."لم أكن لأترك تلك الفتاة تتخطى عتبة الباب من دون أن أحذرها من الاسترسال في مخططها, ولم أكن لأدعها تحصل على مرادها , انها..."
    "عن إذنك ." قاطعتها سارة بيأس:" هل تريدين شرب القهوة؟"
    رفضت كيت العرض بحركة من يدها:"لا، شكراً ... حسناً , وكما كنت أقول , حدث كل هذا منذ زمن بعيد. ستيفن , ابن أختي , الذي يملك هذا الكرم , قرر في أحد الأيام أن يقوم برحلة إلى أوروبا, بعد أن أمضى سنين عديدة يعمل في صن فالي, كي يتعرف عن كثب إلى الوسائل الحديثة في زراعة العنب. وفي طريق عودته , بقى في لندن عدة أسابيع, تعرف خلالها بفتاة انكليزية....كان اسمها كاتي....وفي وقت قصير أعلنا خطبتهما." لاحظت سارة أن كيت أطبقت شفتيها حنقاً وهي تتابع :"أوه ،هذه الفتاة كانت تعرف تماماً ماتريد , عندما استطاعت اقناعه بالزواج منها بعد ثلاثة أسابيع من لقائهما."
    أرادت سارة الاعتراض على ماتقوله كيت, ولكنها امتنعت عن ذلك وجهدت لتركز أفكارها المضطربة على ما تقوله هذه المرأة بلا رحمة.
    "لقد غرق ستيفن من رأسه حتى اخمص قدميه في الحب,أو هو ظن ذلك. عندما رجع إلى صن فالي كان رأسه مليئا بمشاريع مستقبيلة . وقد صمم على أن يبني منزلاً جديداً ليكون جاهزاً للسكن عندما تصل كاتي إلى البلاد ويتزوجها , فقد كان لايتحدث إلا عنها." تغيرت نبرات صوتها الغاضبة فجأة وأصبحت ناعمة :" لقد كانت صدمة قاسية عليه عندما علم انها قتلت في حادثة تصادم وهي في طريقها إلى المطار."
    لم تستطع سارة العثور على الكلام المناسب كي ترد به على كيت. ولكنها لم تهتم لذلك , لأن كيت تابعت سرد قصتها بعينين مليئيتن بالقسوة والتحامل:"على أي حال , كانت لكاتي التي تكلمت عنها شقيقة صغرى تدعى سارة, وأنا أحتفظ في مكان ما هنا بصورة لها مع شقيقتها كاتي وستيفن.إنها فتاة نحيلة القد, شعرها مجدل خلف رأسها مثل ذيل الحصان.لقد حشرت نفسها في الصورة بينهما. ويبدو, من الصورة , أن هذه الصغيرة ماكرة جداً, لقد كانت دائماً تتملقه..."
    " ماذا تعنين بقولك؟" قاطعت سارة وقد أصابتها الحيرة من كلام كيت السريع." إنها كانت تتملقه؟"


    "أوه , أنت تعرفين , لقد استمرت في كاتبة الرسائل له, سنة بعد سنة, بعد وفاة شقيقتها ثم اتبعتها بارسال بطاقات التهنئة بعيد الميلاد لسنوات عدة.كانت تحاول اذكاء نار الذكرى في رأسه , وأن تبقى في وجدانه!"
    حتى لو حاولت سارة, لما استطاعت الكلام, لأنها كانت تشعر بالاختناق. وكانت كيت تتكلم بسرعة انفعالية, ما الذي تقوله الىن؟ شيئاً ما عن الوصية؟ "وهكذا عندما مات ستيفن فوجئنا بأسوأ شيء يمكن أن يقع! فعلى مابدا , كتب ستيفن وصية في لندن حينذاك وفيها يهب كل ما يملك إلى الفتاة التي كان ينوي أن يتزوجها , وفي حال وفاتها ينتقل الميراث إلى أقرب أقربائها. وهكذا ورثت الصغيرة كل شيء وهي التي عرفها طفلة لوقت قصير ومنذ زمن طويل .لاشك انها أصبحت فتاة شابة الآن وأراهن انها لاتزال تتمتع بهذه الإرادة الشيطانية . وفي اعتقادي ان شقيقتها كاتي كانت قد أخبرتها عن الوصية قبل وفاتها.وهي بالطبع لم تنس ذلك, أكاد انفجر من الغيظ." قالت كيت وقد ازداد غضبها وانفعالها :"عندما أفكر أن كل هذا المكان قد اصبح ملكاً لها، وكل ذلك, لأن الوقت لم يسنح لستيفن كب يكتب وصية جديدة."
    " وماذا عن فيك.....؟"
    لم تستطع ان تخفي نبرة الخوف في صوتها , ولحسن الحظ لم تلاحظ كيت, الفرق.
    "فيك أصغر عمراً من ستيفن , انه شاب ويعشق العمل في الكرم, عندما رجع ستيفن من أوروبا , اتخذ فيك مساعداً له , ودربه على كل مراحل صناعة الشراب, من زراعة الشتلات إلى تعبئة القوارير , وبعد ذلك أصبحا شريكين متساويين في صن فالي, ليس قانونياً بالطبع , لأنهما لم يجدا الوقت لكي يجلسا مع المحامين وينظما الأوراق القانونية . وكان مفهوماً عند الجميع , ان ملكية الكرم بكامله تنتقل إلى فيك في حال حصول حادث ما لستيفن .أما الآن...." خفت صوت كيت تدريجياً وخيم صمت بينهما.
    سألت سارة كيت عن أمر كان يدور في مخليتها:" هل توجد صلة قربى بين فيك وستيفن؟" هل من المعقول أن يكون هذا الصوت الأجش والغليظ الصادر عنها هو صوتها؟
    ترددت كيت قليلاً:" إنه من الأقرباء البعيدين , ابن , ابن, ابن عم أو شيء مثل هذا, من المضحك أن يكون هذا الجزء البسيط في عروقه من الدم اليوغسلافي هو الذي أكسبه كل خبرته وعشقه لصناعة الشراب . والتي
    لايملكها إلا اليوغسلافيون الاصليون . وبرغم بُعد قرابتهما فقد كان ستيفن يعتبر فيك قريبه الوحيد . وكان يهتم به ويحترمه.
    كانت الصدمة مروعة عندما مات ستيفن فجأة . كل واحد كان يعرف ان من البديهي أن يرث فيك صن فالي ، ولكن الآن ... وهذا ما يجعل الجو مشحوناً بالتوتر . صن فالي تختلف عن غيرها من معامل الشراب الموجودة في هذه المناطق . انها أصغر كثيراً من المعامل الأخرى . أما فيك ... حسناً ،أؤكد لك القول أن صن فالي بالنسبة له ليست كرم عنب وصناعة عملاً يقوم به فحسب ، انها محور كل حياته ،أما الآن ، فأنت قد فهمت ..." ألقت كيت بنظرة وَجِلة من تحت أهدابها ." ... لماذا تصرفت معك على هذا الشكل عندما قابلتك في الصباح؟"
    " لاتقلقي ." حاولت سارة أن تجعل صوتها رقيقاً وودياً :" بالنسبة لي ، لقد نسيت ما حدث هذا الصباح ." وفكرت في نفسها ، هل هي تستطيع بالفعل أن تنسى ما حدث؟

    عندما استيقظت سارة بعد ليلة طويلة قلقة ، قضتها متقلبة في فراشها ، شعرت للوهلة الأولى بالاستغراب لوجودها في مكان غير مألوف . ثم أدركت سريعاً ونظرت إلى ساعة المنبّه الموضوعة على الطاولة بجانب السرير ، انها نسيت أن تضبط المنبّه بسبب انفعالها واضطراب أفكارها . مع ذلك كان لايزال هناك متسع من الوقت لكي تصل إلى الكرم في الوقت المحدد ! صبت لنفسها كوباً من اللبن وهي لاتزال مرتدية ثياب النوم، وحمصت قطعة من الخبز وحضّرت فنجاناً من القهوة ، ثم بدأت تبحث عن شيء ترتديه بين ملابسها القليلة . كانت مصممة على أن ترتدي ملابس تشكل تحدياً لأوامر فيك المتعجرفة . اختارت قميصاً من اللون الأصفر لا يغطي إلا القسم الأعلى من صدرها ، وبنطالاً قصيراً (شورتاً) ملائماً معه. هكذا تستطيع أن تفهم فيك وجهة نظرها ازاء أوامره وهو الذي يعتبر نفسه السلطة العليا في ما يجب أن ترتديه الفتيات أو في ما يجب وضعه من مساحيق على بشراتهن . زمت سارة شفتيها وقالت في نفسها ، آن الآوان لفيك كي يعرف حجمه الحقيقي.
    بعد قليل ، مشت سارة على الطريق المنعطفة المغطاة بالأعشاب لتنضم إلى النساء الأخريات اللواتي تجمعن عند بداية صفوف العرائش ، فيما كان فيك يوزع عليهن سلال البلاستيك الزرقاء.
    عندما اقتربت منهن ، قابلتها ابتسامات الترحيب وردت عليهن بتلويحة من يدها وابتسامة ." هذه هي سارة ." قدم فيك سارة للأخريات.
    "أهلاً يا سارة ، أنا سعيدة لوجودك معنا ! تعالي وانضمي إلينا !" تلقت سارة هذه التحيات المرحبة بها ومن ثم تفرقن في كل اتجاه بين العرائش للبدء في قطف عناقيد العنب.
    وقف فيك وحده ، يبدو منشرحاً وحنوناً ، ولكنه لم يفت سارة رؤية انطباق شفتيه الشديد على بعضهما ولا شرر الغضب المتطاير من عينيه الداكنتين.
    تعمدت سارة أن تمشي نحوه ببطء ، على العشب الرطب من جراء الندى ، واصطنعت ابتسامة ." أرجو ألاّ أكون قد تأخرت عن العمل."
    " لا ، أنتِ لم تتأخري ." نظرته الباردة كانت مخيفة .
    " حسناً ، لقد كنت خائفة من ذلك ." رمقته بنظرة من تحت أهدابها وقررت أن تأخذ زمام المبادرة :" أنت لاتبدو انك راضٍ عن أي شيء!"
    التعابير التي ظهرت على وجه فيك كانت رائعة ." نعم أنا غير راضٍ ، ولا تدّعي انك لا تعرفين لماذا !" نظرة الاستخفاف التي رماها فيك بها ، ضايقتها تماماً ." أنا غير راضٍ عن هذه الملابس غير الملائمة ليوم عمل تحت أشعة الشمس المحرقة . ومن دون الكريم الواقي أيضاً!"
    " هذا صحيح ." وافقت سارة معه ." من دون الكريم الواقي."
    تحولت نبرة صوته ، فجأة ، إلى برودة الفولاذ ." لماذا لم تفعلي كما طلبت منك ؟ لماذا لا تحمين نفسك من الشمس؟"
    رفعت سارة ذقنها الصغير ." أنا غير ملزمة بأن أفعل ما تطلب مني!"
    " حقاً؟" نبرته المطاطة كانت تنطق بالعدوانية .
    برغم ما صممت عليه ، في قرارة نفسها ، في أن لاترتبك أمامه وأن لا تضعف تحت تأثير قوة شخصيته ، فقد صعقها شعاع حقل قوته وسيطرته الذي أحست به في الدقائق الأولى من لقائهما الأول . ذكّرت سارة ، بتردد ، نفسها بأن فيك هو رئيسها في العمل وأرادت استدراك ما قالت ولكنها أخطأت ثانية عندما قالت :" على أي حال أنا غير ملزمة باطاعة أوامرك في ما يتعلق بي شخصياً."
    " اسمعي ...!"
    كان فيك في قمة الانفعال وأحست سارة في لحظة مجنونة ، انه أصبح على استعداد لضربها . ولكن بدلاً من ذلك أمسك معصمها بشدة آلمتها . وأحست أن أصابعه قد انغرزت في جلدها . وحاولت بشراسة التخلص من قبضته.
    " دعني أذهب ،أنت تؤلمني !"
    ترك فيك يدها ولكن غضبه لم يفتر . أخّت سارة نفساً عميقاً وسريعاً ؛ هل هي تخطت الحدود في تحديها له ؟ هل هي ذهبت بعيداً في ذلك الأمر حتى

    تثير كل هذا الغضب الذي اقترب من حافة استعمال العنف ؟ ونظرت إلى معصمها الذي ما زالت آثار أصابعه ظاهرةٌ عليه وقالت :" كل هذا الغضب لأني أردت تعريض بشرتي ، قليلاً ،لأشعة الشمس ، هذا أمر سخيف!"
    " هذا ما تظنين ." أجابها فيك بصوت لاذع كالسياط.
    " هذا تماماً ما أظنه ." لم تشعر بمثل هذا الغضب في حياتها تجاه أي انسان ." أشعة الشمس ، وكثير منها ، هو ما أسعى إليه في هذه البلاد ، فلماذا أحمي نفسي منها الآن؟"
    " لأني طلبت منك ذلك ..."
    " وأنا لا أخاف مناوراتك المرعبة ..."
    " أنت لا تخافين ، ها ." كز على الكلمات بشدة :" إذا هيا إلى العمل ."
    احمرت وجنتا سارة غضباً وأجابت :" هذا ما أنوي أن أفعله تماماً!" ورمت برأسها إلى الوراء تحدياً ، مما جعل شعرها يتطاير حول خديها . انحنت والتقطت سلة البلاستيك الكائنة على الأرض قرب قدميها ، ومن دون أن تنظر إلى الوراء ، أسرعت باتجاه أقرب عريشة . وجدت سارة العمل ممتعاً في الساعات الأولى . وراقبت العاملات كيف ينتقين ويقطفن العناقيد الناضجة وهن يتنقلن ببطء من عريشة إلى أخرى . وكان بامكانها اخفاء ضيقها لولا خوفها من العناكب المعششة بين العناقيد والحشرات التي تطير حولها.
    " يا إلهي ، يبدو أن هذا اليوم سيكون حاراً محرقاً." قالت فتاة كانت تعمل بالقرب من سارة :" أنظري إلى هذا !"
    نظرت سارة إلى حيث أشارت الفتاة ورأت ميزان حرارة معلقاً على عمود في منتصف صف العرائش.
    " أنت جديدة هنا ، أليس كذلك ؟" سألتها الفتاة النيوزيلندية بلطف.
    " نعم ." توقفت سارة لحظة كي تضع العناقيد التي قطفتها في السلة ." أنا من انكلترا ، هل تصدقين ذلك؟"
    ضحكت الفتاة :" أوه ، أنا أصدق ، بمجرد أن أنظر إليك ، إذا كنت لا تمانعين في اخبارك؟"
    " بالطبع لا!"
    " في نهاية هذا اليوم ستبدين كالدجاجة المشوية بسبب حروق الشمس ." ثم أضافت بشيء من الدهشة :" ألم يُعلِمك فيك عن الملابس التي تلائم العمل في القطاف ، وعن طرق الوقاية ؟"
    رفعت سارة رأسها قليلاً ، وأدركت ان هذه الحركة قد أصبحت عادة


    عندها منذ وصولها إلى نيوزيلندا ." نعم ، لقد فعل وقد أجبته بأني غير ملزمة بإطاعة أوامره في هذا الشأن !" ولم تستطع سارة أن تخفي نبرة التحدي في صوتها.
    ضحكت الفتاة الأخرى وقالت :" اذاً ، هكذا تصرفت ؟ اسمعي ، أنا أحمل بلوزة بكمين طويلين للاحتياط ، كما جلبت معي الكريم الواقي ، أنت على الرحب في استعمالهما إذاً..."
    " لا ، شكراً." هزت سارة رأسها ." سأكون بخير ، لكني لا أستطيع الانتظار طويلاً كي أكسب اللون البرونزي مثل بقية العاملات هنا ."
    ظهرت الجدية على وجه الفتاة المرح ." سيكون ذلك مؤلماً للغاية ..."
    " لايهم ذلك ." قالت سارة بخفة :" إن ما أسعى إليه جدير بدفع ثمن كهذا ." وأضافت وهي تغير الحديث :" أخبرني ، ما هي هذه الطيور الصغيرة التي ترفرف بين العرائش؟"
    أدركت الفتاة أن لاجدوى من متابعة الحديث حول الملابس وحول خطر حروق الشمس في هذه البقعة من جنوبي الباسيفكي والثغرة في طبقة الأوزون ." يسمون هذه الطيور ذيل المروحة ، إنها طيور جميلة أليس كذلك ؟"
    ولكن سارة لم تسمع شيئاً في هذه اللحظة ، وفجأة ، ترددت صرختها في أجواء المكان :" النجدة " وقفزت متراجعة ، فتعثرت بسلة العنب ، التي انقلبت ونثرت العناقيد التي فيها على الأرض . اتسعت عيناها وهي تحدق بخوف ودهشة في حشرة كبيرة سوداء ذات قرنين طويلين وخطرين.
    هرعت إليها الفتاة التي كانت تتحدث معها ." أنظري ."
    قالت سارة وهي ترتجف من هول الصدمة ، ثم صرخت ثانية وهي تشاهد قرنيها العدائيين يتجهان نحوها :" إلى هذه الحشرة اللعينة ..."
    " ما الخطب ؟ من أطلق صفارة الإنذار ؟" أتى فيك مسرعاً من بين العرائش باتجاهها ." هل هذه أنت يا سارة ؟" وقف إلى جانبها ." هل لسعتك العنكبوت؟"
    " ليست عنكبوتاً ..." قالت وهي ترتجف من الخوف :" انه هذا الشيء اللعين والمخيف ، لقد زحفت من داخل العريشة وهاجمتني !" فركت سارة رسغها في موضع اللسعة التي بانت احماراراً على جلدها.
    " يبدو انك هززت عشها ." قال فيك :" دعيني أرى موضع اللسعة ."
    مدت يدها إليه . ونظر إليها ضاحكاً ." لا شيء خطراً أو جدياً أصابك من هذا الشرس الذي لا رحمة في قلبه ، هذه العنكبوت العنيفة تبدو مخيفة

    أكثر مما هي الحقيقة ، ما يجعلها مخيفة هو قرنا الاستشعار الطويلان . إذا حشرت في زاوية ، تلسع ولكنها تكون خائفة منك أكثر من خوفك منها."
    " لا شك انها كذلك ." أحست سارة بالحاجة لضرب نفسها لأنها جبانة . صرخت وتأوهت وأقامت الدنيا وأقعدتها بسبب حشرة غير مؤذية ، حسناً ، تقريباً غير مؤذية ، ومن السخرية أن يكون أول من هرع إليها هو رئيسها فيك وشهد على جبنها وخوفها الذي لا داعٍ له!
    " خذي قسطاً من الراحة في الظل ." قال :" سأجلب علبة الاسعافات الأولية من البيت ، احتياطاً." قادها بين العرائش إلى ظل شجرة ، وفي هذه المرة لم تعترض سارة على طريقته المتعجرفة في التصرف معها.
    شعرت سارة ، في الظل ، بالهواء المنعش المعطَر برائحة الصنوبر. وأحست بالراحة عندما ألقت بنفسها على العشب الأخضر . ولم تشعر بالوقت يمضي إلا عندما عاد فيك ومعه انبوبة من مرهم طبي.
    بينما كان فيك منحنياً فوقها ، يضع المرهم المُعَقِم فوق البقعة الحمراء على رسغها ، لامس شعره الأسود خدها ، وأحست ان لمسته قد هزت أعماقها بطريقة لم تستطع معها السيطرة على نفسها . شكراً للسماء لأنه استعمل لمسته في ازالة نتائج اللسعة . رفعت رأسها في هذه اللحظة ورأت لبرهة الشرر يتطاير من عينيه وأدركت انه أحس بتأثير لمسته عليها ، يا للعنة ! وسارعت بشراسة إلى القول :" لقد هزتني هذه التجربة ، أنا غير متعودة على وجود حشرات بهذا الحجم ." ... أو متعودة ‘لى رجل يستطيع التأثير على عواطفي بلمسة من أصابعه ... فكرت سارة في سرها.
    نفضت سارة من رأسها هذه الأفكار بسرعة ، وعادت لتستمع إلى النبرة المطاطة .
    " ستتعودين عليها ." تمتم وكأنه يتحدث إلى شخص آخر :" هل تشعرين بتحسن ؟ هل يمكنك العودة إلى العمل ؟ إذا كنت تفضلين ..."
    " بالطبع أستطيع العودة إلى العمل ." أكدت سارة له ووقفت ، دلالة على قدرتها :" لقد ضيعت الكثير من الوقت !"
    بينما كانا يسيران معاً للالتحاق بالعاملات اللواتي كن يتحركن ببطء بين العرائش ، تساءلت سارة في ما إذا تخيلت ، رؤية نظرة اعجاب في عينيه.
    ارتفعت درجة الحرارة ورطوبة الجو غلى درجة الاختناق عندما اقتربت الشمس من قرص السماء الزرقاء الصافية ، وبَدأت سارة تشعر باحتراق بشرتها وذراعيها ورقبتها ، وأخذت تمسح العرق الذي كان يتصبب منها.
    جلبت كيت للعاملات في الكرم عصير الفاكهة اللذيذ والمثلَج ، عدة مرات خلال النهار ، وجلست سارة في فرصة الغداء بجانب الأخريات في ظل شجرة عملاقة وشاركتهن الطعام وشرب العصير المثلَج.
    كانت رفيقاتها في العمل ، مجموعة من الفتيات المرحات وقد ألقين عليها أسئلة متلهفة عن انكلترا ، وهل شاهدت مسارح لندن ومعارضها الفنية ، التي كنَّ قد قرأن عنها في المجلات السياحية ؟
    هزت سارة رأسها نافية :" أنا لم أكن أعيش في لندن ، إلى جانب ان الانتقال إلى لندن والاقامة ليلة واحدة في الفندق لمشاهدة عرض مسرحي ، هما أمر باهظ الكلفة ."
    " نعم ، أنا أصدق ذلك ." لقد علقت احدى الفتيات على ما قالته سارة عن جانب من الحياة في لندن لا يعرفنَّ عنه شيئاً :" لا شك انك قترت على نفسك كثيراً كي توفري ثمن التذكرة إلى نيوزيلندا لتمضي العطلة ؟"
    حولت سارة نظرها عنهن وقد شعرت بالأحراج ، وأخذت تقتلع العشب الذي تحت قدميها . شعرت بالإعياء قليلاً لأنها تخدع هاتيك الفتيات الطيبات اللواتي ساعدنها في قطف العنب ، وأبدين اهتماماً بسلامتها من أشعة الشمس على بشرتها الانكليزية الناعمة .
    قطعت ضحكة نسائية على سارة تأملاتها الغير سارة .
    " من حسن حظك يا سارة ، انك لم تُأخذي بجريرة الفتاة التي ورثت صن فالي !" جمدت سارة وتوقفت اللقمة في حلقها .
    " يقال انها تعيش في انكلترا ." أكملت الفتاة حديثها :" ولكن إذا كانت بالفعل تقيم هناك ، فإن المحامين لا يستطيعون اعثور عليها ، لقد مضى أكثر من سنة على وفاة ستيفن ، وربما لن يعثروا عليها أبداً ..."
    " وبهذا ، يستطيع فيك أن يبقى في صن فالي إلى الأبد وتبقى الأمور على ماهي عليه ." قالت فتاة أخرى :
    " إن الأمور لن تبقى كما هي ." تدخلت ثالثة في الحديث :" هو فعلياً المدير والمشرف على الكرم ، ولكنه ليس المالك ، برغم أن من حقه أن يكون المالك ولكنه ليس كذلك . هو سيستمر في ملء الفراغ الحاصل حتى ظهورها ."
    همس صوت نسائي آخر ، بنعومة :" ربما تأتي إلى هنا ويقع فيك في حبها بجنون ، ويتزوجان ويصبح شريكاً حقيقياً ثانية ، كما كان الحال مع ستيفن."
    " لا تتكلمي بهذه البلاهة !" ارتفعت عدة أصوات دفعة واحدة :" هل حقاً تعتقدين ان فيك سيبتلع كبرياءه ويسترجع حقه في الكرم بهذه الطريقة ؟

    سيكون في موضع ... مغتصبي الثروات ... على أي حال ، ستكون هذه وجهة نظره ."
    " ولكن صن فالي هي محور حياته كلها ، ومن الممكن ..."
    " أبداً!"
    " ولكن إذا أحبها ، أحبها فعلاً ، وأنا أعني ..."
    " لن يهمه ذلك في شيء ، ليس فيك ، تصوري أن يطلب من الفتاة التي تملك المكان أن تتزوجه ! هذا آخر شيء يمكن أن يفكر به ، حتى ولو كان يحبها لدرجة الجنون ، أنت تعرفين مدى كبريائه !"
    ط مهما يكن ." تدخلت فتاة جديدة في الحديث بصوت هادىء :" ربما لايزال يحب لين ." أثارت هذه الجملة انتباه سارة وأخذت تنصت باهتمام ، لم تستطع منع نفسها عنه .
    " كلاهما لم يتزوجا حتى الآن ، أنتنَّ تعرفنَّ هذا النوع من العلاقات الغرامية ، عندما لا يبدو على الطرفين انهما سعيدان مع بعضهما ، ومع ذلك يفتقدان بعضهما البعض عندما يفترقان !"
    اختلطت الأصوات في أذني سارة ، كانت تشعر بغرابة .
    تقريباً مريضة . برغم انها لم تقل ذلك لأحد . شعرت بوجع قاتل يضرب صدغيها ، وأصبحت لسعة العنكبوت التي ظنت انها لن تسبب لها المشكلات أشد ايلاماً من قبل.
    قطع صوت ودي عليها أفكارها :" هل تؤلمك لسعة العنكبوت ؟" سألتها فتاة حمراء الشعر ذات وجه مستدير .
    " سأضع مرهماً على موضع اللسعة !" سحبت الفتاة أنبوبة من جيب بنطالها الجينز القديم وأخذت تضع منه على البقعة الحمراء على رسغ سارة ." ستكونين على ما يرام ، أليس كذلك ؟" ولكن نبرة صوتها اللطيفة تحولت فجأة إلى نبرة هلع لأنها رأت لون سارة قد شحب تحت لون الاحتراق على خديها .
    تمالكت سارة نفسها ومرت لحظة الشعور بالدوخة ." أنا بخير ... أقسم بذلك!"
    بعد ذلك ... لم تستطع سارة أن تتذكر إلا القليل عن عصر ذلك اليوم الذي بدا بلا نهاية . شعور مشوش بالحرارة والألم والإرهاق . انتهى العمل أخيراً ، وتسلم فيك آخر كمية من العنب ووضعها على الجرار وأخذها إلى القبو ، وتعثرت وهي تسير على الطريق إلى الكوخ كالعمياء . وترمي بنفسها على السرير عندما وصلت . مغبّرة ، منفوشة الشعر ، ملطخة بالبقع من عصير العنب الأحمر ، ومبللة بالعرق. لم تشعر سارة إلا بوجع
    رأسها ، والألم في ظهرها والأحساس بأن جلدها كله قد شُوي على النار شيّاً . مع حلول الأصيل برد الجو قليلاً ومع ذلك كانت تشعر بارتفاع درجة الحرارة ، وتشعر بالعطش أكثر فأكثر.
    وفي وقت ما ، خلال ساعات الليل ، انطبع في ذاكرة سارة الهاذية ، يدان تضعان كوباً من الماء على شفتيها الجافتين وصوت آمر يقول :" اشربي هذا ، سيخفف عنك الحمى ."
    وشعرت بقطعة قماش باردة ، توضع على جبينها الذي يؤلمها ، وبأغطية سرير باردة . وأحست بمرهم يلامس بشرتها . بعد ذلك دخلت في غيبوبة أراحتها من العذاب


    الفصل الرابع


    استيقظت سارة من غيبوبتها ، فيما كانت السماء موشاة باللون الزهري ، وبقيت من دون حراك ، تحاول أن تتذكر من خلال أفكارها المشوشة ، ما حدث لها في الساعات الأخيرة التي مضت .
    كانت متأكدة من أمر واحد فقط ، أنها تشعر بوهن . وضعت قدميها على أرض الغرفة وأحست أنها مترنحة قليلاً . شعرت سارة بالعطش ودلفت إلى غرفة المطبخ المجاورة لغرفة النوم ، توقفت هناك ! هل هي لا تزال تعاني من الهذيان ؟
    تساءلت وهي تحدق في فيك الذي رأته مستلقياً على جانبه اليسر على الأريكة ، وكان شعره مشعثاً ومايزال يرتدي ثياب العمل المتسخة ، التي كان يرتديها بالأمس.
    مشـت ، إلى حنفية الماء ، حافية القدمين وملأت كوباً من الماء البارد . حاولت أن لاتحدث أي صوت لكي لا توقظ فيك ولكن عندما استدارت وجدته يراقبها باهتمام.
    " سارة ، هل أنت بخير الآن ؟" سألها وقفز على قدميه ولاحظت أن عينيه تلمعان بعاطفة لم تستطع تفسيرها . هل هو الاطمئنان ؟ مستحيل ! قالت سارة في نفسها.
    " نعم ، بالطبع أنا بخير ." دفعت بشعرها المثقل بالغبار والعرق إلى الوراء . " ماذا تفعل هنا ." سألته بغباء ، ثم استدركت بعد ثوان وتكلمت ببطء :" لقد فهمت ... لقد أمضيت الليل كله ، هنا؟"
    " هذا صحيح ." مرة أخرى سمعت هذه النبرة المطاطة :" لقد كنت بحاجة إلى من يسهر عليك ، لأنك كنت غائبة عن الوعي وتهذين ."
    رفعت سارة حاجبيها المثقلين تعجباً :" كنت أهذي ؟"
    قرعت أجراس الخطر في رأسها على الفور . هل ذكرت في هذيانها ما يمكن أن يفضح سرها ويهدم كل مخططاتها ؟
    قالت وهي تتنفس بصعوبة :" ماذا كنت أقول في هذياني ؟ أعني ، ربما ، هل نطقت بكثير من التفاهات؟"
    " بالتأكيد فعلت ، كنت كمن ينادي بوقوع جريمة قتل غامضة وتصرخين طالبة المساعدة من العناكب التي تلاحقك في غرفة ما . كان صوتك أشبه بصوت ممثلة تقوم بدورها في فيلم رعب! وقد وجدت من الأفضل أن أبقى إلى والتأكد من سلامتك."
    تنهدت سارة بارتياح . كل شيء على ما يرام وسرها لا يزال بأمان . جلست على الكرسي الذي كان بجانبها وشربت الماء البارد ." أنا لم أفهم بعد ، ما الذي حصل لي ليلة البارحة ."

    " لقد اصبت بضربة شمس! هذا كل ما في الأمر ."
    وانتظرت أن يؤنبها ويقول - لقد حذرتك – ولكنه لم يفعل.
    " لقد اعترتك حمى قوية استمرت عدة ساعات ، وكما يظهر الآن ، فإنها زالت عنك."
    " يا إلهي ." صرخت سارة وهي ترى انعكاس صورتها في المرآة ، شعرها الأشعث ، عيناها المحاطتان بدوائر سوداء ، وجهها وذراعاها وكتفاها مصبوغة بلون قرمزي بشع . " كم أبدو قبيحة !" شهقت واستدارت نحوه :" برغم ذلك ، ساساعد في القطاف اليوم ! وسأكون في أفضل حال بعد أن أستحم بالماء البارد ." ادركت سارة فجأة أنها لم تخيب أمل فيك فيها ، على الرغم من أنها خيبت أمله فيها بشكل سيىء ، وهو لا يعرف بخداعها المستمر . " يجب أن أعود إلى العمل . لقد أعطيتك وعداً."
    نظر إليها مُقيماً ." لا قطاف اليوم ." قال لها وشعرت أنه يعني ما يقول ." انسي ذلك ." قاطعها عندما لاحظ أنها اندفعت للاعتراض :" لقد استبدلتك بفتاة أخرى اليوم !"
    " ولكن ماذا أستطيع أن أعمل ، إذاً؟"
    " لا ضرورة ، لأن تعملي أي شيء اليوم ." استغربت سارة رقة صوته ." إن الغد ليس ببعيد ، كي تعملي ثانية ."
    " انا لا أقبل بذلك ." أصرت سارة بعناد :" أريد العودة إلى العمل ، اليوم ."
    هز فيك كتفيه العريضتين . " بامكانك الذهاب إلى المكتب ساعة أو ساعتين ، إذا شئت ، ووجدت أن صحتك قد تحسنت كفاية ." لقد تحول ثانية إلى رئيسها في العمل ، دفعة واحدة ، وبدأ يتكلم بنبرة باردة وعملية وواقعية ! هل من المعقول أن يكون هو الرجل نفسه الذي سهر عليها طول الليل ؟
    " شكراً." قالت سارة بصوت متعثر .
    بانت على وجهه ضحكة متهكمة وكسولة يبدو انه يحتفظ بها لأجله فقط ." شكراً ... على ماذا ؟"
    ترددت لحظة ." أنت تعرف ." واضافت بصوت خافت :" لأنك ساعدتني في التغلب على ضربة الشمس."
    " أوه ، من أجل ذلك ." ظهرت ابتسامة حائرة على فمه ." لم أفعل أكثر من ابقاء التنين بعيداً."
    لمعت عينا سارة الخضراوان وابتسمت له باغراء ." مثل فارس الأحلام الذي يأتي مرتدياً دروعه البراقة ، أليس كذلك ؟" وتنمت سارة فجأة لو قُطع لسانها قبل أن تتلفظ بهذا الكلام وهي ترى النظرة الباردة التي كان يرمقها بها.
    " يمكنك القول ، إنه شيء من هذا القبيل ، كيت مدت يد المساعدة أيضأً ." نبرته الخالية من أي تعبير جعلتها تشعر وكأنها طفل تلقى التأنيب تواً من شخص راشد ، وسرت في نفسها ، لأن لون الاحتراق القرمزي قد أخفى احمرار وجهها من جراء تدفق الدم إلى وجنتيها.
    يا للسماء ! كانت سارة تغلي في داخلها ، هل أساء فهم كلامها وظن انها تستميله ؟ لا شك أنها ردة فعل عادية عنده وهو الذي اعتاد ملاطفة الفتيات الحالمات اللواتي وقعن تحت تأثير جاذبيته ورجولته ووسامته . أما هذه الفتاة – سارة -؟ أبداً ! سيكون صعباً عليها طوال الأسابيع القادمة أن تحتفظ بسرها وأن تعمل إلى جانبه في آن ، ومن دون أن تضيف إلى ذلك خطر التشابك العاطفي . لأن هذا سيعقد الأمور كثيراً . وهي لا تعرف حتى هذه اللحظة إذا كان منجذباً إليها بصراحة ، اعترفت سارة في نفسها ، ليس هناك من شيء لا تستطيع معالجته.
    انتبهت سارة ثانية لنبرات صوته العميقة ، إذ قال :" عليك أن تستريحي اليوم وباستطاعتك تسلَم العمل في المكتب وفي المخزن حيث تقومين بخدمة الزبائن ، من الآن ... حسناً؟ سوف أراك في الغد !"
    " لا ." ردت عليه بحزم :" سوف تراني اليوم."
    " إذا كنت واثقة من قدرتك على ذلك ." قال بعد تردد.
    وأقسمت سارة في نفسها أنها سمعت كلاماً لم ينطق به :" انت لا تتعلمين أبداً ، أليس كذلك يا سارة ؟"
    " بالطبع يمكنني ذلك ! أنا الآن في أحسن حال !" قالت سارة بثقة وبصوت مرتفع.
    " أنت ، بالتأكيد ، مثل الشيطان ، لا يمكن معاقبته ." قال لها ضاحكاً بسخرية وخرج من الكوخ.
    قالت سارة ، وقد أصبحت بمفردها في الغرفة ، في نفسها . إنها يجب أن تتحسن وتعود لها قوتها ، وإن الاحساس بعدم التوازن سيزول عنها سريعاً ، وكل ما يهمها الآن هو أن تبرهن عن نفسها وعن مقدرتها أمام رئيسها الذي لا يُحْتَمل .
    ازال الحمام البارد بقع عصير العنب والغبار والعرق عن جسمها ، وشعرت بالنضارة والحيوية ثانية . وتحول شعرها بعد غسله بالشامبو
    والماء البارد إلى خصل حريرية الملمس ، جففت نفسها بإحدى المناشف التي جلبتها كيت وعالجت حروق الشمس المؤلمة على بشرتها الحمراء ، بعد أن وجدت على الطاولة مرهماً كان له فعل ساحر على خديها الملتهبين. كم هي مدهشة الطريقة التي يخفي الماكياج بها ، العيوب التي خلفتها الشمس على جلدها ، قالت سارة في نفسها بعد أن وضعت قليلاً من الماكياج ولكنها بررت لنفسها ، أن اللون البرونزي الذي تريد اكتسابه بسرعة لتظهر مثل نساء نيوزيلندا ورجالها يستحق دفع مثل هذا الثمن.
    ارتدت سارة ملابسها الداخلية وحمالة صدر ، ثم ارتدت بنطال جينز حول خصرها النحيل ، وقميصاً قطنياً أبيض اللون بكمين طويلين وياقة عالية ، لقد تعلمت درساً في وقاية ذراعيها وكتفيها . حضرت قليلاً من القهوة ، وحمصت قطعة من الخبز الأسمر ، وضعت عليها مربى فاكهة الكيوي الذي عثرت عليه في الثلاجة .
    خرجت سارة ، في الهواء الطلق المنعش ، واتجهت تحت سماء صافية على طريق مظللة بالأشجار إلى غرفة المكتب.
    لم تشاهد أحداً عندما وصلت ، وجلست إلى طاولة المكتب أما الآلة الكاتبة . تفحصت سارة الآلة لتتعرف عليها وبعد قليل شعرت بالثقة لاستعمالها . ركزت اهتمامها على الفواتيرالمبعثرة على الطاولة وحين انتهت من ترتيبها حسب الحروف الأبجدية ، رأت ظلاً ظهر في باب المكتب المفتوح ، ودخل فيك ، بعد لحظة ، متمهلاً واتجه نحوها .
    " سارة !" قال فيك مستفهماً.
    " لا تتعجب ." وحاولت أن ترميه بأحلى ابتساماتها ." لقد قلت لك إني سآتي اليوم."
    وقع نظره على الفواتير الموضوعة بترتيب وقال :" يبدو أنك لم تضيعي أي وقت ." شعرت سارة بسرور غير عادي وهي تلاحظ تعبير الرضى والدهشة في نبرته ." ولهذا نستطيع ، كبداية ، أن نرسل هذه المجموعة بالبريد فوراً."
    أضاف فيك وانحنى مقترباً منها حتى أحست برائحة العطر الرجالي تنبعث منه :" من الأفضل أن تتأكدي من بعض الفواتير التي جرت تصفيتها في الأسبوع الأخير ."
    " سأفعل ذلك ." وحين نظرت إليه أحست بأنها وقعت ثانية تحت التأثير الكلي لعينيه المليئتين بعاطفة لم تستطع تفسيرها ، واخترقت أعماقها ، ليته لا يحس بارتباك مشاعرها وبالإثارة الغريبة التي تعتريها في مثل هذه اللحظات
    قالت سارة في نفسها بعد أن لاحظت أن نبرة صوته المطاطة لم تتبدل ، ومايزال يتكلم كمدير يشرح مهمات عمل الموظف الجديد ، إنه لاداعي للقلق من مشاعره نحوها.
    " تعالي معي إلى المخزن ." قال فيك . " سوف أشرح لك وسائل البيع المشبعة هناك."
    قاد فيك سارة إلى غرفة المخزن الصغيرة حيث رأت الجدران المغطاة بالرفوف المليئة بقوارير الشراب المختلفة.
    " إن عملية البيع هنا ،ليست معقدة ، فالأسعار لا تختلف من صنف إلى آخر باستثناء شراب فاكهة الكيوي . أنا أشتري الكيوي من مزرعة الجيران ، عندما لا تكون بالجودة والحجم المطلوبين للتصدير إلى أسواق العالم."
    " ليس من داعٍ لترتيب الأصناف المختلفة ." تابع فيك توجيهها :" باستثناء قواير شراب الكيوي ، الغريبة الشكل ، فإن الصنف الوحيد والمهم هنا هو شراب صن فالي الأحمر!"
    " أنا أعرف ." نظرت إليه بسخرية . " للحصول على الكمال في الشراب ... يجب التركيز على صنف واحد فقط ، هذا ما أخبرتني به."
    نظر إليها فيك باعجاب وقال :" أنت تتعلمين بسرعة ."
    لم تستطع سارة أن تميز ما إذا كان يسخر منها أم لا ، ولكن كي تكون على جانب من الأمان ، قررت أن تلقنه درساً . حاولت إضفاء خفيفة على صوتها وقالت :" أستطيع أن اقترح شيئاً قد يحسن المبيعات ، أعني ..." تجاهلت سارة نظرة الاستخفاف والتهكم التي رماها بها وأكملت وهي تشير بيدها إلى النوافذ الصغيرة العالية ." ... انظر إلى كل هذه القذارة ، هذه النوافذ تحتاج إلى تنظيف جيد ، وبلاط الأرض يحتاج أيضاً إلى مسح والتلميع ." ثم أضافت بشيء من الانفعال :" لو كان هذا المكان ملكي ..." وتوقفت عن الكلام فجأة ، وقد ارتاعت لهول ما كادت أن تتفوه به ، ولدهشتها لم يبدُ على فيك أنه تأثر بالتغير المفاجئ في نبرة صوتها.
    فيك اكتفى بالتمتمة وكأنه يتكلم مع شخص آخر :" سأطلب من كيت أن تنظف المكان."
    قدحت عيناها شرراً وقالت :" هل أنت متأكد أنها ستفعل ذلك؟"
    عض على شفتيه بشدة . لقد أثارت غضبه ثانية ! تذكري ! أنّبت سارة نفسها ، بأنك محظوظة للحصول على أي نوع من العمل هنا . المشكلة يا فتاتي أنك اعتدت على فكرة أن الكرم هو ملكك ، وأنك بالفعل الآمرة الناهية هنا ، انسي ذلك في الوقت الحاضر !


    " صباح الخير ." ألقى صوت نسائي التحية ، ورأت سارة كيت تدخل المخزن . وقع نظر كيت الماكر عليها وقالت :" كيف تشعرين الآن ، يا سارة ؟ لم أكن أتوقع رؤيتك اليوم في المكتب؟"
    " أنا بخير الآن ، شكراً لك ." من كان يصدق ، تأملت سارة ، أن هذه المرأة الصغيرة ، ذات المزاج السيء ، التي كانت أول من قابلها عندما وصلت إلى صن فالي ، ستكون عطوفة وحنونة على هذه الصورة ؟ بقد سهرت عليها ليلة أمس لتساعدها في التغلب على الحمى التي اعترتها . أفاقت سارة من تأملها وقالت بصوت مرتفع :" هذا ما يجب أن يكون عليه بفضل رعايتك الجيدة لي طوال الليل ، والمرهم الطبي الذي مسحتِ به جلدي وخفف الكثير من آلام الحروق."
    " أنا؟" تساءلت كيت في دهشة :" لم أكن أنا ..." رمقت سارة فيك بذهول وتلاقت نظرتها مع نظرته الساخرة ، وتمنت لحظتها لو لم تنظر إليه . عادت بأفكارها إلى كلام كيت السريع :" لا تشكريني على ذلك ، فقد كنت أعاني من ألم في الرأس ليلة أمس ، بل أشكري فيك الذي سارع إلى مساعدتك وبقي إلى جانبك طوال الليل . وأعطاك الأسبرين ، كل ساعتين لتخفيض درجة حرارتك ، كل ما فعلته هو جلب الأدوية والشراشف النظيفة من خزانة المفروشات ، عدة مرات خلال الليل."
    أوه، لا.شعرت سارة بعياء قاتل عندما أدركت أن فيك هو الذي وضع المرهم الشافي على جسدها المحترق . لماذا لم تهتم كيت بهذا الأمر؟ ولاحظت ، وقد اعتراها الغضب الشديد ، أن فيك يسجل دائماً النقاط عليها بطريقة أو بأخرى ، وهذا وضع ... أقسمت في نفسها على تغييره بسرعة!
    تطايرت نار خضراء من عينيها وهي تحدق به ، وكما توقعت ، بدا فيك كأنه يستمتع باضطرابها ، هذا الشيطان! وغمرها شعور من الغضب الشديد وعضت على شفتها السفلى ، وصممت على أن لا تدعه يستمتع بشدة غضبها منه.
    شعرت سارة بنظرة كيت الفضولية . لم يكن في استطاعتها إلا التحديق به في صمت . ولم يفد بريق عينيه في اخماد غيظها.
    لم تلاحظ كيت أن شيئاً يجري بينهما وتابعت حديثها مع سارة بانشراح :ط من محاسن القدر ، بأن نحظى بهذا الطقس! عدة أيام مثل اليوم ونستطيع أن ننتهي من قطاف الموسم ! ويمكن التكهن أن هذه الأيام المشمسة ستستمر إلى أبعد من ذلك ."
    " في المناسبة .ط قال فيك :" لقد تسلمت سارة مهام المكتب ومخزن الشراب." ثم استدار نحو سارة :" أريد منك أن ترسلي دعوات المهرجان
    وأن تتصلي بصحف المدينة وتعلميها بتاريخ يوم مهرجان الشراب الذي يقع في نهاية الأسبوع. اتصلي أيضاً بمتعهدي الحفلات الذين تعاقدنا معهم السنة الماضية .حاولي الاتصال هاتفياً بما أمكن من المدعوين ، وفي حال لم تستطيعي الاتصال هاتفياً ، ارسلي إليهم الدعوة بالبريد . لقد رتبت شؤون الحفلة ، دارين سيقوم بالغناء . لقد تعاقدت معه في مهرجان العام الفائت ، سأتصل به وأخبره رغبتي في التعاقد معه لمهرجان هذه السنة وأؤكد على مجيئه وأن يجلب غيتاراً معه . إنه شخص ، من الصعب الاتصال به."
    " لقد عمل معنا لفتر من الوقت ." أخبرت كيت سارة .
    " عندما كان يلائمه ذلك ." قال فيك بلهجة جافة :ط ستجدين قائمة بأسماء المدعوين إلى يوم المهرجان في درج طاولة المكتب ، وسأراجعها معك فيما بعد ، يا سارة !"
    قالت كيت متأملة بعد أن ترك فيك المخزن :" لا أحد يستطيع منع نفسه من الإعجاب بدارين ، له اسلوب خاص ، وغناؤه يدخل القلوب ويأسرها . ولكن مشكلته ، هي عدم إمكان الاعتماد عليه . يشتغل فترة من الزمان في مكان ثم ينتقل فجأة إلى مكان آخر ، لا يمكن الاعتماد عليه أبداً ، فيك تماماً." رق صوتها عندما ذكرت اسم فيك ." عندما يكون الأمر متعلقاً بأي شيء في صن فالي هو بالفعل ..." وتعثرت كيت في العثور على الكلمة المناسبة .
    " ملتزم باخلاص ." أكملت سارة الجملة عنها وزمت شفتيها ." لقد لاحظت ذلك ."
    " سوف تستمتعين بيوم المهرجان ." قالت كيت :" يأتي الناس فيه من أنحاء البلاد كافة ، كل سنة ، إنه يوم للفرح !"
    طلبت سارة هاتفياً ، فيما بعد ، أول اسم موجود على قائمة المدعوين وسمعت صوتاً مرحاً يجيبها .
    " مرحباً ، أنا لاري ماتيو ."
    " مرحباً أنا أتصل بك من كروم صن فالي ." قالت سارة بصوت واضح :" وأريد أن أعلمك أن يوم انعقاد مهرجان الشراب السنوي هو الثامن عشر من هذا الشهر . طلب فيك مني أن أخبرك أنه يتوقع قدومك لحضور المهرجان ، هل ستحضر ؟"
    " وهل ستحضرين أنت ؟" أجابها الصوت الصبياني باهتمام.
    " بالطبع ، أنا أعمل هنا ."

    رنت ضحكته عبر الهاتف :" هل قدمت من انكلترا مؤخراً ؟ لقد عرفت ذلك من صوتك . لا تقلقي ، سأكون عندكم يوم المهرجان ، ولو لكي أتشرف بمعرفتك فقط ، ماذا قلت ، اسمك ؟"
    " لم أذكر اسمي بعد ، اسمي سارة ."
    " اسم جميل ، إنه يعجبني ، حتى ولو كنت بنصف جمال صوتك ..."
    " مع السلامة يا لاري." كانت سارة ما تزال مبتسمة عندما وضعت سماعة الهاتف مكانها.
    عملت سارة خلال الصباح على الاتصال بمعظم المدعوين الموجودة أسماؤهم على القائمة . وبينما كانت تتصل بأحد المدعوين ، لمحت فتاة مبتسمة ذات شعر قصير تقف في باب المخزن وتنظر إليها . وكان من الواضح أنها حامل .
    " مرحباً." قالت الفتاة وهي تدخل المخزن :" أعتقد ، أنك سارة ، الفتاة الإنكليزية ؟"
    " أجل أنا ." أجابتها سارة بود وانفتاح :" لقد حصلت على العمل هنا منذ البارحة ."
    " أعرف ، لقد سمعت كل شيء ، اسمي باتي ، وزوجي يدعى بيل ، نحن جيرانكم ، ونملك بستان فاكهة الكيوي ، ألا تعرفين ؟ يا إلهي ." قالت باتي وهي تلاحظ وجه سارة المحترق :" لقد حصلت على جرعة كبيرة من أشعة الشمس المحرقة بالأمس ! هل كنت تعملين بين العرائش وتقطفين العنب ؟"
    أومأت سارة برأسها إيجاباً.
    " ألم يحذرك فيك من مغبة التعرض لأشعة الشمس المحرقة في هذا الجزء من العالم ؟" قالت باتي وهي غير مصدقة أن فيك لم يحذرها .
    " للحقيقة ..." شعرت سارة بالاعياء من جراء الحديث في هذا الموضوع الذي أصبح له نغمة مألوفة وحاولت تفادي نظرات باتي الفضولية .
    ولكن باتي ضحكت وقالت :" لعل فيك كان مضجراً ، أليس كذلك ؟ هل كان يوزع نصائحه المجانية ؟ استطيع تصور ذلك ، إنه هكذا في بعض الأحيان ، ولكنه شخص رائع ولن تجدي شخصاً أفضل منه كمدير عمل . هل ستبقين معنا طويلاً ؟" وقبل أن تتمكن سارة من الجواب ، أضافت باتي :ط إنها عطلة عمل ، أهذا كل مافي الأمر؟"
    " سأبقى فترة الصيف فقط ." وقالت في سرها ، إذا كنت سعيدة الحظ ! " أريد أن اكتسب الخبرة في هذه المهنة ." اعترى صوتها الحماس :" وأتعلم
    كل ما يمكنني عن زراعة العرائش ، صناعة الشراب والتعبئة ... كل شيء ."
    " يبدو لي أنك واثقة من نفسك ، هل تخططين لامتهان هذه الصناعة ؟"
    " لا ، لا ." وقالت سارة في نفسها إن عليها أن تحترس من زلات اللسان .
    ولم يكن هناك من داعٍ لتحذير نفسها ، لأن باتي نسيت الموضوع في دقيقة ، بينما كانت تدفع بشعرها الناعم المنسدل إلى خلف أذنيها وتقول :" أوه ، لقد نسيت تقريباً ما جئت من أجله ، أريد زجاجة من شراب فيك الأحمر المشهور ، لقد دعونا بعض الأصدقاء على العشاء هذا المساء ، هم يفضلون هذا الشراب على غيره . هل تعرفين أن فيك قد ربح الجائزة القومية لأفضل إنتاج من الشراب الممتاز ، وهذا أمر رائع بالنسبة لكرم صغير مثل هذا ، ألا تعتقدين ذلك ؟"
    لم تستطع سارة الإجابة ، لأن الاعياء قد أصابها بسبب ترداد مثل هذا الكلام على مسامعها ، عن قدرة فيك واخلاصه وتفانيه في العمل ، وعن شرابه الأحمر المشهور . ولكنها تمتمت بعد ثوان :" سأجلب لك زجاجة ." ومشت نحو أحد الرفوف لتتناول من منه إحدى الزجاجات.
    دفعت باتي ثمن زجاجة الشراب وكانت على وشك الذهاب عندما توقفت وقالت وهي تدير ظهرها :" سارة هل سمعت قصة صن فالي؟" ومن دون أن تنتظر جواباً استطردت :" من العدل أن يكون الكرم ملكاً لفيك ، عوضاً عن أن يكون المدير فقط ، وعلى أساس مؤقت فقط ! وكان سيصبح المالك فعلاً لو عدل ستيفن وصيته ، فهو كان يتكلم دائماً عن فيك على أساس أنه وارث الكرم ، ولكن الوقت لم يتسن له كي يعدل وصيته ، هل تصدقين ، أن كل شيء هنا سترثه فتاة ما من انكلترا ، كان ستيفن قد قابلها عدة مرات منذ سنوات طويلة ؟"
    لم تجد سارة كلاماً ترد به ، ولحسن الحظ لم تنتبه باتي إلى صمتها ." أسوأ ما في الأمر هو أن فيك متعلق جداً بهذا المكان وهو بالنسبة له ، ليس بيته ومكان عمله فقط ، إنه محور حياته كلها ، وهو لا يفكر إلا بالكرم وخاصة بعد ما جرى بينه وبين لين ..."
    " لين ؟" سألت سارة .
    " الفتاة التي كانت مخطوبة إليه ، لقد فسخا الخطوبة في ذات اليوم الذي عرف فيه فيك أنه لن يرث الكرم . أنا شخصياً أعتقد أن ذلك من حسن حظه ، إنه أفلت من تلك الفتاة ." اضافت باتي :" لين حصلت على لقب ملكة جمال نيوزيلندا في تلك السنة وهي جميلة الشكل . بالطبع . ولكنه جمال بارد مثل تمثال . على ما أعتقد ، فيك لا يزال يحبها وعلى الرغم

    من كل شيء انتهى بينهما ، عندما فسخا الخطوبة منذ سنة . لم يبدُ عليه أنه أظهر اهتماماً بفتاة أخرى . يا للسماء ..." نظرت إلى ساعة يدها وأكملت :" ... هل مضى كل هذا الوقت ؟ بيل سيكون في البيت الآن ، يجب أن أسرع ! أراك قريباً !"
    رمقتها سارة تبتعد وهي تشعر بعدم الارتياح ، أفكارها تتسارع متضاربة وقد غمرها الاحساس بالذنب والمرض وشعور غريب من الندم . هل يجب أن تعترف لفيك بالحقيقة ، وتتنازل عن حقها في ملكة الكرم ؟ يبدو أن هذا ما يجب أن تفعله ، ولكن برغم ذلك ... انتظري ، صرخ صوت ما في داخلها ، لا تتعجلي الأمور ، دعي كل شيء على حاله حتى نهاية فصل الصيف . وتصرفي ، وكأن شيئاً لم يحدث ويغير شعورك بشأن الميراث ، كأي فتاة أخرى جاءت من انكلترا لتعمل وتمضي عطلتها في آن واحد .
    وفيما كان النهار الطويل يجر نفسه جراً ، اقتصرت سارة على القيام بمهام المكتب فقط ، وكانت تقنع نفسها أن الحرارة المزعجة في المخزن هي أفضل بمئات المرات من الحر القاتل والرطوبة المرتفعة بين صفوف العرائش حيث العاملات يقطفن العنب في هذا الوقت . شعرت مرة أو مرتين ، في فترة العصر ، بالغثيان ، ولكنها قاومت ولعنت نفسها لتعثر أصابعها وارتكابها أخطاء مطبعية على الآلة الكاتبة التي كانت تزداد مع الوقت .
    " لقد حان وقت الذهاب ." قال صوت رجالي عميق . نظرت سارة إلى الأعلى ورأت فيك يقترب منها بمشيته المتهملة القوية ، انشرحت باقتراحه ، على كل حال ، لا ضير من إطاعة أوامر كهذه فهي لمصلحتها ، وليس لهذه المرة فقط .
    " هل تريدين تناول بعض المرطبات ." قال لها وهو يصب عصير المانغا في كوب من الزجاج ، ثم قدمه لها . أحست سارة بشعور لذيذ بينما كان العصير المثلج يرطب حلقها .
    صب فيك كوباً من العصير لنفسه وألقى بنفسه على مقعد .
    " كيف كان سير العمل بالنسبة لقائمة المدعوين ؟" سألها فيك .
    " إنها جاهزة للارسال بالبريد ." أجابته وقد أدهشها كيف اختلف إحساسها وكأن حيويته قد لفحها وأعطاها جرعة كبيرة من القوة.
    " عظيم ." وضع فيك كوب العصير على الطاولة ." لقد اتصلت بدارين وتكلمت معه ، لقد وقع له حادث تصادم مع شاحنة وتجطمت سيارته ثانية ، قال لي إنه لم يصب بأذى يذكر ، ولكنه ترك المستشفى لتوه وربما لا يستطيع المشاركة في مهرجان هذه السنة ، ثم اتصلت بعدد من الفنانين


    الآخرين كي يحلوا مكانه ولكني لم أوفق ، لسوء الحظ ، مع أحد ، ولذا ..." ظهرت على محياه ابتسامة تأسر الألباب جعلت عواطفها تدور حول نفسها برغم تصرفاته المزعجة ، وهي حالة نفسية جديدة على سارة ، وقد يحدث بسببها شيء . جهدت كي تركز على ما يقول :" ... من هنا يبدأ دورك وتظهرين في الصورة ."
    " أنا ؟" سألت وهي تحاول أن تستجمع أفكارها :" هل تعني أنك ستحتاج إليّ في يوم المهرجان كي استقبل الزائرين وأغني لهم ؟"
    " من المحتمل ." عيناه الداكنتين لمعتا ." إذا لم يتمكن دارين من الحضور ، هل من الممكن أن تأخذي مكانه وتغني للزائرين ؟ كل ما أطلب منك أن تغني بضع أغنيات ، واحدة منها أغنية خاصة ، من النوع الفولكلوري."
    و أضاف برعونة :" لا أعتقد أنه أمر يصعب عليك اداؤه ؟"
    " لقد وعدت ان أغني وأعزف الغيتار في المناسبات ."
    قالت سارة باحتراس :" هل هذا هو كل المطلوب مني ؟"
    " المطلوب منك ، يا سارة ؟" لاحظت لبرهة الشرر في عينيه الذي خمد على الفور ." أغنية واحدة فقط ." مَطَ فيك نبرته .
    " في الوقت الحاضر ." وقبل أن تتمكن من التعليق ، أكمل فيك حديثه :" لقد جلبت لك النوتة الموسيقية كي تتدربي عليها وتؤلفي اللحن ، وأعتقد أنك ستعشقين هذا اللحن بمجرد أن تجربي غناءه ."
    " أخذت سارة بتردد النوتة الموسيقية من يده وتفحصتها وقالت باندهاش:
    " إن كلمات الأغنية مكتوبة بلغة أخرى ."
    " لقد كتبت الترجمة الإنكليزية بقلم الرصاص تحت أسطر اللغة الأجنبية ."
    رمقته سارة باستغراب :" هل هذه الأغنية ، يوغسلافيه ؟"
    " شيء من هذا القبيل ، إنها عن الأيام الصعبة التي عانى منها المستوطنون الأوروبيون الأوائل عندما استقروا في هذا البلد ، وهو يا يشبه وضعك الآن ." رفع فيك حاجبيه ببراءة خادعة وأضاف :" الم تذكري أنك تنشدين الأغاني الفولكلورية والأهازيج وكل هذه الأنواع؟"
    " نعم ، لقد ذكرت ذلك ولكن ..."
    استمر في كلامه غير مبالٍ بمحاولتها الاعتراض :" لقد فرض ستيفن إنشاء هذه الأغنية كل سنة في يوم مهرجان الشراب احتفالاً بانتهاء موسم القطاف . وقد أصبحت تقليداً متبعاً." وأضاف بصوت عميق :" وخاصة في هذه السنة . لأنه سيكون آخر مهرجان أحضره في صن فالي!" خيم الصمت بينهما بعد هذه الكلمات فلم تتجرأ سارة على الاسترسال في التفكير على هذا النمط.

    "حسناً ، لقد اهتممنا بكل شيء تقريباً." شعرت سارة ببوادر التمرد على تصرفاته المترفعة وعلى نبرة – افعلي ما أقول – التي كانت أقرب إلى الأمر المباشر منها إلى طلب.
    " لا ." لمعت عيناها الخضراوان تحدياً. لماذا يجب عليها أن تنشد أغنيته الغربية غير المألوفة ، فقط لأنه طلب منها ذلك ، لا بل أمرها بذلك ؟ قالت بحزم :" عليك أن تجد شخصاً آخر كي ينشد هذه الأغنية ."
    زم فيك فمه غضباً وتقلصت عضلات وجهه ." هذا جزء من اتفاقنا ن أم هل نسيت ؟ط ذكَرها فيك باتفاقهما.
    " أوه ، أنا اتذكر وعدي لك بالغناء وعزف الغيتار ."
    انفجرت سارة وقد عاقها التنفس :"ولكن فقط الأغاني المألوفة لي أو الأغاني الميلودية التي كتبتها بنفسي."
    رمقته بنظرة من انتصر في معركة ." هل تذكر ذلك ؟" لكن ازرقاق وجهه لم يترك عندها انطباعاً بأنها سجلت نقطة عليه .
    " أما أن يكون الأمر ، أن أنشد أغنية كتبت بلغة أجنبية ، حتى ولو ترجمت ، وأن أعزف لحناً لم أسمعه قط من قبل ..."
    أطلقت سارة العنان لمشاعرها ولم تستطع التوقف :" ... فقط لأنك ..." بدأ صوتها بالتعثر وأسرعت بالمتابعة :" ... تريد مني ذلك ! حسناً ، إني أرفض ذلك ، سأقوم بالغناء ، كما وعدت ولكني لن أغني غير الأغاني التي أعرفها ."
    " أحقاً ما تقولين ." كان الغضب ينضح من تعابير صوته .
    " لو لم تكوني على قائمة المرضى ..."
    " ماذا كنت ستفعل ؟" تابعت سارة التحدي :" تجبرني على قبول منطقك ؟ تطردني من البيت ؟" يا للسماء ، ماذا يحدث لها لو فعل ذلك ؟ فكرت سارة باستياء في نفسها وأقفلت فمها .
    ولكن بدلاً من طردها قال فيك لها بنعومة قاتلة :" احتفظي بالنوتة الموسيقية ." وبرزانة وهدوء دس ورقة النوتة في جيب بنطالها .
    " ستغيرين رأيك في هذه الأغنية عندما تتحسن حالتك النفسية ."
    " لن أغير رأيي ، انت تعرف ذلك ؟" ولكن لماذا تجد سارة نفسها ترتجف.
    مدحت سارة نفسها على دفاعه المتوسل ، ولكنه أدار لها ظهره وخرج من دون أن ينبس بكلمة أخرى . وفجأة شعرت بالوحشة والوحدة والفراغ القاتل تخيم على الغرفة ، أبعدت بسرعة هذا الشعور عنها . لقد سئمت بما فيه الكفاية ، ترفع هذا الرجل الذي لا يأبه لشيء وكبرياءه وسيطرته من دون أن تضيع وقتاً ، هرعت للخروج من المخزن وأغلقت الباب وراءها.



    الفصل الخامس




    عادت سارة ، في صباح اليوم التالي ، إلى المكتب لتجد رزمة صحف وضعت على طاولتها إلى جانب البريد المتراكم ، وفي اللحظة التي ألقت فيها نظرها على البريد ، شردت أفكارها وقالت في نفسها ، من الآن وصاعداً سوف تتصرف كأي فتاة تعمل بصورة اعتيادية في بلد أجنبي.
    لقد نجحت خطتها ، تقريباً ، حتى الآن ، لولا تأثير فيك المربك والغريب عليها . لابد أن السبب هو رجولته وجاذبيته اللتان تشعان على ما حوله ، لماذا تشعر ، عندما تتواجد معه في غرفة واحدة ، أن جاذبيته تخترق أعماقها بجنون . هل لأنها جاذبية متوحشة ! هذه هي المرة الأولى التي تجد نفسها في وضع لا تستطيع التعامل معه أو معالجته ، ولا يترك لها من دفاع ، غير تفادي قدر الإمكان ... هذا إذا استطاعت ... وسيكون ذلك صعباً لأنها ن في هذه اللحظة بالذات ، تفتقده.
    راقبت سارة فيك ، وقد رأته قادماً من ناحية وادي العرائش ، بجسمه المتناسق المفتول العضلات ، يسير بخطوات متمهلة على المنحدر العشبي. بدت عليه السعادة والنشاط ، عندما اقترب من المكتب وهو يدندن لحناً . سرت سارة من نفسها ، إذا كان سبب سعادته الظاهرة هو اعتقاده أنها غيرت رأيها في شأن إنشاد أغنيته العزيزة من الفولكلور اليوغسلافي. فسرعان ما يصاب بالخيبة بمجرد أن يتكلم معها !
    أجابت سارة بطفولية :" إن جلدي يتقشر ."
    تقدم فيك إلى داخل الغرفة وهو يحدق بها ، متفحصاً أولاً ، حالة ذراعيها ثم حالة رقبتها ووجهها المحروقة ." لن تطول هذه المرحلة ، وبعد فترة قصيرة . لن تصدقي أنك نجوت من تأثير الجرعة الضخمة من أشعة الشمس التي تناولتها دفعة واحدة ."
    " أجل ، لن أصدق ." وافقت سارة على كلامه :" خاصة ، وإنني لم أكتسب السمرة التي كنت أسعى إليها ، ولا حتى لون فاكهة الكيوي ، كي أعوض نفسياً عمَا اصابني !"
    " يجب أن تبعدي عن ذهنك فكرة اكتساب اللون البرونزي ." تقلصت عضلات سارة عندما سمعت نبرته الآمرة :" لأن بشرتك التي بلون الخوخ الأصفر والكريمة لا تتحمل ذلك ." شعرت أن حركاتها أصبحت مرتبكة تحت تأثير نظراته ... لماذا لايتوقف عن النظر إليها !
    انحنى فيك على طاولة المكتب واعتلى ، جالساً على إحدى زواياها ، وأخذ يهز إحدى ساقيه وقال لها :" أريدك أن تعملي في عطلة نهاية الأسبوع ."

    " لا بأس ، ولا مانع عندي إذا كان العمل يتضمن تدقيق دفاتر المحاسبة . لقد صرفت وقتاً طويلاً في تصفية حسابات الضرائب لأنها جديدة عليّ ، سوف أتعود عليها سريعاً . العمل في عطلة نهاية الأسبوع لا يضرني ولا يختلف عن العمل في أيام الأسبوع الأخرى ."
    ضحك فيك وقال :" لكن هذا العمل مختلف ، لقد تلقيت اتصالاً هاتفياً من دارين ، الفنان الذي تعاقدنا معه في السابق ، وقد اعتذر مني كثيراً لعدم استطاعته الغناء في المهرجان ، وقلت له ، بأن يهتم بصحته في الوقت الحاضر ، وبأني سوف أتعاقد مع فنان آخر كي يحيي هذه الحفلة ، ولا توجد أي مشكلة ."
    " قلت له ذلك ." هزت سارة رأسها ، لأنها ما زالت مستاءة من الطريقة الجافة التي طلب بها منها أن تنشد أغنية لا تعرفها . وتذكرت كيف رفضت ذلك في غضب شديد :" أنا غير متأكدة في ما إذا كنت راغبة ..."
    لم يبد على فيك أي انفعال ." لقد اتفقنا على كل شيء عندما طلبت عملاً هنا ." ذكرها ببرودة :" والفكرة أعجبتك كثيراً في حينها . عندما أفهمتك أنه يكون هناك مناسبات كهذا المهرجان ..."
    " أحتاج وقتاً أطول كي أتمرن على الأغاني ." أجابته سارة وهي تصر على أسنانها :" هذا ، إذا كنت سأغني أمام جمهور ."
    لوح فيك بيده وكأنه ينثر هذا الاعتراض في الهواء .
    " لماذا ؟ الجمهور الذي يحضر المهرجان لا ينتقد شيئاً ، إنها حفلة مجانية ، وذلك يتضمن الأكل والشرب ، ولا أفهم سبب لقلقك ؟"
    " لا ، لن تفهم ." هاجمته وهي نعض على شضفتيها ." على أي حال ." أضافت ، وهي تشعر بازدياد احمرار وجهها " أين الغيتار ، فكما أخبرتك ، لم أجلب غيتاراً معي !"
    " لقد اهتممت بهذا الأمر ." ضحك فيك بتهكم كاد أن يصيبها بالجنون ." تحتفظ إحدى قريبات كيت بغيتار في المنزل الكبير ، كي تعزف عليه عندما تأتي إلى هنا لتمضية عطلاتها ." أضاف بلا مبالاة :" وسنجد هذا الغيتار في إحدى الغرف ، عندما نبحث عنه."
    رمقت سارة فيك باستياء ، إذا كان يعتقد أنها ستعزف للجمهور على غيتار قديم مهمل وملقى في إحدى زوايا المنزل ، فهو يحلم ... وهذا لا يطاق.
    " لا تنظري إليّ بهذا الشكل ." قطع صوته المفعم بالرجولة ، عليها أفكارها المتمردة :" إنها آلة موسيقية جيدة وقد دوزنت أوتارها مؤخراً ، ستعجبك !"

    رمقته بنظرة حارقة ، إنه الأسوأ بين جميع الرجال الأنانيين الذين قابلتهم في حياتها ! وقالت بصوت مرتفع حاولت أن تجعل نبرته هادئة :" سأرى ما إذا كنت أستطيع العزف عليه ، وإلا ..." هزت بكتفيها ." ... ننسى هذا الموضوع !"
    لم يؤثر هذا التهديد في فيك ، وتمتم بكل بساطة :" سوف تألفين هذا الغيتار ." يا إلهي ! إن فيك شيطان ! فكرت سارة .
    وقف فيك وقال :" اسمعي ، يجب أن أذهب الآن ، سوف أعود بعد دقيقة."
    نظرت سارة إليه بصمت ، ونظرة الغضب في عينيها الخضراوين تقول في وضوح ؛ وكأن ذلك يهمني !
    عاد فيك ، بعد قليل ، يمشي متمهلاً . مرة أخرى ، جذب الحن الغريب الذي يدندنه ، انتباهها . تعمدت سارة الانشغال بترتيب البريد ، متجاهلة قدومه ، وحتى أنها لم ترفع رأسها إلى أن أصبح واقفاً إلى جانبها .
    " لقد جلبت لك غرضاً معي ." تلاقى نظرها مع النظرة الشيطانية الصادرة من عينيه الداكنتين اللتين ، لا تثق ، بهما على الإطلاق ." انظري إلى هذا الشيء ."
    أحست سارة أن أعصابها المشدودة قد استرخت دفعة واحدة . " ما هو هذا الشيء ؟" سألته ، وهي تشيح ، كالعادة ، بنظرها عنه لأنها لا تستطيع تحمل جاذبيته.
    " هذا !" انحنى على أرض الغرفة والتقط غيتاراً ، وضعه على طاولة المكتب أمامها ." إنه لك ، اعزفي عليه ما دمت هنا معنا ."
    تفحصت سارة بعد تردد فيك ، بحذر ." ولكني لن أعزف إلا الألحان التي أريدها ؟ الألحان المألوفة مني ؟"
    " بالطبع ، بالطبع ." عاد إلى النبرة المطاطة :" ماذا تظنين ؟"
    التقطت سارة الغيتار من على الطاولة ، ولعبت بالأوتار .
    " هذا الغيتار ثمين جداً ... لقد صنع في جنوبي المكسيك . لم تسنح لي الفرصة من قبل بالعزف على غيتار بهذه الجودة ."
    لم تبد على فيك الدهشة ." لا تشتري إيلين إلا الأفضل ، إنها معلمة الموسيقى في جامعة أوكلاند !"
    " وهل تمانع في استعماله ؟"
    " ولماذا تمانع ، وكما قلت لك ، هذا الغيتار هو لك ما دمت معنا ."
    انحنت سارة على الغيتار وضبطت أوتاره ." أنت تجازف بالاعتماد علي ، أليس كذلك ؟ كيف لك أن تعرف أني لن أفشل وأخيب أملك ؟ وأفسد عليك يوم المهرجان الكبير !"

    " لا تقلقي ، لن يكون الجمهور في مزاج انتقادي ، خاصة في آخر النهار ."
    " حقاً ." ردت سارة بنبرة شرسة ." إذاً ، هم لا يستحقون أن أعزف وأغني لهم !" أضافت باستياء وطرحت جانباً الغيتار.
    " إنه جزء من اتفاقنا ." ذكرها فيك ببرودة ." ولا أزال أذكر قولك لي ..."
    " حسناً ، حسناً." أوه ، لقد أزعجها كثيراً ! واستطاعت بجهد منع الكلمات الغاضبة التي كادت تخرج من بين شفتيها . أضافت سارة بشموخ :" لن يكون عندي الوقت الكافي كي أتمرن على أي أغنية خاصة !"
    " اعزفي فقط ما تشائين ، سأترك الخيار لك ."
    زمت سارة شفتيها الرقيقتين غضباً ، لاستهانته ببراعتها ومقدرتها على العزف والغناء . سوف تبرهن له أنها تستحق كل قرش سوف يدفعه أجراً لها . لماذا فتحت فمها وتكلمت عن خبرتها الفنية ؟ إنها خبرة متواضعة نسبياً لا تتعدى الغناء في بضع حفلات خاصة ، وحفلة موسيقية عامة في الصيف الفائت ، اقيمت لمناسبة اجتماعية .
    قال فيك :" حسناً ، هذا ينهي كل نقاش ."
    هذا الغرور لا يطاق ! فكرت سارة وهي تشتعل غضباً.
    " هذا إذا قررت أن أقوم بذلك نهائياً." قالت ، وعرفت ، بعد فوات الآوان ، من خلال نظرته الساخرة ، أنها قد خدعت نفسها ، لأنها أقرت بالموافقة على الغناء في هذه المناسبة الاجتماعية . لعنة الله عليه !
    عادت عن أفكارها وتابعت الاصغاء إلى نبرة صوته الموسيقية :" أخبريني عما عندك من ملابس ؟ فستان طويل ؟ زي يعطي الانطباع عن الحياة المنزلية السعيدة ؟ لقد وقفت أمام الجمهور في السابق ... و أعني أنك أدرى بما سوف ترتدين ."
    " أوه ، أنا أعرف أي نوع من الملابس ، تعتبره ملائماً." أجابته سارة وقد اعتراها السرور لأنها لا تستطيع تلبية طلبه في هذا الأمر ... على الرغم من تدخله في شأن ملابسها الخاصة . " لم أحضر معي الكثير من الملابس ... والذي أحضرته معي هو ملابس عمل ، سراويل جينز ، قمصاناً رياضية وسراويل قصيرة ... وما شابه ."
    " لا جدوى من هذه الملابس ." أجاب فيك باستخفاف على ما ذكرت عن ملابسها ." ما أفكر به هو زي مختلف تماماً ، وهذا لايعني أن ملابسك رديئة ، يوجد هنا ، في مكان ما في الكوخ ، زي تقليدي ، ربما لايزال معلقاً في الخزانة ، جلبته صديقة دارين معها عندما رافقته إلى هنا وصاحبته في العزف على الغيتار في مهرجان السنة الفائتة ." ثم أضاف
    فيك اطراءً لقوام سارة النحيل مما جعل لون الاحمرار الفاضح للمشاعر يعتلي وجنتيها :" هيا جربيه ، أعتقد أنه بقياس جسمك."
    " لا ، شكراً ! " تنهدت سارة بعمق وجهدت كي تسيطر على أعصابها . يا لوقاحته ، هل يظن أن له الحق ، إذا كان رئيسها في العمل ، في التدخل في حياتها الخاصة ؟
    رقت ، فجأة ، تعابير وجهه وقال :" صدقيني ، ستبدين أكثر جاذبية ، في هذا الفستان ، مما بدت فيه صديقة دارين !"
    إنه يطري على جمالها ! فيك ... من دون سائر الرجال ! هذا لايصدق . نظرت إليه بارتياب . وأدركت من ملامحه أن اطراءه لها هو غير شخصي بتاتاً . كان يجب عليها أن تعرف !
    حلت الدهشة ، بعد لحظة مكان الغضب وبان على خديها اللون الزهري ." هل تعتقد حقاً؟" انفجرت وقد كاد تنفسها أن يتوقف :" إني سأرتدي ملابس فتاة أخرى مستعملة ، لهذا التجمع المنتظر ؟"
    " إننا نطلق على هذا التجمع اسم ، مهرجان القطاف ." مغط فيك نبرة صوته.
    أحست سارة ، بطريقة ما ، أنه من الأسهل أن تبتلع تحديها له وأن تستسلم لمناورته ، حين تفادت تأثير نظراته الخارقة . " تطلب مني كل هذا . كي أرضيك؟"
    " لِمَ لا ." أتى صوته هادئاً ، يوحي بالخطر .
    لاحظت سارة أن شفتي فيك مطبقتان على بعضهما والغضب يلوح في عينيه ، على الرغم من أنه كان مسيطراً على هدوء أعصابه . إنها تستطيع الآن أن تدرك مشاعره من الطريقة التي يتلفظ بها الكلام . ومن الواضح أن هذا الرئيس لم يتعود عدم تلبية مطالبه ، أو الاستخفاف بها ، حسناً ، لقد آن الأوان كي يتعلم ، كيف سيكون مخزن هذا الكرم ، كل عالمه الخاص والصغير ، ولو أن الكرم لم يصبح ملكها رسمياً حتى الآن.
    " أفهم من ذلك ..." ما كادت تحجب نبرة صوته الخافتة والمتعثرة غضبه المكبوت :" ... أن لا نية عندك ، البتة ، لتغيير قرارك ؟"
    " أبداً ! لا نية عندي في إنشاد أغنيتك الفولكلورية ، حتى لو كنت أعرفها ."
    " باستطاعتك الاستماع إلى هذه الأغنية قريباً."
    " لا تزعج نفسك ." تنفست سارة بعمق وأعدت نفسها للصراع :" سأعزف وأنشد بضع أغنيات أعرفها ... أغنيات من الفولكلور الإنكليزي ، وأغاني حديثة شعبية يعرفها الجميع ويستطيعون المشاركة في غنائها ، إذا أرادوا
    ." كانت عيناها تتطاير شرراً ." ولكن لن أرتدي أبداً في نهاية هذا المهرجان زياً وطنياً."
    اضطربت سارة وهي تلاحظ اندفاع الدم الحار إلى خدي فيك . ولكنها تابعت تحديها ورفعت ذقنها إلى الأعلى ...
    وهي حركة أصبحت تستعملها كثيراً ، مؤخراً ... ولم تسمح لنفسها بالانهيار أمام قوة نظراته الحارقة التي واجهتها .
    " لا أعرف لماذا تهتم إلى هذه الدرجة بهذه الأغنية ." قالت بصوت رقيق لا مبالٍ :" ما أعنيه هو أنك لست مهاجراً أوروبياً من الجيل الأول ، وأنت ما تكاد تستطيع أن تدعي الانتماء إلى أي بلد في الجانب الأخر من العالم ، ولا أرى سبباً لكل هذه الضجة ..."
    " ألا ترين ؟" كاد الغضب أن ينطق من نبراته :" دعيني أخبرك !" اقترب منها في خطوة مفاجئة وأمسك بها من كتفيها بقبضة فولاذية وهزها بعنف ." هذه الأغنية هي من التقاليد الهامة هنا ، ألا تفهمين ؟"
    حاولت سارة عبثاً التخلص من قبضته ." ما أفهمه الآن ، هو أنطك تؤلمني ، أبعد يديك عني !"
    كادت سارة أن تفقد توازنها عندما أفلتها فيك فجأة . استدركت نفسها كي تستمع لما يقوله :" لقد كنت آمل أن تكون أكثر منطقية ..."
    " انس ذلك ." قاومت سارة برغم ارتباك مشاعرها .
    " دعني أخبرك أمراً ، هذه المرة ! عندما يأتي اليوم الذي سوف أرتدي فيه زياً وطنياً وأنشد أغنية كتبها أحد النيوزيلنديين عن حفاري الصمغ في الأيام الأوائل ، ستعرف أني غيرت رأيي ، وهذا ..." اعتراها شعور بالنصر ." ... بأن أقرر ... بأن أقرر ..." وحاولت ، بجنون أن تعثر على أسوأ احتمال يمكن أن تحلم به ." ... البقاء معك هنا في صن فالي ... إلى الأبد ."
    معك ... إلى الأبد ؟ ما هذا الذي قالته ! يالسوء تصرفها ! كان من الأفضل أن تركل نفسها ولا تنطق بهذا التعبير . وأدركت سارة من خلال الابتسامة الساخرة التي بانت على شفتيه ، أن مغزى كلماتها الأخيرة ، لم يفته.
    قال فيك ببرودة الفولاذ :" طالما أنا أعرف ذلك ."
    نظرت إليه بارتياب ، ولكن نظرته الجامدة لم تنم عن شيء ورغبت في هذه اللحظة برمي الغيتار في وجهه الداكن والمتهكم.
    " اسمعي ." قال فيك وقد تغير مزاجه فجأة ، وانحنى بالقرب من وجهها ، مما جعلها تشيح بنظرها عن نظرته الحارقة :" يجب أن أذهب إلى المدينة
    غداً ... من أجل نتسويق بعض المنتجات . لماذا لا تذهبين معي ؟ وهناك نمر على أحد الحوانيت ، وتنتقي لك فستاناً ترتدينه."
    إن فيك فعلاً ... قالت سارة في نفسها وهي لا تزال غاضبة والاحمرار يعلو وجهها ... يعتبرها مطية له ! هذا التفكير دعاها للقول بروح عالية :" أجل ، سوف أذهب برفقتك ، ولكن أنا من سنتقي الفستان وسوف أدفع ثمنه من مالي الخاص ، وإلاّ لن أقبله أبداً !" أن تصبح مدينة له أمر لا تطيق حتى التفكير به ." وأنا أعني ما أقول ."
    " اتفقنا إذاً." أشعلت ، النظرة المتهكمة في عينيه ، غضبها أكثر من أي وقت مضى . " سأمر عليك في الثامنة صباحاً ، هل ستكونين جاهزة؟"
    " أجل ، على ما أعتقد ." قالت وقد جرحت مشاعرها ، بعد خروج فيك ، أدركت في أي موقف قد وضعت نفسها ، رحلة الذهاب والإياب إلى أوكلاند ، ستأخذ معظم وقت النهار ... وستكون بمفردها مع فيك ! ولأن من طبيعتها أن تكون صريحة و منفتحة ، فهي بحاجة للانتباه إلى كل كلمة ستقولها . فزلة لسان واحدة كفيلة بأن تفضح هويتها الحقيقية . ولم تستغرب سارة ، أن تضعها فكرة التواجد معه في حالة من التوتر النفسي ، لم تمر به من قبل.
    ولكنها لم تقابل قط ، رجلاً يستطيع أن يخترق دفاعاتها ، و لايبقى لها إلا طريق الهروب ... أي تفادي لقائه ... إذا استطاعت ذلك أيضاً... لقد فات أوان الندم ... لقد علقت في الفخ.

    استيقضت سارة في اليوم التالي باكراً ، وانتظرت على منصة الكوخ الأمامية ، وسرعان ما رأت فيك وهو يضغط على مكابح سيارة اللاند روفر ويرقفها أمام الكوخ.
    راقبته وهو يسير نحوها فوق العشب ، وأسرت في نفسها ، أن الرجل رائع بالفعل ، ومن الصعوبة على أي كان ، تفادي تألق قوة شخصيته ورجولته . برغم ما يبدو عليه من عدم الاحساس بتأثيرهما عليها ... أو على أي أنثى شابة ، سلسة الانقياد تقع أسيرة جاذبيته المغناطيسية ... ولا غرابة في ذلك . عدلت بسرعة فكرتها ... أي فتاة لا تعرفه جيداً وغير مضطرة للعمل عنده . هنالك كلمة وحيدة يمكن أن يوصف بها ... إنه متسلط ! ويجب ان لا تنسى ذلك !
    " صباح الخير ." حياها فيك ." أنت تبدين الآن كأنك على استعداد لغزو العالم !" قال وهو يلقي نظرة الاعجاب على الفتاة ذات الشعر الداكن ،
    التي ارتدت فستاناً بسيطاً بلا كمين من قماش ناعم ، باللون الوردي الفاتح ، وتلمع عيناها بالمشاعر الباطنية.
    بدأت الحديث بخجل فيما كانت تدفع عنها أفكاراً محرجة :" أعتقد أن جو العطلة هو الذي جعلني أبدو هكذا ."
    " العطلة ؟" تساءل فيك وهو يضحك.
    " أعني عطلة العمل ." عدلت سارة جملتها وهي تبتسم .
    إنها تشعر أن في استطاعتها أن تبتسم ، اليوم ، في وجه فيك ، ويبدو أن سبب انشراحها هو هذا الصباح المشمس والرائع .
    قالت في نفسها.
    ترجل فيك من السيارة ، وفتح لسارة الباب كي تأخذ مقعدها ، ثم أغلق الباب بشدة ، ودار حول السيارة وتسلقها ليأخذ مقعد السائق . انطلقت بهما على الطريق المحاط بالأدغال ، وكانت أغصان الأشجار المنخفضة ترتطم بالسطح من حين إلى آخر ، ثم مرا ، في نهاية المنحدر ، فوق جسر وعر يعلو جدولاً . ومن هناك اتجها إلى الطريق الرئيسي للسيارات ، الذي أحاطت بجانبيه غابات كثيفة من الأشجار المختلفة التي رمت بظلالها عليه.
    دهشت سارة ، وهي قابعة في مقعد اللاندروفر المرتفع ، لاحساسها بأن ركوب هذه السيارة هو أكثر متعة وإثارة من ركوب الحافلة الفخمة التي أقلتها إلى صن فالي وقد يكون السبب هو الارهاق الذي اعتراها من جراء رحلتها الطويلة بالطائرة ، أما الآن ...
    " أنت لا تتكلمين عن نفسك كثيراً ، وتحتفظين بهذه الأمور في داخلك ، أليس كذلك ؟" هزت كلمات فيك ، سارة وأخرجتها من مزاجها الحالم.
    دقت أجراس الخطر ، مرة أخرى ، في رأسها ." ماذا تعني بذلك ؟"
    " أعني ، أنت لا تتكلمين عن عائلتك وأصدقائك وكل هذه الأمور ." تمتم فيك :" أنت لا تتحدثين عن ذلك ، أبداً."
    " لا أتحدث عنهم ؟" لعقت سارة شفتيها الجافتين فيما كانت تحول كسب الوقت . هل هو يرتاب بهويتها الحقيقية ؟ جهدت سارة كي تأتي نبرة صوتها لا مبالية .
    " هذا ، لأنه ليس عندي أحد أتكلم عنه ... ما أعني ، هو ليس عندي أقرباء . إني أقيم مع عمتي ." أضافت سارة وحبست أنفاسها بانتظار أسئلة أخرى.
    ولكنها وجدت ، بعد دقائق ، أنه لايوجد أساس لمخاوفها . كل ما هنالك ، أن فيك أظهر بعض الفضول في هذا الأمر . ثم سمعته يقول :" معظم
    الفتيات كن قد فضلن اختيار مكان آخر للسكنى ." كان يحدق في الطريق الممتد أمامه ، ورأت سارة عصفوراً ينطلق من بين الأشجار ويطير قليلاً حول السيارة ثم يحلق مرتفعاً إلى أعلى الأشجار .
    " يبدو أنك سعيدة وقانعة بالإقامة عند عمتك؟"
    " أجل ، أنا سعيدة ." أكدت سارة له :" لو لم أكن كذلك لما بقيت عندها ." لماذا يلقي عليها الأسئلة بشأن حياتها العائلية ؟
    نظر فيك إليها جانبياً ." أو ... لو عثرت على شخص تريدين البقاء معه ، طول الوقت ." اقترح عليها بنبرته الممغوطة التي تكاد أن تصيبها بالجنون.
    " لا أدري ، ولكني لم أعثر بعد على مثل هذا الشخص ." أجابت بانفعال ، وأدركت بعد ثوان ، أن فيك نجح مرة أخرى ، في انتزاع معلومات عن حياتها الخاصة في انكلترا . ولم تستطع أن تفهم سبب اهتمامه وفضوله بهذا الأمر.
    " إني أستشف الأمر ، فقط ." قال فيك هذه الجملة بصوت خافت جداً إلى درجة أن سارة تساءلت عما إذا كانت قد سمعتها حقاً . يستشف أي أمر ؟ وأحست بطعنة من الخوف تخترق أعماقها ، ولكنها طرحت الشك جانباً.
    أوقف فيك اللاندروفر في ظل الأشجار الباسقة على جانب الطريق ، عندما انتصف النهار وبانت الشمس في قرص السماء الزرقاء الصافية . ورأت بالقرب من مكان توقفهما ، فسحة منحدرة من الأرض مغطاة بالأعشاب وفي أسفلها يجري جدول ماء صافٍ رقراق.
    " حان وقت الغذاء." قال لها باختصار وهو يترجل من اللاندروفر ويدور حول السيارة إلى الجانب الآخر ويساعدها في النزل على السلم المرتفع للسيارة .
    " اقفزي ، وسوف أمسك بك ." رأت ابتسامته الفتاكة . هل من المحتمل أن يكون اللمعان الكسول الذي يظهر في أعماق عينيه الداكنتين ، هو الذي يثير أعصابها ويجعلها تتعثر بخطواتها وترمي بنفسها بين ذراعيه المنتظرتين ؟
    لم تكن سارة مهيأة لتتحمل ردة الفعل عندما أحاطت ذراعاه المفتولتان بجسمها . تولد عندها شعور بقوته ورجولته . تباطأ فيك في افلاتها ، ولما فعل ، كانت سارة تتنفس بسرعة وأخذ قلبها ينبض بسرعة . استرقت النظر إليه من تحت أهدابها ولم يبد عليه أنه شعر بتأثير قربه عليها.
    لأنه استدار مبتعداً إلى مؤخرةاللاندروفر وجلب من داخلها سلة الطعام . ولم تعن له شيئاً ، اللحظة المجنونة ، حين التصق بها . وسارة لم تفهم لماذا اعتراها هذا الشعور المفاجئ بالاحباط.
    ألقت بنفسها على العشب الجاف ، ولحق بها فيك وجلس القرفصاء إلى جانبها . ثم فتح براد الثلج وأخرج منه زجاجة من شراب الفاكهة . ورأت سارة داخل سلة الطعام شطائر من البيتزا ، ومخللات متنوعة وكعكة جزر مغطاة بكريمة الليمون اللذيذة ، وفاكهة الكيوي والدراقن بحجمه الكبير ولونه الذهبي.
    أمسكت سارة بكوب من البلاستيك فيما صب فيك الشراب فيه ." إن هذا النوع من الشراب ، يلذ مذاقه أكثر في الأماكن الخارجية ، ألا توافقين ؟"
    " حتماً!" ابتسمت سارة ." هل تعرف أنها المرة الأولى في حياتي التي أتذوق فيها الكيوي ؟ إن سعرها في انكلترا مرتفع جداً وليست في متناول الجميع ."
    ضحك فيك ."هنالك مرة أولى لكل شيء ." وشطر إلى نصفين ، حبة كيوي البيضاوية الشكل والخضراء اللون وناولها نصفاً. تأملت سارة ، وهي تلتهم الكيوي اللذيذة الطعم ، في أنها لم تتمتع منذ مدة طويلة بغداء كهذا .
    " أنا لم أستغرب إقامتك في المنزل الكبير ." تمتمت سارة :" خاصة و أن لديك طباخة رائعة مثل كيت ..." توقفت فجأة عن متابعة الكلام ، عندما أدركت من خلال اسوداد ملامحه ، أنها ارتكبت خطأ ما ! ومن الواضح أن تعليقها البريء قد أثار ذكريات أليمة في نفسه ، عن الفتاة التي كاد أن يتزوجها منذ سنة ، ولا يزال يهيم بها ... شعرت سارة بطعنة في قلبها عندما وصل تفكيرها إلى حبيبته السابقة .
    من المؤكد أنه لايزال يحبها ، لأن رجلاً من نوعيته يستطيع أن ينتزع الاهتمام العاطفي من أي فتاة تعجبه ، ما عداها ... بالطبع فهي مختلفة عن غيرها!
    " هيا ، لنتابع رحلتنا ؟" قال فيك باختصار.
    نسيت سارة مزاج فيك المتعكر ، عندما استأنفا طريقهما ولفح الهواء المنعش وجهها . بقيت صامتة وهما يقطعان الكيلومترات على الطريق ، وغرقت في إحساس من الاسترخاء الممزوج بالمتعة .
    شاهدت سارة من نافذة اللاندروفر على التتابع ، التلال المغطاة بالغابات ثم الأراضي المنبسطة حيث المزارع ومراعي الغنم وبعد ذلك مراعي
    الغزلان الرشيقة المحاطة بالأسلاك وأخيراً المنحدرات الخضراء حيث بساتين البرتقال وفاكهة الكيوي .
    دخلت اللاندروفر ، بعد ذلك ، المناطق الآهلة بالسكان وشاهدت سارة القرى والبلدات الصغيرة المتناثرة هنا وهناك ثم مرا في طريق سيارات فوق المستنقعات التي تحدثها مياه المد والجزر وحيث توجد أرصفة اليخوت وقوارب النزهة . ولما انتهت هذه الطريق الملتوية ، وجدت سارة نفسها في شارع زرع جانباه بالأشجار ، ورأت مياه مرفأ أوكلاند . نسيت كل اضطرابها وانزعاجها من فيك .
    وأعتراها شعور بالشفافية والمتعة والسرور ، دفعة واحدة . بتأثير الجو الجديد الذي أحاط بها وسحر الشمس الساطعة .
    قاد فيك اللاندروفر حول متنزه عام ممتلئ بالزهور الجميلة المتنوعة ثم أوقفها إلى جانب الشارع . وأقفل أبواب السيارة ، ثم سارا معاً على الرصيف مع المتبضعين .
    توقف فيك عند مدخل سوق تجارية مليئة بالحوانيت المزينة ثم أشار بيده نحو ناطحة سحاب :" يجب أن أقابل شخصاً في مكتبه هناك ، والبناية تقع على الشارع الثاني ، ستجدين في هذا السوق عدة محلات ." تابع فيك توجيهها :" وقد يسعدك الحظ وتعثرين على ملابس تعجبك ." ألقى عليها الضحكة التي تأسر القلوب والتي بدا أنها لن تستطيع مقاومتها أبداً." هل تعتقدين أن ساعة تكفيك كي تعثري على شيء يناسبك ؟"
    ابتسمت سارة في وجهه الذي سمرته الشمس . إنها تجد في نفسها اليوم سهولة في التعامل معه ، وأجابته ضاحكة :" هذا يعتمد على الأسعار!"
    " لا تعيري بالاً لذلك ." لمع شيئاً ما في عينيه ، للحظة ، ثم اختفى وكأنه أراد أن يضيف شيئاً ثم غير رأيه.
    " سأراك بعد ساعة ."
    حاولت سارة الاعتراض ، على ما ارتابت في معنى كلامه ولكن الأوان فات ، لأنه لوح بيده واستدار مبتعداً ، ورأته يعبر الشارع إلى الجانب الآخر.
    حدقت سارة في ظهر فيك وهو يبتعد وقالت في نفسها .
    إنها أصبحت تتخيل أموراً سخيفة من جراء تأثير نظرته الغامضة والساحرة . ولكنها لن تهتم لهذا الأمر ، ألم توضح له أن لا نية عندها للسماح له بدفع ثمن الفستان الذي سوف تشتريه من أجل الاحتفال ؟ وقررت وهي تشعر بالسعادة والانشراح ، أنها لن تشتري إلا فستاناً معتدل
    الثمن ويعجبها ، لترتديه في مهرجان الشراب أو أي مناسبة أخرى شبيهة قد تحصل لاحقاً في صن فالي .
    أصرت سارة على عدم التلهي بالنظر إلى واجهات الحوانيت التي تعرض الملابس المختلفة والخلابة .
    وتوقفت أخيراً أمام حانوت صغير وكتب على لافته الإسم أنطوان بأحرف ذهبية مضيئة ، دخلت إلى الحانوت وبنظرة سريعة متفحصة للملابس المعروضة أدركت أنها لن تجد طلبها ، ولم يعجبها أي شيء ولم يحالفها الحظ أيضاً في مخزن كبير يحتوي على أنواع عديدة من ملابس النساء . ياللسماء ، فكرت سارة ، إذا لم تتوقف في العثور على شيء يناسب ولم تجد في الحانوت التالي الذي تقصده فستاناً يعجبها ...
    دخلت سارة مخزناً مؤلفاص من غرفة صغيرة علوية وحجرة تبديل . ورأت بداخله عدداً قليلاً من الفساتين المعروضة التي يمكن الاختيار منها .
    حيت البائعة المتوسطة العمر ، التي كانت تلبس زياً أسود اللون ، سارة بابتسامة لطيفة . وكونت بنظرة خاطفة انطباعاً عن قوام سارة النحيل وتقاطيع جسمها ، فيما أصغت إلى زبونتها وهي تشرح لها ماتريد.
    لم تضع البائعة أي وقت ودخلت إلى الغرفة الخلفية ثم خرجت وبيدها فستان قرمزي اللون, تفصيله مميز يشد الأنظار."قد تجدين هذا الزي غير محتشم قليلا..." قالت وهي تبسط الفستان على الطاولة أمام سارة كي تتفحصه:"..... ولكن بالنسبة إلى فنان...."
    تفحصت سارة الفستان بعناية وهزت برأسها:"لا,ليس هذا طلبي!"
    تأبطت سارة حقيبتها وكانت على وشك الخروج عندما نادتها البائعة:"انتظري,لدي بعض الأزياء التي لم يأت اصحابها لتسلمها. وقد دفعوا عربونا عليها في بداية الصيف.لذلك خفضنا كثيرا أسعارها, وهي صفقة جيدة في حال انطبق واحد منها على مقاسك."
    أزاحت البائعة ستارة في زاوية الغرفة لتكشف عن مجموعة من الفساتين المختلفة .وجدت سارة بينها فستاناً أسود من قماش ناعم, يهتز على علاقته بفعل النسيم الذي يهب من النافذه المفتوحة .أعجبها الفستان من اللحظة الأولى ولاحظت بنظرة خاطفة , تفصيل الياقة الجذابة, وتفصيل الخصر الذي تلف الجسم ويظهر التقاطيع النحيلة.
    وبدا أنه على مقاسها وأن طوله مناسب.
    وقبل أن تلتقط سارة الفستان الأسود , امتدت يد سمراء وراءها وانتزعت الفستان من علاَقته.
    "انظري إلى هذا ." الصوت المطاطي المألوف لها , ثانية , استدرات لترى فيك يحدق بها. ياللوقاحة , فكرت سارة باستياء .يصل إلى مكان لقائهما قبل الوقت المحدد ويلاحقها إلى هذا الحانوت في الوقت الذي تتمنى فيه أن يكون بعيداً عنها آلاف الكيلومترات!
    ولاحظت سارة بإضطراب أن نظرته الفاحصة قد وقعت على تقاطيع جسمها النحيل ومن دون سبب وجدت صعوبة في النظر إلى وجهه المبتسم ."كأن هذا الفستان قد فُصّل خصيصاً لك, وعلى مقاسك تماماً, هل أنت راضية." قال فيك بحماس.
    "أنا أشك بذلك." كذبت سارة.
    وكالعادة , لم يدخل فيك معها في نقاش.: "جربيه!" قال لها وهو يرمي بالفستان فوق ذراعها.
    تقلصت شفتا سارة تمرداً, لو كان فيك أي رجل آخر, فكرت وهي تبدأ بالغليان,لأتت الجملة منه كاقتراح , أما من فيك فقد أتت كأمر عسكري !
    وصممت سارة على أن لاتدعه يتخطى إرادتها,ألم تكن الغاية من قدومها معه إلى أوكلاند اليوم هي أن تنتقي بنفسها الفستان الذي سوف ترتديه في يوم المهرجان؟
    جهدت سارة بأقصى استطاعتها كي تنم نبرة صوتها عن اللامبالاة وتمتمت :"سأفكر به, وسأجرب هذا الفستان أيضاً." وانتزعت بعنف أقرب فستان معلق على السكة ودخلت حجرة تبديل الملابس.شيء مافي داخلها كان يشعرها أن الفستان الأسود هو الذي تمنت الحصول عليه....
    مميز وناعم وبسيط ويماشي أحدث تطورات الموضة.تمنت سارة في نفسها أن لا يطابق مقاس الفستان مقاسها! ولكنه من مقاسها تماماً. نظرت إلى نفسها في المرآة الطويلة... وشاهدت أطراف القماش الأسود المشبك والناعم تتراقص مثل النسيم حول كاحليها.لماذا لم ترتدي ملابس سوداء من قبل؟ لأنها لم تعتقد في مامضى أن هذا اللون يلائم بشرتها, وهنأت نفسها على حسن قوامها ولون بشرتها الشديد البياض...
    لم يعد عندها أدنى شك ... هذا هو الفستان الذي تريده.
    رفت عينا سارة عندما وقع نظرها على الرقم المكتوب على بطاقة السعر .إذا كانت هذه هي الأسعار العادية...ولكن مرة واحدة في حياتها...فكرت سارة بتهور,سوف تسرف على نفسها وتشتري ماتريده فعلاً, مهما كان الثمن.وعلى أي حال, هي لم تنفق أي شيء ,تقريباً, من مدخراتها أضف إلى ذلك راتبها الأسبوعي من العمل في الكرم.
    "هل أستطيع الدخول؟" أتاها صوت فيك في ذات الوقت الذي تحاول فيه اتخاذ قرارها بشأن الفستان.
    أزاحت سارة الستارة التي تفصلهما ورأته ينظر إليها باعجاب." إنه رائع ويعجبني!" تعابير الأنشراح والسرور البادية على وجهه كادت أن تصيب سارة بالجنون.أي شخص موجود هنا كان سيتخيل ... فكرت سارة ... من خلال تعابير وجه فيك أنه مصمم هذا الزي .أدار وجهه نحو البائعة التي كانت منشغلة في مؤخرة الغرفة وقال لها بحماس :" هذا هو !مانريده , سوف نشتريه!"
    "نشتريه ,بصيغة الجمع؟" حدقت سارة في وجه فيك الطفولي وعيناها تكادان أن تلتهماه.
    نقلت البائعة نظرها بين فيك وسارة وهي حائرة في ما يجب أن تفعله ." هل أنت مقتنعة بهذا الفستان ياسيدتي؟"
    استفهمت من سارة بلطف ."وماذا عن السعر؟"
    مرة أخرى ,هدد طوفان الغضب بإ غراق مشاعرها, وأسدلت الستارة عليها محدثة ضجة بفعل احتكاك علاقاتها المعدنية بالسكة ولم يبق إلا رأسها ظاهرا للأعين.
    "باستطاعة هذه السيدة أن تقرر بنفسها ماتريد شراءه!"
    انفجرت بالكلام ."واجل..." أضافت وهي ترمق فيك بنظرة حارقة:" أعتقد أن هذا الفستان هو مناسب لي!"
    وكأن دهراً قد مر عليها داخل الحجرة عندما خرجت بشعرها المتطاير في كل الاتجاهات وبفستانها الأحمر القديم يجرجر نفسه عليها بخجل وشاهدت البائعة تكتب الفاتورة .
    "أنا الذي سأدفع ثمنه." قالت وهي تلاحظ بسرعة أن فيك كان واقفاً إلى جانب البائعة , وقد وقعت عليها نظرته المتهكمة على خديها المحمرين وشعرها المنبوش.مدت يدها داخل حقيبتها."لقد أتيت من انكلترا وليس معي غير الشيكات السياحية , هل تقبلين بها؟"
    "بالطبع!"
    بحثت عن الشيكات في حقيبتها من دون جدوى:"أنا متاكدة أني أحملها ...في مكان ما هنا ." وفتشت بيدين مرتجفتين . وبشعور من الحرج, محتويات حقيبتها ثم تذكرت أنها لم تجلب معها دفتر الشيكات لأنها أزالت المغلف الطرف الذي يحتويه من حقيبتها في الليلة الماضية ولم ترجعه إلى مكانه.


    " أنا أسفة ." تمتمت بحسرة للبائعة المنتظرة:"لن أستطيع شراء هذا الفستان بعد كل هذا التعب."
    "لابأس " قال فيك برقة ,لم تساعدها في تخفيف شعورها بالخجل الشديد , ووضع بطاقة اعتماده على الطاولة أمام البائعة, فيما كانت سارة تنتظر في صمت وعيناها ترسلان الشرر في اتجاهه, وكانت البائعة تكتب وصلاً بالمبلغ.
    لفت البائعة الفستان بورق خاص ووضعته في كيس من البلاستيك الأبيض والذهبي وناولته لفيك , ألقى عليها تحية الوداع عندما قالت بلطف وهي ترمقهما :" أتمنى أن أراكما ثانية."
    "لا أعتقد , إذا وجدت سبيلاً لذلك!" قالت سارة من تحت أنفها وسارت إلى جانب فيك , وهي تحس أن خديها يحترقان من كثرة تدفق الدم إليهما, بإتجاه الشارع حيث كانت اللاندروفر متوقفة .
    "لاتتكدري." قال فيك بنبرة أسرت قلبها ,إنه على الرغم من كل شيء ,مازال يستطيع التأثير في عواطفها:"إن كلفة هذا الفستان هي جزء من كلفة العرض الغنائي وأنا لا أفهم معنى لهذا الاستياء الذي تبدينه."
    رمقته سارة بنظرة متعالية , وأدركت من التهكم البادي على طرفي شفتيه ,أنه يدري تماماً مدى شعورها في هذا الشأن.
    "ماكنت اشتريته , لوعرفت ذلك."قالت وهي تحاول أن ترفع من معنوياتها:"... على الأقل ,ليس قبل أن أحصل على ثمنه! كنت سأعود لشرائه عندما أعثر على دفتر شيكاتي... بطريقة ما ."
    "أنت تعرفين أنك لن تعثري عليه." وصلا إلى حيث كانت اللاندروفر متوقفة وفتح فيك أبوابها:" ولن يكون بمستطاعك العودة إلى هنا , حسناً, لقد خمنت!" قال وقد لاحظ غضبها :"إني لن آتي بك إلى هنا ثانية."
    "لم تكن عندي النية لطلب ذلك منك." ثم أضافت بعد أن راودتها فكرة مفاجئة:" هل تقبل الشيكات السياحية؟"
    أجابها فيك بهدوء:"كلا , ليس منك ياسارة."
    سارة لم تشعر بالرغبة في الاستسلام " إذاً , أريدك أن تحسم ثمن الفستان من راتبي الأسبوعي!" قالت وهي تشعر بأن الأهواء تعصف بها فيما كانت تتسلق درج اللاندروفر العالي:"لايهمني إذا كنت سأدفع آخر قرش أقبضه."
    أغلق فيك باب السيارة الثقيل عليها , ثم دار حولها واتخذ مقعده ونظر نحوها :"أريدك أن تفهمي الأمر نهائياً,أنا الذي يدفع كل تكاليف الاحتفال في صن فالي بما فيه ثمن الفستان ولاحاجة لأن أقول , كان عليك أن

    تدركي هذا الأمر عندما كنت تراجعين حسابات المصاريف للعام الماضي!"
    "أجل , لقد فعلت! ولكن الحسابات لم تتضمن ثمن ملابس دارين التي ارتداها في يوم المهرجان !أو ثمن الزي التقليدي الذي ارتدته الفتاة التي صاحبته في العزف والغناء.ولم يكن مسجلاً إلا المبلغ الذي قبضه أجراً على إقامة الحفلة." شعرت بالخيبة لارتجاف صوتها ."لقد أخبرتك مراراً ولكن يبدو أنك لم تفهم بعد ! إني لا أحتاج لك , كي تشتري لي أي شيء, وكما قلت , سأدفع ثمن الفستان من راتبي."
    هز فيك كتفيه العريضتين."لا بأس , إذا كان هذا ما تريدين."أجابها فيك .إن نشوة الأنتصار لم تدم أكثر من لحظة لأن فيك أضاف :"بالطبع سوف أزيد راتبك ليصبح متناسباً مع مدفوعاتك."
    فتحت سارة فمها كي تعترض ثم أغلقته ثانية , أوه , إنه يجننها , مغرور , مترفع , أناني ويبدو أنه لاتوجد وسيلة لقهره.
    اعتلت شفتيها ابتسامة رياء ولم تفت الحركة نظر فيك ."ماهو الشيء الذي يضحكك؟" سألها .
    أجابت سارة بصوت خافت :"لاشيء, لاشيء بتاتاً, كنت أتأمل فقط. كم أنت عنيد , لاشيء يقف في طريقك عندما تصمم على شيء."
    نظر فيك إليها جانبياً بتهكم ."مضحك , ها , لقد كنت أفكر في هذه اللحظة , كم أنت عنيدة .رأس تيس , هذا مايطلقون على العنيد في لغة الكيوي." قال فيك فيما كان يدير محرك السيارة ويبدأ رحلة العودة إلى الكروم.
    قاد فيك اللاندروفر على الشارع المزدان بأنوار الحوانيت المختلفة والمبهجة , وواجهات العرض الخلابة, وتوقف الجدال والنقاش الحاد بينهما.
    " هذا الحي يحتوي على كثير من الحوانيت التي تبيع بضائع مسروقة , هل تريدين إلقاء نظرة وسأقلك لاحقاً."
    "لا , شكراً." أجابته سارة ببرود , من دون أي مال في حقيبتها , يفقد التبضع –حتى التبضع النظري- اغراءه، وهي تفضل بكل بساطة أن تموت على أن تطلب من فيك أن يسلفها , اليوم , أي مبلغ.
    "لم أعتقد انك ستقبلين." عاد ثانية إلى النبرة الممغوطة.
    ياله من أخرق لايرحم !




    الفصل السادس

    كانت سارة , لاتزال مستاءة من تصرف فيك, عندما دخلت بيتها, مرهقة من تعب الرحلة.هرعت، مباشرة, إلى غرفة النوم وألقت على السرير كيس بلاستيك الذي يحوي فستانها الأسود,ثم ذهبت إلى المطبخ وتناولت من الثلاجة عصير برتقال مثلجاً.
    تناولت سارة مجلة, وهي تشعر بقلق غريب , وتصفحت العناوين الرئيسية ثم طرحتها جانباً . وبدا لها انها لا تستطيع التركيز على القراءة . هل أسدلت ساحرية فيك المغناطيسية , ستاراً على تفكيرها؟
    كي تسلي نفسها , امسكت سارة الغيتار الذي جلبه فيك وأخذت أصابعها القوية تتلاعب بالأوتار.هذه فرصة كي تتمرن على الأهازيج والأغاني التي تعرفها , تحضيراً لحفلة مهرجان الكرمة التي لم يبق على إقامتها إلا يومان. أول ما تبادر إلى ذهن سارة هو أن تعزف ... للتسلية فقط.... أغنية نيوزيلندا الفولكلورية التي أثار فيك حولها الزوابع . ليس لأنها ترغب في انشادها أمام الجمهور ... لن تفعل ذلك ابداً ... ولكنه مجرد فضول.قفزت على قدميها وهرعت إلى غرف النوم حيث بنطال الجينز ملقى وأخذت من جيبه ورقة النوطة الموسيقية .بسطت الورقة المطوية أمامها , وانحنت على الغيتار مما جعل خصلة من شعرها الغزير البني تنسدل على جبينها.التقطت ببطء إيقاع اللحن, ثم دوزنت الأنغام بسرعة , بمصاحبة خبطة قدمها على الأرض مع الإيقاع . ودوى النغم في سكون الغرفة . وكما توقعت, كان اللحن هو نفسه الذي دندنه فيك مراراً.
    وضعت سارة , فجأة الغيتار جانباً , وهي مدفوعة برغبة رادوتها طول الأمسية ولم تستطع مقاومتها , سارت الى خزانة الملابس وبحثت بين محتوياتها ... انه فضول فقط, قالت سارة في نفسها , ولايضر بشيء إذا هي ألقت نظرة على الزي اليوغسلافي التقليدي الذي تكلم عنه فيك بحماس... هذا إذا وجدته .فتحت الدرج الموجود في أسفل الخزانة ووجدت داخله كومة من القماش ولما سحبتها, تبين لها أنها فستان من القطن الناعم , كمّان طويلان مزكرشان حافته مطرزة , بشكل رائع , باليد وبخيوط وردية وبيضاء.ارتدته ونظرت إلى نفسها في المرآة الطويلة . وقد أقرت في نفسها أن هذا الزي الأوروبي التقليدي قد زاد بجمالها . ولكن هذا غير مهم , أنبت سارة نفسها ... مايهم هو المبدأ ... ولهذا لن ترتديه برغم روعته . خلعته عنها وطوته ثم وضعته في أسفل الخزانة. ولايهمها إذا بقى هذا الزي هناك إلى الأبد .


    ارتفعت نسبة رطوبة الجو في الليل إلى درجة كبيرة , فيما كانت سارة تتقلب على سريرها وقد جفاها النوم, بسبب العاصفة الرعدية التي كانت تزمجر في الخارج , من دون أي لمعان برقي .دوى , فجأة , صوت رعد عالٍ وخيل لسارة ان الصوت أتى من فوق رأسها مباشرة, وخاصة لأنها لم تشهد من قبل عاصفة رعدية كهذه. وتمنت في نفسها أن يهطل المطر كي تنخفض حرارة الجو.
    قررت سارة بعد أن قطعت الأمل في إمكانية النوم, أن تبرد نفسها في بركة السباحة . وكانت فكرة الغطس في مياه البركة مغرية إلى درجة أنها لم تأخذ أكثر من دقيقة كي تخلع عنها ملابسها وترتدي المايوه البيكيني الأسود وتهرع خارجاً.
    تبللت قدما سارة, عندما أصبحت خارجاً, من الندى الذي يغطي العشب . وكان الهواء مثقلاً باحتمال هطول المطر, والأشجار ترمي ظلالاً سوداء على الأفق , ولمعان البرق ينعكس تباعاً على صفحة مياة البركة.
    سحبت سارة على طول البركة , بانسياب هادئ كادت به أن توقف تموج الماء , وتمتعت بالشعور اللذيذ الذي غلفها به الماء البارد . وتوقفت قليلاً عندما وصلت إلى نهاية البركة وتحسست قعر البركة الصلب كي تقف عليه.دفعت إلى الوراء شعرها المبلل والمنسدل على وجهها , وفيما كانت على وشك البدء بجولة ثانية من السباحة .تحرك نحوها ظل داكن.
    " مرحباً ,يا سارة ." وسمعت صوت فيك المتهكم والممغوط .
    " أنت!" أحست أن قلبها يكاد أن يتوقف عن الخفقان وسمعت نفسها تسرع القول بسخافة :" ماذا تفعل هنا؟"
    أجابها فيك بهدوء :" أتمتع بالبرودة ,فقط."
    "في الثالثة صباحاً؟"
    "من يتكلم!" وأخمد دوي الرعد صوته."هيا, سوف اسابقك حتى الطرف الآخر من البركة ." أضاف فيما كان لمعان البرق في الأفق يضيء وجهه الضاحك.
    استدارت على نفسها في لمح البصر وبدأت تضرب صفحة الماء على غير جدوى , فقد أدركت سارة على الفور أن لا أمل عندها في أن تسبقه , عندما رأته .يسبح مستعملاً, ضربات الكراول السهلة والخفيفة .ولما وصلت إلى حافة البركة ووقفت على القعر , وجدته بانتظارها... ظلاً بين الظلال.
    قالت , بفعل غريزة الدفاع عن النفس , وتنفسها يتقطع:"سأعود الآن إلى الكوخ..."
    تقدم منها فيك سابحاً وسد عليها الطريق ."لِمَ العجلة؟"
    لم تحس في نبرة صوته مايهددها , ولكن لماذا يخفق قلبها بهذه السرعة؟ استدارت حوله بخفة وقالت :" أراك في الصباح."
    أمسك بيده القوية ذراعها." أنت ترتجفين." وسمعت سارة نغمة غير مألوفة في صوته :"لماذا ترتجفين,يا سارة؟"
    "اني أشعر بالبرد." أجابته وهي تتنفس بسرعة " أجل، اني أشعر بالبرد."
    "لو كان ذلك صحيحاً , لتركتك تذهبين؛ مما تهربين؟"
    "أنا لست هاربة من شيء." ردت عليه بسرعة ."و كيف أستطيع الهروب وأنت تسد الطريق علي؟ أتعرف هذا؟"
    وسمعت سارة نفسها تقول أول شيء خطر في رأسها لكسر طوق السحر الذي تشعر انه يخترق أحاسيسها اكثر مع كل لحظة تمر :" عندما وقع نظري عليك وأنا في البركة ظننت انك خرجت من المنزل كي تلحق بي..."
    "ألحق بك؟" إنها تكرهه عندما يتكلم معها بهذه النبرة المتعالية والساخرة .
    " ولماذا أفعل ذلك؟" سألها.
    "كيف لي أن أعرف ؟" وشعرت أن لمسة يده على ذراعها تعصف بأفكارها بشدة ." ربما , لأنك متلهف لأن تعرف إذا غيرت رأيي في انشاد أغنيتك الخاصة!"
    "لقد عزفت اللحن جيداً عندما كنت تتمرنين , بعد الظهر, وأنا متأكداً أن عزفك في الحفلة سيكون أفضل."
    إذاً , فيك استرق السمع عندما كانت تتمرن بعد الظهر , يالغرورو هذا الرجل! وحاولت السيطرة على أعصابها , انه يعتقد، فعلاً, اني سأقفز ملبية طلبه , برغم كل ما قلته عن عدم رغبتي بإنشاد هذه الأغنية !
    " كلا."صرخت سارة في وجهه :" لقد أخبرتك مراراً! لن أغني هذه الأنشودة أبداً !"
    "لا؟" خيم الصمت المشحون بالتوتر إلى ان قال فيك:" باستطاعتي أن أغير رأيك!"
    أحست سارة بشيء ما في نغمة صوته التي تربكها . شيء مؤثر مثل لمسة حب , يجعل مشاعرها تدور حائرة على نفسها, وتنفسها يأتي متقطعاً. وقررت أن لا تدعه يعرف بما تشعر به , ويجادلها بما يشاء , فلن تسمح له بتأثير عليها . :" باستاعتك أن تجرب!" قالت متحدية وانتظرت الوسيلة الجديدة التي سيستعملها في اقناعها.
    عانقها فيك بقوة ... ولم يعد يهم مرور الوقت.

    وأخيراً , أفلت فيك سارة, وسمعت منه ضحكة ابتهاج خافتة ونبرة صوته الخشنة تقول :"ألم أقل لك , اني أستطيع تغيير رأيك."
    مضت برهة قبل أن تسجل في عقلها هذه الجملة وتدرك أهمية مغزاها . وقد أثلجها هذا الإدراك.
    " أنت ... أنت ... " أحست بالاختناق ولم تستطع متابعة الكلام . ما أغباها , لقد أساءت تفسير نبرة صوته الخشنة وضحكة الابتهاج الخافتة . لقد كان يتلاعب بعواطفها متعمداً , كي يقنعها بإنشاد أغنيته اللعينة . والأمر المهين في هذا , انها تجاوبت معه.
    اعترى سارة غضب عنيف, تفجر اتهامات قالتها له :"اسمع , لدي ما أخبرك به! " صرخت في وجهه :" لم أغير رأيي ولن أغيره أبداً !"
    قفزت سارة وسبحت مبتعدة عنه , بضربات انسيابية , إلى الجانب الآخر , من البركة وهذه المرة لم يحاول إيقافها , ولماذا يفعل؟ فكرت وهي تغلي في داخلها . إن فيك العنيد والمخادع ... كما تعرفه الآن ... يجب أن يعرف أنه خسر معركته معها.
    تسلقت حافة البركة وهي تلعن نفسها وتلعن فيك , وانساب الماء من شعرها عندما ركضت فوق العشب الندي عائدة إلى الكوخ , مبتعدة عن القوة التي مارس فيك تأثيرها علي عواطفها الشاردة .
    كيف أمكنها أن تنسى , لامت سارة نفسها , أي نوع من الرجال هو ؟ موجة الألم أمسكت قلبها . لقد اعتقدت بالفعل , انه عانقها لأنه... رغب بذلك .ماهذا الجنون الذي أصابها؟ وتعثرت خطاها فيما تدخل الكوخ وهي تشعر بالمهانة والغضب.
    استيقظت سارة على ضوء الصباح المشع وهي تشعر بثقل جفنيها , وصممت بينها وبين نفسها على أن تخفي بأي وسيلة وإلى الأبد, مشاعرها الحقيقة عن فيك الذي سيبقى بعيداً طوال النهار في الكرم, وهذا أفضل .لأنه لايهتم بها بطريقة أو بأخرى. فالعناق الذي اربك مشاعرها وهز عالمها وكلفها نوم ليلة, لم يؤثر به اطلاقاً, وتمنت لو لم يؤثر بها أيضاً.
    قالت سارة في نفسها , انها لن تلتقي فيك كثيراً , في يوم المهرجان لأنه سيكون منشغلاً مع المدعوين والزوار المتوقع حضورهم. وهي، على أي حال , ستكون منشغلة بالعزف والغناء لهم .أما ما تحتاجه في الوقت الحاضر , فهو أن تشغل نفسها بأي عمل كي تنسى ماحدث... وأفضل طريقة لذلك هي أن تنظف المخزن قبل وصول الزوار عند الظهر.
    شاهدت سارة وهي سائرة في طريقها إلى المخزن, وبرغم الوقت المبكر, فيك وهو يصف طاولات صغيرة ومقاعد في ظل أشجار الماكروكاربا
    العملاقة.كما وضع طاولات نزهة بالقرب من موقد المشاوي.ولأنه لايمكنها تفادي الالتقاء به , أخذت نفساً عميقاً, وهزت رأسها ببرود, وقالت بصوت حاولت أن يكون هادئاً:"صباح الخير , يافيك!."
    " أهلاً, سارة." أجابها , وهو يرمقها بابتسامة أفسدت عليها ماقررته في أن لا تفكر به :"هل كل شيء جاهز لليوم الكبير؟"
    "أجل, على ما أعتقد!" تمتمت سارة, وهرعت مبتعدة.
    حيّت كيت سارة بارتياح عندما دخلت مطبخ المنزل الكبير:" ادخلي يا سارة , لقد وصلت في وقتك, كنت سأذهب وأبحث عنك..." شاهدت سارة, في نظرة سريعة على ماحولها في المطبخ, انه ممتلئ حتى آخر سنتيمتر... بأواني الطبخ, والمأكولات المتنوعة, والخس الطازج, والبصل والبطاطا المطبوخة, وعدة أصناف من الجبنة, وعدة أصناف من الحساء ومجموعة متنوعة من السندويشات الصغيرة الحجم." أريدك أن تساعديني في تحضير السَلَطَات." قالت كيت:" أنا أفضل أن أقدم عدة أصناف منها مع المشاوي التي يحضرها فيك."
    شغلت سارة نفسها , بسرعة, وبعدة أشياء ومر الوقت سريعاً, فيما كانت الطاولات تمتلئ بأطباق السَلَطَات المتنوعة, الكبيرة.إلى جانب صحون الحساء السلطة والفطر المطبوخ والخضار المسلوقة . وخيل لسارة أن لا نهاية لأصناف الطعام التي ستقدم مع وجبة المشاوي لاحقاً.
    " اخرجي الأوعية الزجاجية والشوك والملاعق والسكاكين من صناديقها, ضعيها على طاولة النزهة بالقرب من موقد المشاوي كي يستطيع المدعوون خدمة أنفسهم . وفي المناسبة ضعي المازة المؤلفة من السندويشات الصغيرة ورقائق البطاطا والبذورات على الطاولات التي في الظل كي يتناولوها مع الشراب الذي سيقدمه فيك لهم."
    أرادت سارة أن تذهب إلى الكوخ, بعد أن انتهت من مساعدة كيت, كي تأكل شيئاً وترتدي الفستان الأسود.
    عندما نادتها كيت:" انتظري! هنالك عمل آخر قبل أن تذهبي وقد كدت أن أنسى ! اللوحة التذكارية..."
    "اللوحة التذكارية؟" بانت الحيرة على وجه سارة.
    "ها هي!" أجابتها كيت وناولتها قطعة كبيرة من الخشب المضغوط وعدداً من الدبابيس:" سوف تحتاجين إلى كل هذا." ثم أعطتها ملفاً من الكرتون السميك يحتوي على صور فوتوغرافية وقصاصات صحف ومجلات ."نحن نعلق هذه اللوحة كل عام , وهي من تقاليد هذا المهرجان, إنها تثير الاهتمام بتاريخ هذا الكرم والعائلة التي غرسته."

    تأبطت سارة الملف , بشعور من الواجب , وجرت وراءها قطعة الخشب إلى الخارج .ثم جلست القرفصاء على العشب لكي تنظم الصور والقصاصات حسب ترتيبها الزمني.
    "ياه, دعيني أمد لك يد المساعدة!" قفز قلب سارة ونظرت إلى الأعلى لترى فيك واقفاً إلى جانبها .من المؤكد... انها تتخيل...هذا اللمعان الغامض في أعماق عينيه الداكنتين, لأنه بدا على طبيعته وكان لقاءهما العاطفي ليلة العاصفة الرعدية لم يحدث أبداً.لاشك انه نسي هذه الحادثة, وأخرجها من ذاكرته على أساس عدم أهمتيها .قطعت سارة مسار تفكيرها وعادت للاصغاء إلى نبرته الممغوطة.
    "عرض الصور التذكارية للعائلة هو جزء من هذا الاحتفال." انحنى فيك واختار صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود , من بين مجموعة الصور الملقاه على العشب وثبتها على اللوحة الخشبية.
    وجدت سارة نفسها تحدق في الصورة التي تظهر خليجاً على البحر الأبيض المتوسط وقوارب صيد راسية بالقرب من الشاطئ وأكواخاً مبنية من الحجر فوق المنحدرات الصخرية.
    "هذه صورة جزيرة على البحر الادرياتيكي حيث كانت البداية, وحيث ولدت تقاليد صناعة الشراب.هذا نيكولو." أضاف فيك وهو يمسك بصورة شاب ذي شعر داكن :"لقد كان صانعاً بالوراثة ورحل عن جزيرته ليكون على أبعد ما يمكن من كرم عائلته.العمل الوحيد الذي استطاع العثور عليه في البد الجديد كان العمل في نبش الصمغ من تحت جذور أشجار الكاوري في الشمال البعيد.لقد كانت الظروف سيئة والأرض بقساوة الصخر.وعاش العمال في أكواخ مزرية . ولكنه استطاع أن يوفر مالاً ,يكفي لشراء عدة هكتارات من الأرض هنا.التربة والمناخ كانا شبيهين بترية ومناخ الجزيرة التي أتى منها."
    أمسك فيك بصورة أخرى تظهر رجلاً أسود العينين."نراه في هذه الصورة يقتلع الأعشاب الضارة والتوت البري كي يهيئ الأرض لزراعة العرائش على الطريقة الأوروبية. انظري! هذه صورة زفافه, زينة كانت رفيقة طفولته في بلاده."
    أثارت الصور اهتمام سارة, رغماً عنها, ونسيت استياءها من فيك فيما كانت تحدق في الصور الباهتة." ولكن العريس يبدو مختلفاً هنا..."
    "أوه, هذا الرجل ليس العريس , انه أخوه بيتر." قال فيك لامبالياً.
    "أخوه؟"ابتسم فيك من جراء تعليقها.وأجاب:"لم يكن بإمكان نيكولو تحمل مصاريف رحلة الذهاب والعودة إلى بلادة ولم تتمكن زينا من الحصول على تأشيرة دخول الى نيوزيلندا , إلا اذا تزوجت من نيكولو.وهكذا تزوجت , على عجلة , بالنيابة, من أخيه. وفي هذه الصورة نرى أن شقيق نيكولو قد أخذ مكان العريس قبل أن تصعد على متن السفينة المتجهة إلى نيوزيلندا.ولما وصلت، احتفلا بزواجهما باللباس الكامل.انظري إلى هذه الصورة التي تظهرهما معاً..."
    نظرت سارة إلى العنوان الرئيسي لقصاصة صحافية.... أشرقت الشمس على زينا وفيك ... ثم أزاحت نظرها إلى اللقطة التي تظهر رجلاً داكن الشعر يقف مع فتاة تحت عريشة عنب,وتأثرت سارة بالسعادة التي كانت تبدو عليهما ."اني أتساءل فيما إذا كانت تشعر بالغربة وهي بعيدة جداً عن أهلها؟"
    "أجل ,لقد أحست بجحيم الغربه.واعتقدت في البداية انها لن تصمد.ولكن عندما وصلا إلى الوادي قررت زينا أن تكافح وتستمر." شعرت سارة أن لمعان عينيه يسخر منها .
    "لقد عملت بجانب زوجها ... وهذا ما اختارته لنفسها."
    رفعت سارة عينيها نحو السماء وهي تشعر بالازعاج :" أعرف ذلك ، لقد اخبرتني القصة ."
    تجاهل فيك تعليقها الأخير ، كعادته عندما لايعجبه كلامها !
    " وبعد ثلاثة أجيال ..." استطرد فيك بعد أن اختار من بين المجموعة صورة التقطت في استديو :" هذه صورة رجل قرابته لي بعيدة جداً ..." وتلاشى دفعة واحدة ، الانشراح في نبرة صوته :" ستيفن ، رجل رائع ، من أفضل الرجال ، لقد كان يشرف على الكرم قبل أن ... أستلم ادارته ."
    أمسكت سارة تنفسها ، لأنها ميزت ، على الفور ، الصورة .
    هذه هي الصورة نفسها التي كانت موضوعة على مكتب شقيقتها منذ سنوات طويلة ، في منزلهما في لندن ، وبقيت في مكانها حتى يوم الحادث الذي أودى بحياتها ؟
    حدقت في الوجه الملتحي المألوف ، والمفعم بالرجولة ، وترقرقت الدموع في عينيها ، هذا هو ستيفن كما تتذكره ...
    الشعر الأسود الغزير واللحية الداكنة ، وملامح وجهه اللطيفة . وأحست فجأة انها تخون هؤلاء الناس . ما الذي تفعله في هذا الكرم ، انها غريبة عنه ، وقد ورثت هذه الأملاك بضربة حظ . من القدر ؟ لو عرفت الموقف على حقيقته وأدركت ماهية تقاليد صن فالي ، لما أتت إلى هنا ، بتاتاً .

    ولكن ... همس صوت صغير من أعماقها ... لما كانت قابلت فيك أيضاً. أسكتت سارة الصوت وتساءلت ، من أين أتت هذه الخاطرة الغريبة إلى رأسها ؟
    " هذه صورة أخرى له ... " قطع صوت فيك عليها التأمل :" ... التقطت في مكان ما من أوروبا ، عندها ذهب إلى هناك ليشتري أنواعاً جديدة من شتلات العنب ."
    التقط فيك صورة فورية من بين الصور الملقاة على العشب بجانبه ." لا أعتقد أن هذه الصورة ستثير اهتمامك ، انها صورة فورية ، تظهر فتاة عرفها خلال رحلته ، وهي تقف في حديقة ." لماذا تشعر انه يتجنب ذكر اسم كاتي ؟
    " أعلم أن هذه الصورة لن تهمك ." استطرد فيك وهم بالقاء الصورة على كومة الصور ، ولكن سارة انتزعت ، لا إرادياً ، الصورة من يده قبل أن يفعل . ليست مهمة ، ها ؟ قفز قلبها وشعرت بالإعياء وهي تشاهد منظراً في الصورة كان مألوفاً لديها في الجانب الآخر من العالم ، ويُظهر الحديقة الخلفية لمنزل من القرميد ، استشفت بسببه من ذاكرتها ، منظراً آخر لم تظهره الصورة ... الحافلة الحمراء ذات الطبقتين وهي تسير على الطريق الذي يمر من أمام منزل القرميد .
    ورأت سارة الرجل الطويل الملتحي والمفعم بالرجولة سعيداً ، يحيط بذراعه خصر فتاة نحيلة تستند على كتفه . شعرت بطعنة في قلبها وهي تنظر إلى صورة شقيقتها الراحلة كاتي وهي ترمق ستيفن بنظرة مفعمة بالحب والسعادة وخيل لها إن الاشعاع من عينيها يكاد أن يخرج من الصورة . ثم ... رأت في الصورة ... فتاة في الثامنة من عمرها ... سارة الصغيرة وهي تقف بخجل إلى جانب كاتي ويدها ممسكة بيد شقيقتها.
    كانت الصورة مهترئة ومتسخة ، ويبدو أن شخصاً حملها طويلاً في جيبه . وانها كانت من ممتلكات ستيفن العزيزة.
    لقد التقطت الصورة بآلة التصوير الفورية التي كانت عند أمها ، في الحديقة الخلفية لمنزلهما في لندن منذ وقت طويل ! ولتصبح الآن البرهان الساطع على تنكرها المجنون .
    هل فيك يرتاب بأمرها ؟ لم تجرؤ على النظر إليه ، قد يتكهن بسرها ، وقد قيل لها مراراً ، انها لاتستطيع اخفاء مشاعرها . أخيراً ، جازفت ونظرت إلى الأعلى ، ولكن نظرته الباردة لم تنم عن شيء ، لو كان يرتاب بشخصيتها وبسبب قدومها إلى نيوزيلندالكان سلخ جلدها باتهاماته . واعترتها الرجفة بمجرد أن فكرت بذلك .
    قطعت نبرته الممغوطة عليها هذا التأمل المرعب :" لقد اعتقدت انه يمكنك أن تميزي المكان الذي تظهره الصورة ."
    هل يعرف ؟ تسارعت أفكارها ، هل هو يخمن ؟ منظراً أن تقع في الفخ وتفضح نفسها ؟
    من المحتمل أن يفضحها الشبه بينها وبين كاتي ، أم هل فضحها فعلاً ؟ لقد كان شعرها ، في ذلك الوقت ، أملس ومعقوداً إلى الخلف مثل ذيل الحصان ، ولكن ما الفرق الآن ... وسمعت صوتها المكبوت :" لندن ، هل هذا ما تعني ؟"
    وأخيراً جاءها الالهام . وتحول عقلها المضطرب إلى العمل بجدية ، في وقت الحشرة :" هل تعني الحافلة ذات الطبقتين ؟ انهم يأخذون السياح دائماً ، في رحلات حول مدينة لندن ." لا تنظري غلى فيك ، قالت لنفسها ." خاصة في ... فصل الصيف ." ولكنها ، كانت ما تكاد تدري ما تقوله.
    وشعرت فجأة بقرع الطبول في أذنيها وبالدوخة ، وسمعت صوت فيك وكأنه يأتي من بعيد :" سارة ، سارة ، هل أنت بخير ؟"
    كان للنغمة الحادة في صوته العميق فعل الماء البارد على أعصابها المتوترة . استجمعت قوتها وظهرت ابتسامة حائرة على وجهها :" بالطبع أنا بخير ! لماذا تسألني ؟"
    " لقد شحب لون وجهك فجأة ..."
    " أوه ، لهذا ." حاولت أن تأتي بنبرة صوتها اعتيادية :" لا يهم ، هذا أمر يحدث لي من وقت لآخر ولا خطر منه ."
    " شكراً للسماء ، لقد ظننت انك مريضة !"
    غمرتها موجة من الشعور بالاطمئنان . لقد أعياها الخوف في أن يعرفها فيك من الصورة التي مضى على التقاطها وقت طويل . ولكن يبدو أن كل شيء على ما يرام .
    هو لم يميزها ، ومن الواضح انه لا يرتاب بتاتاً في العلاقة التي بينها وبين فتاة الثامنة من العمر التي تظهر في الصورة . وأحست أن ثقلاً كبير قد أزيح عن صدرها .
    تفحصت نظرته الجانبية وجهها الفتي ، واستدارة الشفاه العذبة والبشرة المالسة والملوحة قليلاً بالاسمرار .
    "أنت تبدين أفضل حالاً ، الآن ." قال فيك ... لو انه يعرف السبب الحقيقي لتلون خديها باللون الزهري !
    دهشت سارة وتأثرت لأن فيك أبدى اهتماماً بصحتها عندما لاحظ شحوبها لكن ... لابد أن قلقه نابع من خوفه أن تمرض ولايعود في إمكانها إحياء
    الاحتفال ، وسيجد صعوبة في العثور على فنان يحل مكانها في وقت قصير . هل يوجد سبب آخر لقلقه؟
    قالت سارة بصوت مرتفع :" لا تقلق ، لن أتخلى عنك في اللحظة الأخيرة قبل بدء الحفلة ."
    كان رده عليها ، نظرة لم تستطع سبر غورها ولا تفسيرها ... ومنذ متى كان هناك كجال لفهمه ، أبدأً...
    فيما بعد ، هرعت سارة إلى الكوخ ، واستحمت وغسلت شعرها ... الخصلات الغزيرة الداكنة سوف تجف سريعاً في الطقس الحار ... ووضعت قليلاً من الكحل الأخضر على جفنيها ومسحة من أحمر الشفاه البراق الذي اكتمل به ماكياجها البسيط . شعرت بالابتهاج وهي ترتدي الفستان الأسود الذي اشترته ، فيما كانت تشاهد من النافذة وصول أوائل المدعويين . التقطت الغيتار ثم خرجت ، وافسحت طريقاً لها بين الرمز المتجمعة . معظمهم لم يلاحظ حتى وجودها . ثم وقفت في ظل شجرة وبدأت تتفحص أوتارالغيتار.
    " أنت تبدين رائعة ." قفز قلب سارة واستدارت نحو مصدر الصوت . لم تشعر بفيك وهو يقترب منها . وها هو الآن يقف إلى جانبها ، ويتفحصها بعينيه الداكنتين، باهتمام .
    " أوه ." لعقت سارة شفتيها ." الفستان ، أهذا ما تعني ؟"
    ط كلا ، ليس الفستان ، بل انت ." وشعرت ، تحت تأثير نظرة الاعجاب التي رمقها بها ، باللون الفاضح يعتلي خديها ونسيت قرارها في أن تتصرف معه ببرود ولا مبالاة .
    " مرحباً ، فيك ." ناداه عدد من الرجال كي ينظم اليهم .
    انحنت سارة ، بينما لا يزال الاحمرار يعلو خديها ، على الغيتار ن انهم لن يسمعوا غنائي في هذه الضجة على الاطلاق ، ولكني سأغني على أي حال.
    عندما بدأت الأنغام تنساب من الغيتار وتملأ الجو حولها ، وصدح صوتها الرقيق والواضح ، بقوة . توقف الكلام والضحك ، واتجهت كل الأنظار إلى الفتاة النحيلة التي تقف وحيدة في ظل شجرة ، وهي منحنية فوق ىلتها الموسيقية .
    " سوف أعزف وأغني ما أشاء ." هذا ما أخبرت مديرها به . ولا تزال على قرارها . بدأت بانشاد بضع أغانٍ قديمة ثم انتقلت إلى أغاني الغرب الأمريكي والأغاني الريفية . ثم بعد توقف قصير ، أخذت بانشاد أغنية
    جديدة اجتاحت انكلترا في الوقت الذي سافرت فيه إلى هنا . وبدا من ردة فعل الجمهور أن الأغنية مألوفة لديهم هنا .
    أسندت سارة الغيتار إلى جذع شجرة ن في فترة الاستراحة ، وتفحصت وجوه الموجودين ، ورأت فيك يقف مع زمرة من الرجال . نظر إليها فيك في اللحظة نفسها التي رأته فيها . تقابلت نظراتهما وتشابكت ثم أشاحت بنظرها عنه وشغلت نفسها بالربنامج الموسيقي.
    لاحظت سارة ، بعد دقائق ، ان فيك يمر بين المدعوين قادماً باتجاهها .
    " تعالي معي ، يا سارة ." ورأت عندما اقترب منها ، لمعاناً يتراقص في عينيه.
    غمرها ، فجأة ، وبدون سبب ، تيار من السعادة . قد يكون من تأثير هذا اليوم الرائع عليها ، والسماء الصافية الزرقاء والشمس الساطعة التي تلقي لوناً فضياً على الادغال .
    وربما بسبب الميراث ، ميراثها ! ولو كان مؤقتاً. و بسبب ... همس صوت في أعماقها ، من حيث تأتي المشاعر الهامة ... رجل في حياتها ! غريب ، انها تمقت فيك ، أليس كذلك ؟ هل ضربتها أشعة الشمس ثانية على رأسها .
    عادت من أفكارها إلى سماع نبرة صوته الرخيم ... لماذا يملك صوتاً كهذا ... عميقاً ، ومداعباً . " هذا ما نعتبره الآن قمة الاحتفال ." أوضح لها بحماس :"تذوق شراب الموسم الجديد ، العصرة لاتزال خضراء ولاتزال في الخوابي . انها جديدة إلى درجة اننا لم نطلق اسماً عليها ... هل لديك اقتراح؟"
    قالت سارة وهي لاتزال واقعة تحتا سحره ، بابتسامة بائسة :" هل يجدي اسم الوادي السعيدة ؟"
    " لِمَ ،لا ." سمعت نبرة غريبة في صوته :ط تعالي معي ، انها مناسبة خاصة ، لك خصيصاً..."
    ترددت سارة ونظرت إليه بارتياب ، إذا كانت هذه فكرته عن المزاح ... أشاحت بنظرها عنه لترى من خلال فتحة بين الناس المتجمعين، طاولة صغيرة عليها عدة أكواب وزجاجة شراب ، ورأت وجوهاً مألوفة ، العاملات معها في قطف العنب ، باتي الفتاة التي تقيم في مزرعة الكيوي المجاورة وزوجها الشاب بيل الذي يقود أحياناً شاحنة فيك .
    " ان الجميع بانتظارك ." قال لها فيك .
    " بانتظاري ، انا ؟" أتى صوتها أجش ينم عن الدهشة :" لماذا أنا ، بحق السماء ؟ لم أفعل شيئاً لأستحق به هذا التكريم !"


    " أنت واحدة منا ." بدا على فيك الحماس والسعادة ." لقد دعونا الجميع لهذه المناسبة ، العمال والموظفين وكل من له علاقة ... من قريب أو بعيد ... بصنع الشراب في العام الحالي."
    قالت سارة متمسكة بموقفها :" أنا غير جديرة بذلك ، فأنا هنا منذ فترة قصيرة فقط ..."
    " اسمعي ." وسمعت سارة من خلال ضجيج وضحك الآخرين أصواتاً تناديها :ط سارة ، سارة ، نحن نريد سارة ."
    " نحن في طريقنا إليكم ." رد فيك على مناداتهم وألقى ذراعه على كتفيها بلا مبالاة وقادها عبر زحمة الزائرين .
    " ستتعرفين اليوم على كل مزارعي العنب في نيوزيلندا ." أخبرها فيك وهما يسيران . حاولت الاصغاء اليه ولكن ذراعه التي أحاطت بكتفها كانت تفعل بعواطفها وتشعرها بدوار لذيذ . ماذا كان يقول ؟" هذا أحدهم ، أتى من الجنوب ، ولكن رحلته لم تأخذ وقتاً طويلاً من محطة استلام الغنم العائلية إلى هنا ." ولكن الطائرة الصغيرة التي كانت تحوم فوق التلال شدت انتباهها . ثم انخفضت لتنساب فوق المنطقة المنبسطة القريبة . وخيل لها أن الطائرة الصغيرة الخفيفة أشبه بحشرة عملاقة زهرية اللون . في الدقائق التي تلت ، رأت سارة شاباً يقفز من الطائرة الخفيفة . وحيا الجمهور مبتسماً وهرع نحوها ونحو فيك .


    الفصل السابــــع



    " مرحبا ، فيك ." قال الشاب الذي ترجل من الطائرة وانظم إليهما . وعلى الرغم من أنه حيا فيك فقد حدق بسارة ولم يزح نظره عنها .
    " سارة ... لاري ." قدمها فيك باختصار ...
    " أهلاً ، لاري ." ابتسمت له سارة رداً على ابتسامته . " لقد تعرفنا على بعضنا من خلال الهاتف ، لقد دعوتك خصيصاً لحضور المهرجان ، هل تذكر ؟" ما الذي يجعل شكله صبيانياً ؟ هل هو النمش الذي يغطي وجهه؟
    قال لها بصوتٍ منخفض :" تُذكَريني ؟ وكأني نسيتك ! لقد كنت منتظراً هذا اللقاء ، اليوم ..." توقف عن متابعة الكلام وظهر الاحمرار الشديد على وجهه المنمّش . دهشت سارة وهي تنقل نظرها من رجل إلى آخر ، لرؤية تعابير الغضب على وجه فيك . وبدا على وجه لاري الاحراج وأخذ بالاعتذار :" لم أعرف انك و فيك ..."
    أجاب فيك بصوت مكبوت :" إنّ سارة تعمل عندي في الكرم ... فقط ."
    " هذا صحيح ." ابتسمت سارة للاري ، في محاولة لتخفيف شعوره بالاحراج ، لأنه لم يرتكب أي خطأ يستحق عليه نظرة الغضب هذه ، من فيك . " لقد أتيت من انكلترا كي أقضي عطلتي بالعمل هنا ." قالت له :
    " وأنا أتمتع بكل لحظة هنا ."
    طرأ تغير زئبقي في مزاج فيك ، عندما اقتربا من الطاولة التي تحلق حولها المتذوقون وأخذ يمزح ويتحدث مع المدعوّين فيما كانت عيناه تلمعان بالسعادة والانشراح .
    صب فيك الشراب في الأكواب وانتظر حتى تناول الجميع أكوابهم من على الطاولة ليرفع كوبه ويقول :" لنشرب نخب الوادي السعيد ."
    " نخب الوادي السعيد ." نادى الجميع وراء فيك ودوت قرقعة الكؤوس عندما ارتطمت بعضها ببعض . ودهشت سارة التي انظمت إلى كورس المنادين . وهي تشاهد فيك يحدق بها ، بدل أن ينظر إلى الذين تحلقوا حوله وهم يدعون له أطيب التمنيات . لما1ذا تشعر بهذه الاثارة اللذيذة والمجنونة ؟ انها لم تحتسي شرابها بسبب انشغالها بالعزف والغناء .
    هل تلوم الحر أم الشراب على ما تشعر به ؟ لا ... يجب أن تعترف لنفسها ، ان سبب شعورها هذا ، هو جاذبية فيك الساحرة التي ، برغم صفاته السيئة ، أسرت قلبها الشارد .

    عادت إلى رشدها وتذكرت ، يا للسماء ، لقد اطلق الاسم الذي اقترحته على الشراب الجديد ، هل هي اقترحته فعلاً؟
    انفصلت سارة عن الزمرة التي كانت تقف معها وعادت إلى موقعها في ظل الشجرة والتقطت الغيتار . وتعالت هتافات الاعجاب والتصفيق بين كل مقطع وآخر من الألحان التي كانت تعزفها ، ولم يتركوا لها وقتاً للراحة .
    " المزيد ، المزيد ." ردد الجميع ما عدا فيك ، الذي رأته مندمجاً بالحديث مع عدة رجال ، بدا عليهم انهم مزارعو عنب أتوا من مناطق أخرى كي يشاركوا في الاحتفال.
    استمرت سارة بالعزف والغناء ، حتى ساعة متأخرة برغم أن معظم المدعوين توقفوا عن الاصغاء إلى أغانيها . ما عدا لاري الذي استمر بالاصغاء على الرغم من انشغاله بالحديث مع معارفه من حين إلى آخر . ومع مرور الوقت ، ألفت منظره وهو يقترب منها ، ويحمل إليها أحياناً ، كوب عصير مثلجاً.
    " لماذا لا ترتاحين قليلاً ." رجاها بصوت صبياني.
    ضحكت سارة وهزت برأسها . وعندما تلاشت الأنغام ، ابتسمت له بإغراء وقالت :" انهم يدفعون لي أجراً كي أعزف وأغني ، ألا تعرف ذلك ؟"
    عندما ألقت ، فيما بعد ، شمس الأصيل أشعتها البنفسجية على التلال المحيطة بهم ، رأت سارة عدداً من الأشخاص يمدون الطعام ، الذي حضرته كيت ، على طاولات النزهة ، وتصاعد الدخان ، قريباً منهم ، من موقد المشاوي .اكتفت سارة بالبقاء مكانها ، وعزفت موسيقى خفيفة لهم خلال تناولهم الطعام . ثم أصر لاري عليها ، أن تذهب معه لينضما إلى احدى الزمر التي تحلقت حول الطعام ولكنها هزت برأسها ، مما جعل شعرها البني ينسدل كالحجاب على وجهها . " أنا لست جائعة ." أجابته.
    استدار لاري مبتعداً عنها ، وقد بانت على وجهه الخيبة .
    " إذاً ، سأنتظرك هناك !"
    " ربما انظم إليك فيما بعد ." نادته سارة.
    " لن تنظمي إليه ، وأنت تعرفين ذلك ." هذه النبرة الممغوطة ثانية ! نظرت سارة إلى الأعلى ورأت فيك يقف إلى جانبها ." لأن الاستمتاع بمذاق اللحم لا يكون إلا فور الانتهاء من شوائه ، وليس بعد ساعة أو أكثر !"
    انحنت سارة على الأوتار ." بالفعل أنا لاأريد ..."

    " الآن !" أخذ بيده القوية الغيتار منها وألقى به على العشب.
    لا جدوى من معاندته . " أنت الذي تأمر هنا ." قالت سارة باستسلام وسمحت له بمرافقتها وهو يفسح لها الطريق بين المدعوّين إلى طاولة الطعام.
    رأت سارة رجلاً عملاقاً ، أشقر الشعر ، يقف إلى جانب الطاولة ، خاطبه فيك ، عندما اقتربا :" كيفن ، هذه سارة ."
    نظر كيفن إليها باهتمام ." إذاً ، أنت الفتاة التي وظفها فيك في الكرم هذا الصيف ." صوته أجش بنبرة بطيئة برغم صغر سنه ... لم يتجاوز العشرين إلا بقليل ... " كان يجب أن أعرف ، من خلال حديث فيك عنك ...!"
    نظرت سارة إلى فيك متسائلة عما يعنيه كيفن . ولاحظت من انطباق شفتيه ولمعان عينيه الداكنتين انه يستمتع بمجرى الحديث وانها لن تعرف أبداً ما الذي قاله عنها لهذا الرجل.
    أخذ فيك ، بعد لحظة ، سارة من ذراعها وسارا نحو موقد المشاوي ، حيث اختارت طبقاً من بين أصناف السلطة الموضوعة على الطاولة قرب الموقد ، ورأت أن كيفن قد لحق بهما ووقف إلى جانبهما ، وتعلو وجهه اللطيف ابتسامة ودية . " أنت تستمتعين بالحياة هنا ، أليس كذلك ؟ هل كان فيك قاسياً معك ؟" سألها وهو يغمز بعينيه.
    " كلا ، ليس في العمل ..." وتوقفت سارة عن متابعة الكلام خوفاً من أن تقول ما يجول في فكرها . ثم استطردت :" العمل في الكرم كان ممتعاً للغاية بالنسبة لي ." ولم تجد حاجة لاخفاء نبرة الحماس في صوتها :" خاصة ، عندما تنضج العناقيد تحت شمس صيف نيوزيلندا ، فيما الناس يرتجفون برداً في بلدي ، انكلترا ." ما ذكرته الآن كان على الأقل ، صحيحاً . وقعت نظرتها الضاحكة على لاري ، الذي انظم اليهم ." وقد شاهدت الآن ، للمرة الأولى في حياتي ، طائرة الميكرولايت الخفيفة !" ابتسمت للاري . " لم أصدق ، للوهلة الأولى ، ان هذه الطائرة خفيفة ، لقد بدت هشة وهي تحلق فوق التلال ، قد أطلب من لاري أن يأخذني على متنها في نزهة ."
    " لا داعي لأن تسألي ؟" انشرح وجه لاري المنمّش .
    " اختاري أي يوم ، وأفضل أن يكون قريباً ، ما رأيك في نهاية هذا الأسبوع ؟"
    نظرت سارة بابتسام إلى من حولها ." أخبروني ، هل أنا حقاً شجاعة ، أم غبية ؟ ما الفرق ؟ على أي حال سأقبل دعوته للقيام . بهذه النزهة !"
    "لا داعي لأن تسألي؟" انشرح وجه لاري المنمّش."اختاري أي يوم , وأفضل أن يكون قريباً, مارأيك في نهاية هذا الأسبوع؟"
    "لا" دوى صوت فيك مغلقاً المجال أمام أي نقاش. استدارت الوجوه المندهشة والتي خيم الصمت عليها, باتجاهه, وتعالت أصوات الاعتراض من الموجودين :"لا تكن متزمتاً على هذه الصورة يافيك! لاتفسد على الفتاة متعة الطيران!"
    لاحظت سارة نظرته العميقة الخارقة عندما سألها :" هل أنت حقاً تريدين الطيران على متن الميكرولايت ؟"
    ترددت لحظة في الاجابة .وقد حيرها التأثير الساحر الذي يشع من نظرته.
    وتذكرت كيف اندهشت عندما رأت الطائرة الهشة والمكشوفة تقلع في الهواء وتهبط بسلام.هل تسطيع هذه الآلة الطائرة حمل راكب آخر ؟ تضاربت الاحتمالات في رأسها ولم تستطع أن تبعد عن مخيلتها الانطباع الأول الذي كونته عن الطائرة, على انها لعبة أولاد مصنوعة من قطع الخشب والألومينيوم.لأنها لو فعلت لاستطاعت أن تستجمع شجاعتها وتوافق على ركوبها.
    "كنت أعلم انك ستفكرين ثانية في قرارك."
    قررت سارة على الفور, خلاف مانوت عليه, عندما شاهدت السخرية التي ارتسمت على شفتي فيك ."حسناً , أنا لم أغير رأيي." قالت وهي تجهد كي يأتي صوتها ثابتاً.
    "سوف تكون النزهة تجربة رائعة." أضافت بثقة لم تكن تشعر بها:"وسوف أكتب عنها في رسائل أبعثها إلى بلادي."
    "أنا آسفة!" قالت سارة عندما لاحظت تعابير الندم التي ظهرت على وجة فيك بسبب جملته الأخيرة,والتي وضعت حداً نهائياً للجدال حول النزهة الجوية التي عزمت على القيام بها . ورأته ينظر إلى لاري ويقول:" ان سارة تعمل في نهاية هذا الأسبوع... بعض الأمور التي تتعلق بالتعبئة ووضع الملصقات ومايتبع ذلك .كما أتوقع وصول رحلات سياحية وزبائن... وقد وجدت من خلال خبرتي ان موسيقى الغيتار تضيف جواً خاصاً على المكان ... ويجب أن ننتهي من طلبات التصدير أيضاً."
    فتحت سارة فمها كي تتكلم ولكنها لم تفعل, هذه هي المرة الأولى في حياتها التي لم تستطع فيها الكلام.نظرت اليه شزراً. كيف يجرؤ على التدخل في شؤونها الخاصة؟
    تسارعت الأفكار في رأسها .هل هو ينتقم منها لأنها رفضت تلبية مطالبه في الحفلة الموسيقية؟ هي تعرف , بالتأكيد,انه ليس بحاجة لها في نهاية

    الأسبوع ! برغم مابدا من خلال نبرة صوته انه يعني فعلاً ماقال." تستطيع سارة القيام بهذه النزهة في وقت لاحق." أضاف بلامبالاة.
    خيم صمت على الزمرة المتحلقة وسكت الكلام والضحك.شحب وجه لاري بعدما فهم مغزى كلام فيك. عندما يكون الأمر متعلقاص بهذه الفتاة, ولو في أيام العطل, فالأمر يعود للمدير , وبالنسبة له ... الشغل , شغل... ولكنه رد على فيك بانشراح:" يجب علينا أن نؤجل هذه النزهة, كما يبدو لي."
    ترك فيك , فيما بعد, الزمرة وذهب إلى غرفة الاستقبال وأدار جهاز الستيريو , وسرعان ماصدحت الألحان الراقصة الشعبية واختلطت بضحكات ومسامرات الموجودين.وضع لاري يداً على ذراع سارة وقال متنهداً:" لسوء الحظ , يجب أن أعود للمدينة."
    "ماذا تعني؟" سألته سارة بتعجب
    "أنظري إلى هناك." تتعبت سارة إشارة يده إلى حيث بدت الشمس الغاربة وكأنها كتلة نار حمراء لوحت الأفق باللون البرتقالي الملتهب.
    " إن قيادة طائرة الميكرولايت ليست لعباً ومتعة فقط." وأضاف بحسرة:" يجب أن أطير قبل حلول الظلام, اسمعي."
    قال باستعجال:"سوف ألتقي بك ثانية, أليس كذلك؟."
    واستطرد قبل أن تتمكن في الجواب:" هنالك شيء." شد على يدها بقبضة دافئة."...هل تمانعين إذا طلبت منك ؟ ليس إلا ... " لعق شفتيه وقد بدا الانفعال عليه."...ما أعنيه."
    وأضاف بسرعة فجائية:"هل توجد علاقة عاطفية بينك وبين فيك؟" ازداد صوته انفعالاً:" أتعرفين ما أعني, أتفهمين مقصدي؟"
    "فيك؟" قالت سارة وهي لاتصدق ماسمعت :"انه رئيسي، وأنا ما أكاد أعرفه, هذا كل مافي الأمر."
    "لقد فهمت." ظهر على وجه لاري الارتياح."إذاً, سوف أراك ثانية؟"
    "إذا شئت ذلك!"
    "رائع!" ردّ لاري بانشراح:" صدقيني إذا قلت لك , انه لو لا الظروف لما ذهبت الآن. والأمر يهون لو كنت سأراك في نهاية الاسبوع." تنهد بعمق واستطرد:" ولكن يبدو أن المدير لايستطيع الاستغناء عن خدماتك هذا الاسبوع. ومايطلبه يحصل عليه!" تهدج صوته ،فجأة :" هل ستعلمينني إذا تغيرت الأمور, وأصبحت حرة في نهاية الاسبوع؟ اتصلي بي على الهاتف, كيت عندها الرقم. وسوف آتي وأقلك على متن الطائرة ونذهب في نزهة... ليس عندك فكرة كيف يبدو الريف جميلاً عندما تنظرين إليه من
    أعلى. وتشاهدين قمم الجبال وكأنها هامات, والغنم والماشية في مراعيها كأنها بقع على السهول الخضراء.شد على يدها."وسوف أبرهن لك..." خفت صوته تدريجياً:"عِديني انك ستحاولين جهدك للمجيء .وانك سوف تتصلين بي عندما تسنح الفرصة...."
    "حسناً. أعدك بذلك." ولكنها كانت متأكدة أن الفرصة لن تسنح , واحتمال أن يعدل فيك عن قراره ويسمح لها بأخذ عطلة في نهاية الأسبوع , معدومة تقريباً.وهي لاتبالي كثيراً لهذا الأمر, وكل ماتهتم له هو معاملة فيك المتسلطة ,معها, والتي تكاد أن تصيبها بالجنون . وأقسمت في نفسها على أن تنتقم للطريقة التي عاملها بها اليوم , وماعليها إلا الانتظار.
    "عمت مساء ياسارة , أكره أن أتركك هكذا!"
    وماكادت ان تسمع سارة كلام لاري, لأنها كانت تراقب فيك من زاوية عينها, وهو يقف قريباً من زمرة مزارعين يتكلمون عما حدث بينها وبين فيك. وبحركة لا شعورية, أرادت أن تظهر له ان بستطاعتها جذب الرجال الآخرين , ورفعت رأسها إلى الأعلى وقالت بنعومة :"عمت مساء, يالاري." ورماها لاري بقبلة في الهواء.
    "أراك قريباً." قال لها من فوق كتفه بينما استدار مبتعداً.وعلى الفور اختفى عن أنظارها بين الناس الآخرين.
    "هل ترقصين, ياسارة؟"
    أدارت سارة رأسها لترى من دعاها إلى الرقص, وشاهدت كيفن ينحني فوقها.تمالكت نفسها بسرعة وابتسمت له ."هيا بنا." وسرعان ما اتخذا مكاناً لهما بين الراقصين, تحت الأضواء المعلقة فوق رؤوسهم.
    "هل تعرف." تمتمت سارة:"اني رقصت على هذا اللحن في الليلة التي سبقت سفري من انكلترا إلى هنا؟ ويبدو انكم هنا, تتابعون أحدث الألحان التي تنتشر هناك."
    "أين استمعت إلى هذا اللحن؟" سألها كيفن.
    "في حفلة خاصة, أقامها صديق لمناسبة عيد ميلاده الحادي والعشرين." شردت أفكار سارة , وشعرت بالسخف لأنها فضلت المجيء إلى هذا الوادي المنعزل الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن أي مكان, ولأنها ترقص على العشب الجاف في ليلة صيف , وفي ظل التلال المحيطة بالوادي. بدلاً من البقاء هناك.ومن الغرابة أن تشعر بكل هذه السعادة هنا...
    برغم كثرة أصدقائها في انكلترا.... وبأنها في بيتها وبين أهلها . فيما عدا فيك , لاتفكر به... ان عنده حب التملك على صورة مزعجة . وهمس صوت من أعمق أعماقها , وهو أيضاً ذو جاذبية فتاكة ويشع برجولة
    ساحرة , تشع منه قوة عندما تتواجدين معه في نفس الغرفة تجعلك بلا حول ولا قوة...
    وهذا التسلط وفوة شخصيته ! لقد أطلق شعب الماوري لقباً على مثل هذا النوع من الرجال إما تكرهه من أول نظرة أوتقع صريعاً في حبه .بالنسبة لها... انها تكرهه!
    مشت سارة مع كيفن عندما خيم الظلام على المكان , إلى غرفة الاستقبال فيما كانت الموسيقى الصادرة عن جهاز الستيريو تصدح في سكون الليل. تبين لسارة أن كيفن راقص بارع , وان خطواته تتمايل, على أرض الغرفة بخفة, مع ايقاع اللحن.واحتفظ كيفن بسارة كشريكته في الرقص لحناً بعد آخر , وكان ذلك بالنسبة لها أمراً جميلاً ,لأن آخر شيء كانت تتمناه هذه الليلة هو أن ترقص مع فيك , فيما عدا .... ذكرت سارة نفسها , أن الرقص سيتيح لها الفرصة كي تفهمه...بأي وسيلة ,كيف تشعر نحو ترفعه وتدخله في شؤونها الخاصة.
    أدركت سارة , لاحقاً خلال السهرة , انه لم يكن هناك من داع لشغل بالها, لأنها لم تره يقترب , بتاتاً من حلبة الرقص.
    أنبت سارة نفسها, لماذا , بحق السماء , تفكر به على الدوام؟ كان كيفن آخر من غادر الحفلة , عند انتهائها واتجه المدعوّون نحو سياراتهم وشاحناتهم وسيارات اللاندروفر.
    وجدت سارة الزمرة من النساء ، عندما دخلت مطبخ المنزل الكبير . كيت ، تنظف الصحون والأواني النظيفة على الرفوف ، فيما كانت امرأتان آخريان تضعان فضلات الطعام في أكياس القمامة ... وفتى كانت سارة قد لاحظته ، باكراً ، يساعد فيك في شواء اللحم على الموقد ... ينظف الأرض.
    " مرحباً." حيتهم سارة ، وأعجبها الغتى الذي يرتدي بنطال جينز ضيقاً ، ويبلغ من عمره الخامسة عشرة وتعلو وجهه النضر ابتسامة لطيفة.
    " هذا بول ." قالت كيت وهي تدير رأسها نحو سارة ، انه احد أفراد عائلتنا الكبيرة ، ولكن لا نراه كثيراً ، لأنه يقيم مع عائلته بعيداً ، على الجزيرة الجنوبية ."
    ضحك الفتى وقال:" من الآن وصاعداً ، سوف ترينني كثيراً ، يا عمتي كيت ، ولا أستطيع الانتظار أكثر كي أسرد عليك الأخبار المثيرة ! أمي سوف تطير من الفرح عندما تسمع ذلك ."
    خيم الصمت على الجميع فيما استطرد بول :" لقد وافق فيك على اعطائي عملاً هنا ، في الصيف وحتى يحين موعد دخول الجامعة ." لمعت عيناه
    بالحماس ." وهل تعرفون ؟ لقد اخترت التخصص في مادة الكيمياء ، وقد قال فيك ان التخصص في هذه المادة سيفيدني كثيراً في المستقبل!"
    وغمز بعينه ضاحكاً ." لا أحد يعرف متى يأتي الحظ ! ولكن ، حسبما أخبرني ، يجب أن أجتهد وأدرس بجدية وبأقصى طاقاتي وبلا تباطوء . وأن أحصل على علامات جيدة . وقد أعطاني الدافع الذي به أستطيع أن أصمد في وجه السنوات القادمة المرهقة . وسأبرهن له عن استطاعتي ذلك ! ان فيك هو صنف من الرجال ، يجعل أصدقائي على استعداد للتضحية بعين وضرس مقابل العمل عنده في العطلة الصيفية . انه مستقيم ، لا يحب التلهي وإذا قال فيك شيئاً ... فهو يعني ما يقول !"
    وافقت سارة بصمت على جملة بول الأخيرة ، فيما كانت تلتقط منشفة صغيرة كي تنشف بها الفناجين والأكواب ، ثم تابعت الاصغاء إلى حديث بول.
    " وقد قال فيك أيضاً، إنه يجب علي أن أمسك الخيط من أوله وأتعلم كل ما استطعت عن هذه الصناعة خلال العطل الصيفية . وقد سره اني حصلت على رخصة قيادة السيارات، لأني أستطيع أن أساعده في مجالات أخرى مثل ذلك ... كما أستطيع أن أصرف قليلاً من الوقت في المخزن. أوه ، لا
    أستطيع الانتظار حتى يحين الغد وأبدأ بالعمل!"
    غداً ! شعرت سارة بالبرد يسيري في عروقها .المخزن, وضع الملصقات... وهي عندها أيضاً إجازة سوق دولية.
    ولكن فيك لم يطلب منها القيام بهذه الأعمال.وهي لم تتحدث بشأنها معه. هل هذا يعني أن الفتى... وهو أحد أفراد العائلة... سيحل مكانها في الكرم؟هل هي تخطت الحدود في تحديها لمطالب رئيسها المتسلط؟ وأصبح من المحتمل أن يستبدلها بهذا الفتى, المتشوق لتعلم صناعة الشراب؟ وهويعتبر فيك مثاله الأعلى مع انه لم يقابله إلا في فترات قصيرة ومتباعدة ولم يعرفه جيداً.لاشك ان فيك ناقم عليها جداً لعدة أسباب, ولكن أن يستبدلها... وغمرها فجأة شعور بالضياع والخواء , أعياها.
    "أنت واقعة في الحب دون شك!" انتبهت سارة عندما سمعت هذا الكلام من باتي, ذات الوجه الضاحك :"لقد جففت طبق السلطة ثلاث مرات متتالية, وإذا كان هذا السبب تأثير كيفن عليك ..."
    "تبدين مرهقة." رمقت كيت سارة بنظرة حادة عندما لاحظت توتر أعصابها :"لقد اشتغلت طوال النهار فيما البقية تمتعت بالحفلة..."
    أوقفت سارة بسرعة,تدهور معنوياتها وقالت:"ولكنني متعت نفسي أيضاً! وكان رائعاً.حقاً ,أن أعزف وأغني خلال الحفلة..." توقفت عن متابعة
    الكلام عندما شاهدت فيك يقف بباب المطبخ المفتوح وبدا عليه انه فَرحَ بكلماتها الأخيرة .
    أصابها الهلع, في ذات اللحظة, وتمتمت بصوت خافت :"لقد آن الأوان كي أخلد إلى النوم." رمت المنشفة التي بيدها على الأرض, وتخليت للحظة ان فيك كان على وشك الوقوف في طريقها , لكنه أفسح لها المجال كي تمر.وهرعت مسرعة إلى الخارخ وطواها سكون الليل المظلم.
    شعرت سارة لمسة على ذراعها قبل أن توشك على الوصول إلى كوخها ورأت فيك يسير إلى جانبها...لم تسمع خطواته عندما أتى من خلفها لأنه سار على العشب الندي...
    "عندما تعزفين على الغيتار, تجعلينه يصدح بالغناء." قال بنبرة مفعمة بالحماس:"هل فكرت باحتراف الغناء والعزف يوماً؟" ان آخر شيء كانت تتوقعه من فيك أن تحظى بتقديره المخلص على الجهد الذي قامت به في الحفلة, ومع ذلك فهو فعلاً يعني مايقول.ولكن إذا استطاع تجاهل كل شيء آخر , فكرت سارة, فهي تستطيع ذلك أيضاً! وأجابته بلا مبالاة :"لم أفكر جدياً في ذلك,لانه لم يكن عندي قط , الوقت أو المال من أجل دراسة هذا الفن!"
    "كان يجب أن تفعلي, إن موهبتك طبيعية!"
    وصلا إلى الكوخ, وعلى منصة الدار الصغيرة, استدارت لتصبح وجهاً لوجه معه."أنا سعيدة لتمتعك بغنائي!" موجة من الحيرة جعلت أفكارها تضطرب بجنون.وتنفست بعمق وسألته"إذاً ليس هناك من شكاو؟"
    "فقط أمر واحد...." اقترب منها خطوة.وهذا جعل قلبها ينبض، فجأة، بشدة:"أخبريني, هل أعطيت لاري موعداً كي تذهبي معه في نزهة على متن طائرته ؟" نبرته الممغوطة كانت أكسل من أي وقت مضى, ولماذا تشعر ان هذا السؤال ملغوم ويلفه الغموض؟
    "لاري؟" حاولت جاهدة كسب الوقت وقد أدركت ان الفرصة قد حانت كي تنتقم من فيك.... واغتنمتها.."أوه، أجل , اننا بانتظار يوم مناسب كي أطير معه في هذه الآلة الخفيفة المضحكة."
    "لاتذهبي." قال بلهجة أمر شديدة وغير اعتيادية.مما جعل سارة تحدق به مذهولة حقاً, يالجرأته! رفعت سارة ذقنها الصغيرة تحدياً,لقد حان الوقت لتلقينه درساً!
    "ولماذا لا أذهب؟" صرخت به , ومدت يدها إلى مقبض الباب كي تفتحه ولكن فيك خطا نحوها وسد الطريق عليها.
    "لقد وعدت لاري بالطيران معه يوماً ."أضافت وهي تتصنع الهدوء:"وأنا أنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر!" سارة، في الحقيقة ، نسيت الموضوع تماماً. " وإذا كان ما يقلقك هو الخطر الذي يمكن أن أتعرض له !" قالت بتعالٍ :" فاطمئن بالاً ، لأن سجل لاري في الطيران لا غبار عليه ، وبالنسبة لي فأنا لا أخاف ركوب المخاطر ... أبداً."
    " ولكن أنا الذي أخاف !" صر فيك على أسنانة بشراسة .
    " أريدك أن تفهمي جيداً ! أنت لن تطيري معه في هذه الآلة السخيفة ... الميكرولايت ... لا في الوقت الحاضر ولا فيما بعد !"
    " يا للسماء ." قالت باستياء :" وماهو السبب ؟"
    " لأني لا أقبل بذلك !"
    " لا تقبل ؟" انفجر كل ما كتمته في قلبها في وابلٍ من الكلام :" كما أخبرتك ، سابقاً ، اني أختار الألحان التي أعزفها وأختار الفساتين التي أرتديها ، فأنا أيضاً أختار أصدقائي !" ولأنها شعرت أن صمته ... بطريقة ما ... هو أكثر رهبة من الكلام الساخر الذي كانت تتوقعه منه ، أضافت دفاعاً:" إني أعمل هنا فقط ، كما تعرف ! وأنت لا تملكني !"
    علا الاحمرار وجهها ." على أي حال ..." نظرت إليه بارتياب ." ... لماذا قلت للاري انك لا تستطيع الاستغناء عني في عطلة الاسبوع ؟"
    " لقد سمعتني حينها ." قال بهدوء :" ضغط العمل ." لماذا لا تثق بهذه النغمة في نبرة صوته الممغوطة ؟
    " أنا أتعجب ، وأريد أن أسألك عن أمر ؟" وبدا انها لا تستطيع منع تدفق الكلام الغاضب من فمها :" لماذا اتخذت هذا الموقف العدائي من لاري مع انه لم يفعل شيئاً وبدا لي انه رجل لطيف جداً...؟"
    " أوه ، انه رجل لطيف بالتأكيد !"
    " إذاً ماهي المشكلة ؟"
    " انها جزء من اتفاقنا عندما حصلت على العمل هنا . هل تذكرين ." مرة أخرى ... لاحظت سارة التهكم في صوته :" أن احتمال العمل في عطل نهاية الأسبوع هو وارد دائماً ..."
    " إنه فقط احتمال !" رمت سارة فجأة ، كل منطق في الهواء .
    " أنت لا تزال غاضباً ، لأني رفضت أن أنشد أغنيتك الخاصة اليوم ، وأن أعدل البرنامج الموسيقي لأجلك !" حدقت به والشرر يتطاير من عينيها .
    هز فيك كتفيه." أنا أستطيع الانتظار ..."
    " تنتظر ! كيف بامكانك التكلم هكذا !" انفجرت به غاضبة .

    " بعد ... بعد ..." ذهلت وهي تسمع نفسها تضيف :" ... كل ما فعلته معي ، اليوم ؟"
    أجابها بصوت هادئ ورصين :" ما الذي تعنينه بكلامك ؟"
    " وكأنك لا تعرف ." قالت بصوت متهدج فيما كانت تحاول أن تمنع دموعها التي كادت أن تنهمر . وأحست ، دفعة واحدة ، بالهوان وبأن مشاعرها قد جرحت . وطغى عليها الغضب ." لقد تحدثت مع بول ، منذ قليل ، لقد كان مسروراً جداً لأنك أعطيته عملاً في هذا الموسم . العمل الذي أشغله أنا !" أهتز صوتها وهي توجه له هذا الاتهام :" كيف تستطيع أن تفعل شيئاً كهذا ؟" صرت على أسنانها كي تمنع نفسها عن الكباء ." كما انك لا تبالي بما يحدث لي !"
    غمرها ، دفعة واحدة ، احساس بالخيبة والاحباط بسبب التراكمات العاطفية طوال هذا اليوم الطويل ، ومسحت بيدها الدموع التي سالت على خديها ." لا أحد ... لقد ظننت ..."
    تعثرت بالكلام كالسكارى :" أنا أعني ، إذا كنت بحاجة إلى شخص يحمل رخصة قيادة صالحة ، فأنا عندي هذه الرخصة ، ولم أعتقد في البداية ان ذلك يهمك ..."
    " لا يهمني ؟ منك ، يا سارة ؟" أخذتها الدهشة بفعل الدفء المفاجئ في نبرته الخشنة ، ولكن نبرته تبدلت بعد لحظة وأصبحت عادية . وقالت سارة في نفسها ، لا شك انها تخيلت هذه الرقة غير المتوقعة منه . أن يكون رقيقاً معها ؟ فيك ؟ لا شك انها فقدت صوابها !
    أفاقت من تأملاتها وعادت للإصغاء إليه :" لقد أسأت الفهم تماماً ، وتشابكت أفكارك . صدقيني ، اني أحتاج للمساعدة في العمل ، من أي جهة أتت !"
    " أوه ." تنهدت سارة باطمئنان ." لقد ظننت انك استغنيت عن خدماتي ."
    " استغني عنك يا سارة ؟" لم تستطع سارة سماع هذه الكلمات جيداً لأنه تمتم بها بصوت خافت ، وخيل لها ، بعد دقيقة ، انه لم يقلها . يبدو انها في هذه الليلة ، تفترض كل الاحتمالات غير المعقولة ، مثل النغمة العاطفية في نبرات فيك الخافتة ، وانه سوف يطردها من العمل ، لأنه أعطى عملاً لفتى من عائلته .
    " هل فهمت الموقف الآن ؟" أعادتها ، نبرته الممغوطة إلى الواقع .
    " أوه ، أجل ، أجل ." أكدت له وهي تشعر بالسعادة ، وانتظرت أن يقول لها انه لايعترض على قيامها بنزهة مع لاري في طائرة الميكرولايت ولكنه بدلاً من ذلك تمتم بشيء غير مفهوم ، ثم قال :" تصبحين على خير يا سارة !" واستدار على نفسه بزاوية حادة وابتعد بخطوات طويلة متمهلة ... وابتلعه سكون الليل.

    " هل رأيت فيك هذا الصباح ؟" رفعت سارة رأسها عن طاولة المكتب عندما دخل بول المكتب ." هنالك من يطلبه على الهاتف ..."
    " لقد ذهب مع فتاة تدعى لين ، لقد اتصلت به وذهبا منذ وقت طويل ، وقد قال انه لن يعود قبل حلول المساء . لقد مرت عليه في الصباح واقلته معها في سيارتها ... أوووو ! ما أجملها ! شقراء ومغرية ! إن فيك يعرف كيف يختار فتياته !"
    لم تفهم سارة السبب لشعورها المفاجئ بالخيبة والحزن . الخبر ليس مفاجئاً ، لقد أخبروها مراراً عن العلاقة الغرامية المتقطعة بين فيك ولين ! وفي الوقت نفسه لا يعني فيك لها شيئاً ... هل هذا معقول ؟ ولماذا تشعر بالغضب والاحباط ؟ بالطبع ان الذي يزعجها هو انه سمح لنفسه بالقيام بنزهة في نهاية الأسبوع بينما منعها في الوقت نفسه من الذهاب مع لاري . قالت بصوت مرتفع :" هل ترك لي أي خبر ؟"
    " كلا ، ولا حتى كلمة ."
    غمرتها موجة من الاستياء .
    " وهكذا لا يبقى للاشراف على العمل إلا أنا وأنت !" قال بول وهو يشعر بأهميته :" وبالنسبة لي ، لا بأس بذلك ، فأنا سعيد لوجودي هنا ، وليس عندي من مكان آخر أذهب إليه ، ليس بلا جواز سفر ."
    كانت سارة ما تكاد تصغي إلى صوته الطفولي ، لقد ترك لها أمر التعامل مع الرحلات السياحية التي يحتمل وصولها في غيابه ، وهذا أمر يناسبه . لأنه لم يترك لها فرصة للاختيار . ولم يترك لها أيضاً توجيهات خاصة . لا شك انه كان متلهفاً لهذا اللقاء غير المتوقع مع الفتاة التي لايزال يحبها إلى درجة نسي معها كل شيء آخر . أطبقت شفتيها بقسوة ، حسناً ، في الامكان أن يلعب أثنان هذه اللعبة ! نظرت من خلال النافذة ! يوم صاف ، بدون رياح ، وسماء زرقاء براقة . انه يوم مثالي للطيران بالميكرولايت . ولِمَ لا ؟وهي غير مُجْبِرة على الانصياع لأوامر فيك . قالت سارة في نفسها . وإذا كان غيابها عن الكرم سيكلفه خسارة عدة زبائن مهمين ، فالغلط ، غلطه !
    التقطت بعد دقيقة ، سماعة الهاتف وطلبت رقماً مكتوباً على دفترها .
    " هالوا ؟" سمعت صوت لاري عبر الهاتف .
    " هذا أنا ... سارة ..."

    " سارة ." أحست من خلال صوته بدهشته وسروره الشديدين :" هل تخابرينني كي تقولي ان باستطاعتك الطيران معي كما وعدت ؟ أهذا هو السبب ؟"
    " كيف عرفت ؟" سألته.
    " لقد كان هذا ما أتمناه ، على ما أعتقد ، سوف أكون عندك قبل أن تشعري بمرور الوقت ! النشرة الجوية في المذياع تحذر من هبوب الرياح في آخر النهار . وليس عندنا وقت نضيعه . هنالك شواطئ رائعة وصالحة للسباحة ..."
    " هذا يعجبني !"
    " حسناً ، اجلبي معك المايوه البيكيني وقبعة شمس ، ان أشعة الشمس على الشاطئ حادة جداً ، وبشرتك الانكليزية ..."
    " سأفعل ذلك ." أكدت له سارة .
    " أوه ، شيء آخر ، يصبح الهواء في الأعلى بارداً والأفضل أن تجلبي معك ثلاث كنزات صوفية ..."
    تنهدت سارة بدهشة :" هل قُلت ثلاثاً؟ لا أعتقد أنني سأحتاج ..."
    " ستشعرين بالفرق عندما تصبحين على علو ثمانمئة قدم عن سطح البحر. ثقي بي ! اسمعي ، سوف نصرف اليوم كله في الطيران والتنزه والسباحة ، وليس هناك من مجازفة في مواجهة الأمواج العالية على الشاطئ ، سوف أهتم بك وأقوم برعايتك ."
    أذاب الدفء البسيط الذي شعرت به الجدار الجليدي الذي أحاط بقلبها . إن لاري رجل لطيف وذو مصداقية ، وعلى الرغم من معرفتها القصيرة به ، فهي تعرف انها تستطيع أن تثق به بخلاف فيك ، على العكس من الذي ينظر إليها أحياناً ، برغم جدالهما العاصف والمستمر ، وكأن أمرها يهمه . والنتيجة ، أن كل ذلك لا يعني شيئاً ... لا يعني شيئاً فيما عدا التلهي للحظات قصيرة بعواطف الفتاة التي ، بسبب عملهما معاً ، أصبح يعرفها ويعجب بها قليلاً ، بينما هو ولين ، طوال الوقت ... كيف أمكنها أن تكون بهذه الهشاشة ؟
    عادت عن أفكارها وأصغت للاري يقول بحماس :" لا أستطيع الانتظار أكثر كي أبدأ الرحلة ! سوف أراك حالاً ، وأنا أعني حالاً !"
    رجعت إلى الكوخ ووضعت مايوه البيكيني في حقيبة نزهة ثم وضعت منشفة ونظارات شمسية والكريم الواقي . ثم ارتدت عدة قمصان رياضية فوق بعضها وذهبت إلى المنزل الكبير تبحث عن كيت .
    وجدت سارة المرأة المسنة في المطبخ وهي تُقطع حبوب فاكهة الكيوي التي أرسلتها باتي ... وهي غير صالحة للتصدير إلى الأسواق العالمية ...لتصنع منها المربى .
    " سيأتي بعد قليل ويأخذني في نزهة على متن طائرته ، الميكرولايت ." قالت سارة لكيت :" سيصل في الحال ." ظهر في عيني كيت عدم الرضى ." لن يكون فيك مسرورا لهذا العمل ." قالت وقد علا محياها الاستياء :" أظن انك تعرفين انه سيمضي هذا النهار مع لين !"
    ولكن سارة لا تريد سماع أي شيء عن لين . واعتلى وجهها الاحمرار .
    " أعرف انه لن يكون مسروراً ." وافقت على كلام كيت برقة .
    " ماذا سيحدث ..." رمقت كيت سارة بتحدٍ ." ... لو وصلت رحلة سياح ولايوجد أحد هنا كي يهتم بهم ؟"
    كان رد سارة جاهزاً على هذا السؤال :" لقد راجعت جدول الرحلات ، وليس عندنا أي حجوزات مسبقة لهذا النهار ."
    " لا أحد يعرف بالتأكيد متى تصل الرحلات ." أضافت كيت وهي تحاول أحباط همة سارة :" خاصة ، في يوم جميل كهذا ، أتمنى أن تكوني على معرفة بما أنت في صدده ، ولا أتعجب من معارضة فيك لهذه النزهة على متن الطائرة الصغيرة ، لأنك بذلك ، تجازفين بحياتك..." نظرت سارة إلى كيت وكأنها لا تصدق ما سمعت :" أجازف بحياتي مع لاري ؟ الرجل الذي سجله خالٍ من أي حوادث ..."
    " سجله ، هذا كل مافي الأمر ! ولكن لكل شيء أوان ..."
    " حسناً ، على أي حال ، أنا ذاهبة !" ولم تندهش سارة عندما لم تلقي عليها كيت تحية الوداع .
    كانت سارة واقفة على العشب عندما هبطت الآلة الطائرة بجناحيها العملاقين ذويْ اللون الزهري ، من السماء الصافية وتسارعت فوق العشب حتى توقفت.
    قفز لاري ، بعد لحظة ، من الطائرة ، وهرع نحوها والحماس يعلو وجهه ." انه لرائع حقاً ، أن أراك ثانية ! كدت أن أفقد الأمل في أن تتصلي بي من أجل هذه النزهة ، أما الآن ..." خفف الدفء العاطفي في نبرة صوته من ألم جروحها وشعورها بالخيانة اللذين لا يفارقانها.
    " هيا ، تسلقي !" ساعدها لاري في تسلق الطائرة والجلوس في أحد المقعدين المثبتين على اطار من الألومينيوم ، وخيل لسارة ان المحرك من خلال الصوت الذي أحدثه ، هو آلة لجز الأعشاب برغم قوته التي توازي قوة المحركات الكبيرة ." ابتسمي !" اخرج لاري من جيب بنطاله الجينز
    آلة تصوير . ابتسمت سارة فيما كان يلتقط لها الصورة . " اني ألتقط هذه الصورة ، كي أؤكد لنفسي ، فيما بعد ، ان هذه النزهة كانت حقيقة وليست خيالاً!"
    تسلق لاري الطائرة وجلس في المقعد الآخر . " خسناً نحن جاهزان للتحليق . وسمعت سارة صوتاً خافتاً من خلال السماعة التي وضعتها على أذنيها فيما كانا يرتفعان فوق الأعشاب .
    لم تشعر سارة بالخوف عندما حلقا عالياً في الجو .
    والآن أصبح باستطاعتها أن ترى أشياء كثيرة في الأسفل .
    المساحات الخضراء الشاسعة ، ومراعي الغنم المنتشرة هنا وهناك ، وأشجار الماكروكاربا الباسقة التي تغطي المنحدرات الجبلية . ثم وجدت نفسها تنظر إلى بساتين البرتقال وفاكهة الكيوي ، ومزارع الغزلان المحاطة بأسلاك عالية ، ثم رأت منظر البحر المتماوج ، فيما كانت أشعة الشمس المنعكسة على صفحته تتراقص وتتمايل ... وشد نظرها الشاطئ الرملي الذي يمتد إلى ما لانهاية.
    هبط لاري بطائرته فوق منطقة معشوشبة ومنبسطة ، ثم مشيا فوق تلال رملية انتشر عليها العشب البحري ، وشعرت سارة برذاذ ماء البحر يلامس وجهها واستنشقت رائحته المالحة .
    قال لها لاري فيما كانا ينحدران باتجاه الشاطئ :" هل تبحثين عن مخبأ تبدلين فيه ثيابك ، انظري حولك !"
    " أوه ." نظرت إليه سارة متسائلة ثم ضحكت ." لقد فهمت الآن ، ما كنت تعني !" أضافت بعد أن رأت شجرة بوهوتكوا العملاقة تعلو فوقهما مباشرة ، وتنحدر جذورها المكشوفة على الرمل ، مثل الأفاعي .
    استدارت سارة بخفة خلف جذع الشجرة الضخم وشعرت بالارتياح للتخلص من ملابسها غير المريحة ، مستبدلة بها مايوه البيكيني الذي شعرت به بالحرية والانطلاق ، وضعت ملابسها داخل فتحة في الجزع ولحقت بالاري الذي كان ينتظرها على الرمل ... رجل طويل القامة ونحيل، سمرته الشمس ويبدو وسيماً في شورت السباحة المقلّم بألوان براقة .
    لاحظت سارة ان المكان جميل بصورة لا تصدق عندما تأملت فيما حولها . سماء زرقاء صافية تشعر أن باستطاعتك مد يدك لسمها . بحر تتموج انعكاساته مثل تموج الالماس . ولم تشاهد إلا قلة من المتنزهين ، الذين أتوا كي يستمتعوا بهذا الشاطئ الخالي من أي عيب . ورأت في البعيد سابحين يمتطون البحر على متن زلاقات الموج .
    وعائلات تحتفل وهي متحلقة حول خيمة منصوبة أو لاندروفر متوقفة على الرمال . ورأت الكثير من طيور النورس تصرخ وتحلق فوق الأمواج . وأتتها خاطرة من حيث لا تدري ... لو كان فيك معها هنا بدلاً من لاري ... دفعت سارة بعيداً عنها ه1ذه الخاطرة السخيفة . إن فيك يمتع نفسه ، في الوقت الحاضر مع لين ، تذكري ذلك !
    " تعالي معي !" أمسك لاري بيدها وسارا معاً فوق الرمال الذهبية وغطسا في الزبد الذي تكوّن على الطرف الشاطئ ، وسبحا بعيداً.
    شاهدت سارة ، فجأة ، موجة عالية تقترب بسرعة نحوها . وفي لحظة ، أفقدتها قوة هذه الموجة توازنها .
    وشعرت انها تغطس تحتها إلى أعماق المياه الزرقاء .
    وفيما كانت تتحرك تحت الماء على غير جدوى ، أمسكت بها يد لاري القوية وسحبتها إلى سطح الماء . مسحت الماء عن عينيها ، وتنفست بصعوبة ، ودفعت بشعرها المبلل والمنسول على وجهها إلى الوراء.
    استطاعت سارة ، بعد وقت قصير ، بتوجيه من لاري ، السيطرة على توازنها في مواجهة الأمواج العالية وتعلمت كيف تنزلق معها . واجها الأمواج مرة بعد مرة بانتظار الموجة العالية التي تحملها وتلقيهما على الشاطئ .
    ان التلاعب على الأمواج هو وسيلة جيدة ، قالت سارة في نفسها فيما كانت تنتظر بين موجة وأخرى ، للتخلص من التفكير بفيك وبمشاكسته ... مؤقتاً ، على الأقل .
    أخيراً ، سبحا فوق المياه الضحلة إلى الشاطئ وارتميا على الرمال الحارة ، وتركا للشمس مهمة تجفيفهما .
    سوف أتذكر دائماً هذا اليوم ، عندما أعود إلى انكلترا ، فكرت سارة . الشاطئ المنعزل ، وأشعة الشمس البراقة ، والاسترخاء تحت السماء الصافية ، وطعم الملح عندما يجف الماء عن جلدها . ولكان نهارها قد اكتمل لو كان فيك برفقتهما ... ما هذا الذي تفكر به ؟
    " أعطيك قرشاً ثمناً لأفكارك !" أسند لاري نفسه على مرفق يده وحدق بها.
    " أفكر في أشياء تافهة !"
    " إذاً ." قفز واقفاً وتسلق المنحدر ." لن أتأخر عنك ." راقبته سارة وهو يسير فوق التلال ويتخطى بساقيه الطويلتين المسمرتين الرمال المتحركة بخفة ومن دون جهد.


    عاد إليها ، حاملاً معه صندوقاً من الكرتون ، فتحه أمامها بوقار مصطنع وقال :" الغداء جاهز يا سيدتي !"
    " أنا لاأصدق عينيّ." اختارت سارة سندويشاً من الصندوق ." لم أكن أظن انك وجدت وقتاً ، كي تجهز الطعام ."
    " هذا صحيح ، لم يكن عندي الوقت !" أجاب وناولها عصير الفاكهة المثلج :" لقد حدث كل شيء بسرعة ، هذا الصباح ، ولكن والدتي هرعت لنجدتي ."
    " والدتك ؟" لم يخطر ببال سارة ... بطريقة ما ... ان لاري يقيم مع عائلته . وبدا لها أن لا أهمية لذلك . فاهتمامها منصب على فيك وحده ، أو كان منصباً بصيغة الماضي ، كان هي الكلمة المعبرة ... وشعرت فجأة ان مذاق الطعام اللذيذ في فمها أصبح مثل مذاق نشارة الخشب.
    عندما انتهيا من الطعام ، غطسا مرة ثانية في البحر وسبحا إلى البعيد ، حيث المياه عميقة ، وانتظرا الهجوم التالي للموج العالي كي يحملهما إلى الشاطئ . عادا إلى الشاطئ بعد فترة وارتميا على الرمال مستلقيين على ظهريهما فيما كانت أشعة الشمس تلفح وجهيهما . ولم تصدق سارة ، عندما نظر لاري إلى ساعة يده ... وأخبرها عن الوقت . كيف انقضى كل هذا الوقت من دون أن تشعر بمروره ؟
    استرخت سارة بشعور لذيذ من الراحة ، وكانت على وشك أن تغفو عندما أحست بلمسة فوق شفتيها ، فتحت عينيها وشاهدت لاري منحيناً فوقها .
    " لا تفعل !" تملصت منه بحركة سريعة وقفزت واقفة على قدميها .
    حدق بها لاري ، وعيناه الداكنتان تنطقان بالدهشة والغضب ." لقد ظننتك معجبة بي ؟"
    " أنا معجبة بك ، بالطبع ! انه فقط ..."
    تغير لون عينيه، دفعة واحدة ، وبدا عليه التفكير العميق .
    " هنالك رجل آخر في حياتك ، أليس كذلك ؟ رجل ما في انكلترا ينتظر عودتك إليه وهو يعد الأيام بفارغ الصبر ..."
    ضحكت سارة من هذا الاحتمال . " ولكني لا أعلم بوجود مثل هذا الشخص ."
    " إذاً ، رجل ما ، هنا ؟" تابع لاري باصرار .
    " كيف يمكن ذلك ." ولكن لسبب ما لم تستطع سارة أن تنظر في عينيه وأشاحت بنظرها عنه فيما كانت صورة معينة تستولي على ذاكرتها ... فيك ، بجسمه المتناسق ، وسمرته الجذابة وابتسامته التي تستطيع أن تفعل


    الأشياء بعواطفها برغم القرارات التي اتخذتها بأن لا تسمح لنفسها التأثر بها إلى هذه الدرجة.
    " طالما الفرصة متاحة لي ." قال بصوت خافت جداً.
    تحول لاري ثانية إلى مرافق مسلٍ وغير متطلب عندما رجعا إلى الطائرة عبر تلال الرمال المتحركة . كانت الشمس على وشك الغروب عندما ظهر لهما الكرم من الأعلى ، وبعد دقيقة ، سمعت سارة حفيف الهواء على الأشجار والمنازل والسيارات فيما كانت الطائرة تهبط متسارعة على الأرض .
    ساعدها في النزول من الطائرة ، وودعته باختصار ، فيما كانت التلال خلفهما تكتسب لون الغروب الأرجواني.
    " انتظري ." وضع لاري يداً على ذراعها وأوقفها :" هل تقبلين بالذهاب معي ثانية ؟ وهل ستتصلين بي في أقرب فرصة تجدين بها نفسك حرة من العمل ؟"
    أجابته سارة ضاحكة :" لقد فعلت هذا ، ألم أفعل ؟"
    بدا على ملامحه الانشراح :" لقد كان صوتك هذا الصباح ، أجمل صوت سمعته في حياتي ، لا تنسي ..."
    " لن أنسى ، مع السلامة ." كانت على وشك الابتعاد عنه ، عندما عانقها ، ثم أفلتها فجأة ، ورفع يده بالتحية وتسلق الطائرة .
    وقفت سارة تلوح بيدها حتى حلقت الطائرة الزهرية اللون في الهواء واختفت خلف التلال . ولما استدارت وجدت نفسها وجهاً لوجه مع فيك الشاحب والمتشنج الذي قال بصوت متهدج :" لقد عدت! أنت متأخرة ، وقد أرهقني القلق عليك ." هذه المرة ... لا يمكن أن تسيء فهم هذه التعابير التي تنم عن شعوره بالراحة لعودتها سالمة . " يا للجحيم ." مرر يده على خصلة من شعرها ." لا تفعلي ذلك ثانية !"
    حدقت سارة به متعجبة . لماذا ينفعل وكأن عودتها سالمة تعني له الكثير ، الكثير جداً . ولكن بالطبع ، ذكرت سارة نفسها بعد لحظة ، قلق لأنه لا يريد أن يخسر مساعدته في الكرم ، وخاصة فتاة تهتم كثيراً بانتاج الشراب.
    عادت سارة من تأملاتها وتابعت الاصغاء إليه :" لقد وجب علي الذهاب مبكراً هذا اليوم ، صديقة لي ..." لماذا يخبرها عن لين ؛" جاءت على غير موعد . لقد تزوجت بهدوء من رجل قابلته في رحلتها الأخيرة إلى الخارج . لقد عرفا بعضهما لوقت قصير ولكنها أخبرتني انهما متفاهمان جداً ، على أي حال ، قرر زوجها أن يترك عمله في انكلترا كمحاسب ،


    وينشئ هنا ، في نيوزيلندا كرم عنب ، ويجرب حظه في صناعة الشراب ، زوجها يملك رأس مال قليلاً وقد عثرا على قطعة أرض في الجنوب قد تكون مناسبة بما عليها من منافع وبيت . وكانت معروضة للبيع بالمزاد ، هذا اليوم . ولم يبق عندهما الوقت . لهذا تركا لي أمر الكشف على الأرض وفحص ملاءمة تربتها ومناخها لزراعة العنب ، ومدى تعرضها للشمس وكل ما يستتبع ذلك . وجدت أن الأرض صالحة للإستثمار ومن النوع الذي كانا يسعيان له . وقد أخبرتهما أن يتكلا على الله ويبتاعا الأرض ، وأضفت على ذلك مباركتي لهما ."
    " أوه ." غمر سارة احساس مفاجئ وغامض من السعادة .
    " ثم عدت إلى البيت بأسرع وقت ممكن ." قال فيك :" لأجد انك ذهبت مع لاري ." نزلت غشاوة على وجهه وركزت على كلامه كي تستطيع سماع صوته الخافت :" لقد كان يوماً شاقاً وعندما تأخر الوقت ... هل لاحظت أن هذه الطائرة بمحرك واحد فقط ، وإذا تعطل ...؟"
    " حسبما أخبرتني كيت ، رحلتان فقط ." هز كتفيه إشارة على عدم المبالاة:" سيرجعون إذا كان الشراب يهمهم ."
    هل الذي يتكلم معها ، هو فعلاً فيك ؟ ما تكاد سارة تستطيع أن تصدق أذنيها ، ثم قالت وهي تشعر بالضياع :" إذاً ، أنت لا تمانع إذا أخلدت للراحة الآن ؟"
    " أمانع ؟" بدت عيناه أكثر رقة ." أنا لاأمانع بأي شيء ، بعد أن عدت سالمة لي !"
    قفز قلبها عدة قفزات ثم استقر ، غبية ! أنبت نفسها لو أتت هذه الكلمات من أي رجل آخر ، لكانت حملت مغزى عاطفياً ، ولكنها أتت من فيك ... انه يهنئ نفسه لأنه لم يخسر عاملة ممتازة .
    أثار هذا التفكير غضبها ولمعت عيناها الخضراوان ، " لم أكن أعرف أني مهمة لك إلى هذه الدرجة ؟" صرخت في وجهه ، وبعد دقيقة ، أصبحت على استعداد لدفع أي ثمن كي تسترجع هذه الكلمات . لم يزعج نفسه بالرد عليها بل اكتفى بالنظر إليها بصمت وبتعابير لم تستطع قراءتها . غمرتها الحيرة وتمتمت :" من الأفضل أن أخلد إلى النوم ." وهرعت مبتعدة .
    استمرت في التفكير بفيك وهي في طريقها إلى الكوخ . لا شك انها تخيلت هذه الرقة في مشاعره نحوها . وعندما دخلت الكوخ ، أحست فجأة، بالفراغ ، وغير واعية حيال أي شيء . لو فقط ... فجأة ... ضربتها الحقيقة ، وكأنها لكمة عنيفة . انها تهيم برجل لا يمكن أبداً أن يبادلها الحب ، ولاشك أنه عندما يعرف حقيقة وضعها هنا ، سوف يحتقرها وينبذها . ولكنه لن يعرف ، أقسمت في نفسها ، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ، وليساعدها الله.
    لماذا لم تتبين هذه الحقيقة من قبل ؟ أن فيك يعني لها الكثير ، انه حياتها ومع ذلك لم يبق لها إلا أسابيع قليلة قبل أن ترحل من هنا إلى الأبد .
    أخذت أطراف الصورة تتوضح في مخيلتها ، الأيام الرائعة التي فقدت جمالها بسبب غياب فيك عن الكرم . ثم سعادتها المفاجئة حين تشاهد سيارته تتوقف أمام المخزن عندما يعود . أن تراه ، أن تكون معه ، أن تعمل إلى جانبه ، أصبح الآن كل عالمها . وهي لم تكن مع فيك غير فتاة مشاكسة ، وموظفة صعبة ... برغم انها تتعلم بسرعة وخلصة لعملها.
    اجتاحت موجة من الألم قلب سارة ، لو كان عندها شيء من الكبرياء واحترام النفس لحزمت امتعتها وعادت إلى انكلترا على متن أول طائرة مغادرة . ولكن المشكلة ، فكرت ببرود ، انها لا تتمتع بهاتين الصفتين . في الوقت القصير الذي بقي لها عطلة العمل في الكرم . لن تستطيع تحمل فراق فيك حتى ليوم واحد . المهم أن تبقى بالقرب منه ... كم هي غبية !



    الفصل الثامن


    تقلبت سارة في فراشها ، تلك الليلة ، وجفاها النوم .
    كانت أفكارها تتصارع وصورة فيك لا تفارق مخيلتها . إنها تحبه وتهيم به . وأي شيء صغير منه يعني لها الكثير . شعره الأسود المجعد ، وعيناه الداكنتان وابتسامته ، الابتسامة التي أسرت قلبها وجعلتها تنسى كل شيء أخرى في العالم .
    وحتى انتحالها شخصية فتاة أخرى ، وقد بدا لها حينذاك أنه خداع لا ضرر منه ، احتل أهمية يائسة في حياتها.
    لو توجد وسيلة ما ، تستطيع معها الاستمرار في البقاء هنا ، حتى ولو لم يعرف حقيقة مشاعرها نحوه . أن تعترف له بكل الحقيقة وتوضح له أنها كانت تحت تأثير اعتقاد خاطئ وتأمل في تفهمه . هل يوجد بعض الأمل مع فيك العصامي والفخور والتزامه العميق بتحسين الكرم الذي عمل له باخلاص وبنى له سمعة كبيرة في عالم الصناعة .لا ، إنه لن يغفر لها أبداً كذبتها وانتحالها شخصية أخرى . أسوأ ما في الأمر ، أن يعتبرها محتالة ، تسللت إلى الكرم تتحقق من مدى اخلاصه وأمانته.
    ما الذي يجب أن تفعله ؟ الحل الأمثل ... هو أن تترك الكرم ، فوراً ، ولا تعود إليه أبداً . هذا الحل يوفر عليها الألم من رؤية الخيبة في عيني فيك . غمرتها موجة من البؤس ، لا ، إنها لاتستطيع أن تفعل ذلك .
    باستطاعتها أن تطلب من المحامين في لندن أن يرفعوا من راتب فيك كي يستمر في العمل ويدير صن فالي لحسابها .
    ولكن هذا الحل لن يخفف من ألم الفراق ، وشوقها لأن تكون معه . إنها تحبه ، حتى ولو لم يبادلها ... أبداً ... أبداً الحب .
    أخلدت إلى النوم ، بعد حين ، واستيقظت في ساعة متأخرة من الليل على صوت خبطة قوية على السطح ، وصوت أغصان تتكسر ، لاشك أن الذي أحدث هذه الأصوات ، لصوص يحاولون الدخول إلى الكوخ .
    بحثت سارة بأصابع مرتجفة عن مفتاح النور قرب طاولة السرير ولكن بدلاً من ذلك ، ارتطمت يدها بالمصباح ورمته أرضاً . سمعت خبطة أخرى ، من داخل المنزل ، فيما كانت تنزل عن السرير مرتبكة وشعرت بوجود كائن ما ، مر قربها في الظلام . لم تدري كيف بدأت بالصراخ الهستيري :" النجدة ! النجدة !." تملكها الرعب واستمرت بالصراخ وهرولت عبر غرفة الطعام ، ومن خلال الباب الخلفي إلى الخارج . ثم

    ركضت فوق العشب الندي باتجاه المنزل الكبير المضاء ، ووجدت نفسها في أحضان رجل كان يسرع لملاقاتها .
    " فيك ! أهذا أنت ؟" أهذا أنت ؟ تنفست الصعداء وأحست برجفة عنيفة تعتري جسمها مما جعلها تتعلق بشدة بذراعه.
    " هدئي من روعك ." قال فيك وهو يحتضن جسمها المرتجف :" ما الذي حدث ؟"
    " يوجد شخص ما في الكوخ !" تنهدت بعمق واستطردت :" لص ، لصوص ، إنهم يحطون كل شيء ! لقد ارتطم أحدهم بي في الظلام ." قالت وهي لا تزال ترتجف فيما جزء منها أخذ يشعر بالأمان بفعل التصاقها بذراع فيك .
    " سأتحقق من هذا الأمر ." لم يبدُ عليه الاهتمام الزائد ، فكرت سارة بحيرة ، ألم يخبرها أن الشراب قد سُرق عدة مرات ، من متجر الزجاجات في الماضي ؟
    " كلا ، لا تدخل الكوخ !" نادته :" إنهم مجانين ، إنهم يحطمون كل شيء ... لا شك أنك سمعت كل هذا الضجيج ومن المحتمل أن يكونوا مسلَحين."
    " أنا أشك بذلك ." لاحظت بوادر ضحكة على وجهه.
    " ما هو الشيء الذي يضحك ." همست متلعثمة .
    " ستعرفين ذلك ، بعد لحظة ."
    ابتلعت ريقها ، ونظرت إليه باتهام :" أنت لا تصدقني ، أليس كذلك ؟"
    " بالطبع ، أنا أصدقك ! ارتاحي يا سارة ، لا داعي للخوف . تخرج قرود البوسوم من حين لآخر في الليل من الغابة وتتسلق سطوح المنازل ، وتعيث فساداً، وقد يسقط أحدها داخل المدخنة ويثير الرعب في نفس أي شخص يكون نائماً ، حينها ، في الكوخ . إذا حشر أحد هذه القرود في زاوية ، يفقد صوابه تماماً ، ويحطم كل شيء تطاله يداه في محاولة مجنونة للهروب . وعندئذ تنزل مخالبه الحادة إلى الساحة . إنها الحالة الوحيدة التي يصبح فيها مؤذياً ولكنها في العودة يخافون من الناس أكثر من خوف الناس منهم ."
    " قرود البوسوم ." لم تشعر سارة ظن قط ، بمثل هذا الخجل .
    صرخت مرتاعة وأقامت الدنيا وأقعدتها بسبب ...
    " سوف أريك ." أبعدها فيك عنه ." تعالي !"
    تنحت جانباً وهي تشعر بالحيرة ولا تزال تحس بأثر التصاقها بذراع فيك . وتعثرت برداء النوم الطويل والمشبك الذي التف حول قدمها الحافية . ووجدت سارة نفسها ، في لحظة ، وقد حملها فيك بين ذراعيه واتجه بها

    إلى الكوخ عبر الممشى والمنصة الأمامية وخلال باب غرفة الطعام المفتوح ، وضعها بلطف على الأريكة ثم أدار مفتاح النور .
    " جهزي نفسك للمفاجأة !"
    انتشر النور في الغرفة ، وتنفست سارة بعمق ثم اتسعت حدقتا عينيها من جراء الصدمة التي أصابتها وهي تشاهد الخراب حولها ، الأواني الخزفية المتكسرة ، تناثرت قطعها على الأرض . ووعاء الزهور المقلوب على الطاولة فيما سال ماؤه على السجادة . ورأت الغبار الأسود المنبعث من مدخنة المدفأة يغطي كل زاوية في الغرفة.
    " هؤلاء هم لصوصك ... أو أحدهم ." ضحك فيك وهو يشير إلى الحيوان الذي سقط من داخل المدفئة على الغبار المتراكم في المدفأة ثم انطلق صائحاً ، مرتطماً بهما ، إلى الخارج عبر الباب المفتوح .
    " ابق حيث أنت ، وأنا سأقوم بعملية التنظيف ، ثقي بي ، لقد اعتدت على القيام بهذا العمل."
    جلست سارة على الأريكة ووضعت قدميها تحت رداء النوم الطويل وتمتمت :" أشكرك ." وللمرة الأولى ، لم تجد الرغبة في معارضة أوامره. لقد انهار دفاعها بأكمله في مواجهة نظرة عينيه العميقة . بالإضافة إلى أنها وجدت متعة في مراقبته وهو ينظف الغرفة من الغبار ، ويكنّس قطع الزجاج المكسورة ، ويمسح الماء عن الطاولة . ولكنها بعد دقيقة ، تذكرت حقيقة الموقف بينها وبين فيك وأحست بطعنة في قلبها .
    " لا تبتئسي ." لاحظت سارة أن نظرته العميقة قد وقعت على شفتيها .
    " سيبدو كل شيء جديداً ، هذا الصباح ."
    " أنا أعرف ذلك ."
    حاولت سارة أن تبتسم ، ولكن فيك لاحظ الغشاوة التي انسدلت على تعابير وجهها ، وجلس إلى جانبها على الأريكة ." ما المشكلة ." وضع يده على ذقنها ورفعها قليلاً برقة ، فيما تلاقت نظراتهما ، وأضاف :" هل ارتكبت شيئاً بحقك ؟ إذا كان ذلك ..."
    " لا ! لا ! " وانطلقت الكلمات من فمها بعفوية ، بفعل عواطفها المكبوتة :" ليس منك يا فيك ! ليس أبداً!"
    ارتمت سارة ، في اللحظة التي تلت ، بين ذراعيه ، فيما فيك يردد :
    " أحبك يا سارة ، لقد أحببتك منذ اللحظة الأولى التي وقع فيها نظري عليك ، وتمنيت هذه اللحظة من ذلك الحين ..." ما كادت سارة تسمع صوته الخشن يتلفظ بهذه الكلمات.
    همست سارة :" أنا أحبك ، أيضاً ، يا فيك ." وتجاوبت مع عواطفه .



    " سوف احبك دائماً."
    " يجب أن نخطط للمستقبل يا حبيبتي يا حياتي ، وكبداية ..." توقف عن متابعة الكلام ثم استطرد :" ... يجب أن تلغي تذكرة العودة إلى انكلترا فوراً ، من الآن وصاعداً نحن زوجان ، سارة ، لقد خلقنا لبعضنا ."
    مضى وقت طويل قبل أن تستطيع سارة أن تفلت من بين ذراعي فيك . هنالك أمور يجب أن تقال ، إنه يحبها ، حباً عميقاً بامكانه أن يتخطى جميع العقبات . ولأنه يحبها ، سيتبين له ، لاحقاً ، أنها لم تكن تريد خداعه وهي لم تعتقد أن ما فعلته له أهمية . وقد تصرفت بعفوية واعتبرتها ، حينذاك ، مزحة .
    بدا فيك وكأنه على وشك الدخول على موجة أفكارها :" لقد انتهت إلى غير رجعة فترة المشاكسات وسوء الفهم بيننا . وسنكون معا؛على الدوام."
    " أنا وأنت فقط ." رددت سارة كلماته الحالمة . ثم تجمدت، دفعة واحدة ، وشعرت بالبرد يسري في عمودها الفقري . تملصت منه وقالت بتردد :
    " فيك ، هنالك أمر يجب أن تعرفه ، إنه مهم جداً ..." صلت سارة في نفسها ، أرجوك يا إلهي ، دعه يتفهم ، ولا تتركني أحطم كل ماهو جميل في حياتي الآن .
    قبّل فيك رأس أنفها برقة وقال بصوت عاطفي متهدج :" ليس هناك من أمر مهم كفاية ، كي لا نستطيع تأجيل البحث فيه ."
    " ولكنه بالفعل أمر لا يحتمل التأجيل ، لا يحتمل ..." تلاشى صوتها وهي تحاول العثور على الكلمات المناسبة ، أخيراً قالت :" إنه أمر حدث في انكلترا ."
    " انسي هذا الأمر ، الآن ." شدها إليه وقال :" أنت ترتجفين ، ليس هنالك ما تخافينه ."
    ولكن الأمر الذي تخافه ، موجود فعلاً ."أنت لا تفهم الوضع ." وتعلقت عفوياً ، بذراعه .
    وضع فيك أصبعاً على فمها وأسكت كلماتها المتلعثمة.
    " غداً ، سيكون لدينا الوقت الكافي كي نخطط لكل أمر ."
    وشعرت سارة أن نبرة صوته العميقة تأججت بالعاطفة .
    " أما الليلة ، فهي لنا يا حبيبتي ، ويجب أن نتمتع بها ."

    استيقظت سارة في ساعة متأخرة في الصباح ، ممتلئة سعادة وفرحاً . إنها وفيك يحبان بعضهما العض وتلذذت نفسياً بهذا الواقع ، لأنّه أصبح بمستطاعها أن تخبره عن خدعتها الغبية ، وهي واثقة من أنه سيتفهم . إنها


    تعرف أنه سيذهل عندما تخبره ، ولكنه ، بعد أن توضح له جميع الملابسات سيسر ويشكر القدر الذي حقق أمله في أن يحظى بامرأة تعمل إلى جانبه في صن فالي ، ترعاه وتحبه وتشاركه الأتراح والمسرات.
    لم تتناول سارة طعام الافطار ، لقد أفقدتها السعادة الكبيرة التي تشعر بها كل شهية للطعام ، وكل ما تتمناه في هذه اللحظة ، أن تشاهد فيك وتتمتع بلمعان عينيه عندما ينظر إليها .
    أخذت حماماً ساخناً ، وارتدت ملابسها الداخلية ووضعت فوقها قميصاً قطنياً بلون زهرة الليلك وبنطالاً أبيض اللون ، وانتعلت حذاء من القماش الأبيض.
    هرعت سارة ، تحت أشعة الشمس البراقة ، إلى مخزن الشراب ، ولكنها لم تجد إلا بول هناك يحاول أن يضع ملصقاً على زجاجة من منتوج الموسم الجديد .
    " صباح الخير ." حيت سارة بول وهي تشعر أن السعادة واللهفة تفوران في داخلها ، وتجعلان من الصعب عليها أن تتصرف على طبيعتها ." هل رأيت فيك هذا الصباح ؟" سألت بول ، وفكرت في نفسها ، حتى نبرة صوتها تفصح عن مشاعرها ، وهل بمستطاعها أن تخفي السعادة التي تعتريها بمجرد أن تذكر اسم فيك ؟
    " لحظة من فضلك !"أجابها بول وهو منهمك في إنهاء ما كان بصدده ، ولم يبدُ عليه أنه لاحظ حالتها النفسية . ثم أضاف :" لقد ذكر شيئاً عن مكالمة هاتفية تلقاها من مستوردين أوروبيين . لقد وصلوا نيوزيلندا لتوهم ويريدون مقابلته ."
    " أنا مسرورة لأنك أخبرتني ." ارتاحت على صندوق خشب فارغ وراقبته مبتسمة . بامكان سارة اليوم الابتسام لأي شخص تقابله . وبدا أنها لن تستطيع اليوم الاهتمام بأي عمل لأن أعصابها مشدودة بفعل السعادة المجنونة التي تشعر بها . تمالكت نفسها ، بعد لحظة ، وقالت :" سأتلهى بدوزنة أوتار الغيتار ."
    " أنا أملك غيتاراً ، أيضاً ." قال لها بول متحمساً :" هل تعطيني بعض الدروس في العزف ، طالما أنا هنا ؟ سوف أدفع لك أجراً من راتبي ."
    ضحكت سارة بفرح وقالت :" لا مانع عندي !" إنها تشعر اليوم بالرغبة في مدّ يد المساعدة لمن يطلبها . لم تعرف أن بامكانها الاحساس بمثل هذه السعادة ، أضافت :" بامكانك استعمال غيتاري ، أنا أعزف عليه أحياناً ولكنه ليس ملكي ، فعلاً ! ولا أريد أجراً على هذه الدروس ."


    " يا الله ، شكراً جزيلاً ، يا سارة ." أحست سارة سارة بالدفء والإخلاص ينبعثان من نبرة صوته .
    " لا عليك ، هل تريد أن أساعدك في وضع الملصقات ؟ أعرف طريقة سهلة لوضعها . انظر إلى ما أفعله !" وضعت الملصق على زجاجة الشراب بأصابع ثابتة ثم تبعها بول حسب ارشاداتها .
    " يجب أن أذهب ." أخبرت بول عندما شاهدت من خلال النافذة المفتوحة فيك يشتغل في أسفل العرائش . تسارعت نبضات قلبها ، ولم يعد باستطاعتها الانتظار أكثر ... بعد أن قضت معه أجمل ليلة في حياتها ... كي تحدق في عينيه الدافئتين.
    وقفت وهرعت إلى الخارج وركضت على المنحدر العشبي الذي يقود إلى العرائش ، وقبل أن تصل بقليل ، خرج فيك من تحت عريشة واتجه نحوها ، ورأت ، كما توقعت ، عينيه الداكنتين تضيئان بالدفء والحب . وضع ذراعه بخفة حول كتفيها وانحنى عليها وعانقها . " أنت لم تنسي الليلة الماضية ." خاطبها ممازحاً.
    " الليلة الماضية ؟" اصطنعت سارة الدهشة والأسف ." هل تعني قرود البوسوم ؟"
    " ليس تماماً ." رد على ممازحتها له وسرت الحياة ، دفعة واحدة ، على تعابير وجهه ." عندنا الكثير من الأمور التي يجب أن نخطط لها مستقبلياً، وسوف نعمل إلى جانب بعضنا البعض هنا في الكرم ، هذا ..." رمقها متحدياً." ... إذا لم تغيري رأيك في مجرى الأمور ، هنا ، هل تعرفين ما أعني ؟ إنه التقليد المتبع في صن فالي ، رجل وامرأة يعيشان على أملاكهما ويعملان جنباً إلى جنب ."
    نظرت سارة إليه ، بكل الحب الذي يتدفق من عينيها وأجابت :" كلا ، لم أغير رأيي ."
    " هذا كل ما أريد معرفته ." أخذها بين ذراعيه ولثمها .
    عندما استطاعت سارة التفكير في وضوح قالت في نفسها ، لقد حانت اللحظة المناسبة كي أخبره الحقيقة .
    " أحبك يا سارة ." أخذها فيك مرة ثانية بين ذراعيه وعندما أحست بلمسته وشعرت بسعادته المتدفقة ، خانتها الشجاعة ولم تستطع الكلام .
    هذا فيك الذي لم تعرفه من قبل . ممتلئ سعادة وينظر إليها وكأنها كل وجوده . كل ماتمنته تحقق . إنها واثقة من قوة حبه لها ، ولكن لماذا تتردد في الافصاح عن حقيقتها ؟ وأتاها الجواب على غير انتظار ، لأنه رجل
    من الصنف الذي لا يخدع من يحب ، فيما هي ... وتسارعت الأفكار السيئة إلى مخيلتها ، وهبطت معنوياتها إلى الحضيض.
    خيل لسارة وهما يسيران المنحدر معاً ، أن كل ما حولها أصبح أجمل . الأشجار الباسقة ، الأزهار المتنوعة والمتلونة بالأبيض والبرتقالي والأرجواني . والسماء الزرقاء الصافية وأشعة الشمس والتلال . وأحست بشفافية روحها . لقد وقع فيك في حبها وتحقق حلمها .
    ثم انسدلت ، مرة أخرى ، الغشاوة السوداء على واقعها ، وانهارت معنوياتها ... هل سيبقى على حبه لها ، بعد أن تخبره الحقيقة ؟
    " لماذا تبدين بائسة ؟" رفع نظره إليها وحاولت الابتسام في وجهه ، ولم تفته الغشاوة التي كانت تغطي عينيها ، وظهر الاهتمام ، فجأة ، على وجهه :" أخبريني ، عمّا إذا كان البقاء هنا يقلقك ، بامكاننا أن ننتقل من هنا في الحال ، ونبدأ بزراعة كرم جديد في مكان آخر ، في أي مكان يعجبك ." توقفا قليلاً ونظرا إلى بعضهما البعض ولم تستطع سارة تفادي نظرته المتسائلة .
    " هل ستفتقدين عمتك ، ببقائك هنا ؟" سألها فيك :" أم أن عمتك ستفتقدك ، اسمعي باستطاعتك السفر مرة كل سنة لرؤيتها ورؤية أصدقائك القدامى ، عندي فكرة !" رن صوته بالحماس :" بامكان عمتك أن تأتي إلى صن فالي وتقيم معنا . يوجد الكثير من الغرف الشاغرة في المنزل . هذا ، إذا شاءت المجيء . أخبريني عما يزعجك ، يا عزيزتي وأنا كفيل بإزاحة ثقله عنك !"
    " أوه ، يا فيك ." تنفست سارة الصعداء ." هل ستفعل حقاً ؟" وقالت بتردد وبصوت مرتفع :" إن ما يزعجني هو ..."
    " اسمعي ! بامكانك أن تثقي بي ." ألح عليها فيك :" مهما كان الأمر جربيني ، أنا ..." تلاشى صوته ، استدارت سارة إلى حيث حول نظره ورأت سيارة فخمة تتوقف أمام المخزن . صر فيك على أسنانه ، وقال :" يا للجحيم ، لقد كنت أتوقع وصولهم بعد الظهر وليس الآن . إنهم مستوردو الشراب الذين جاءوا من أوروبا ، يجب أن أذهب لملاقاتهم ، هيا ، تعالي معي يا سارة ؟"
    ترددت سارة وقالت :" لكنك لا تحتاج إلي في لجنة الاستقبال ."
    أجابها بهدوء :" سوف أحتاج إليك ، كل الوقت الذي بقي لي من حياتي ، أنت حياتي كلها ."


    كيف تستطيع أن تخبره الحقيقة ...بعد الذي قاله؟ولكن هذا مايجب أن تفعله , فيما بعد , ولن يفرق الأمر شيئاً إذا تأخرت عن ذلك ساعة أو أكثر,هل من المحتمل أن تشكل ساعة فرقاً؟ سارا معاً وتوجها لملاقاة الزوار الذين
    انتظروا أمام باب غرفة المكتب . وبعد وصولهما بلحظة, ترجل رجل آخر من السيارة , نحيل يرتدي قميصاً صيفية خضراء وبنطالاً أبيض.خيل لسارة أن وجه هذا الغريب مألوف , وحاولت أن تتذكره, أين رأت هذا الرجل القبيح الوجه, وهاتين العينين المرهقتين اللتين تعلوهما نظارات طبية؟
    أين قابلته؟ وتذكرت , بعد دقائق, كاد أن يغمى عليها .إنه الصحافي النيوزيلندي الذي قابلته على الطائرة عندما قدمت إلى نيوزيلاندا . تشنجت عضلاتها وأصابها الهلع.هل أخبرت هذا الرجل عن ميراثها وسبب قدومها إلى نيوزيلاندا ؟ وقد كانت حينذاك تشعر أنها في القمر من فرط السعادتها. ومن المحتمل,أنها أخبرته القصة كلها, لو كان باستطاعتها أن تتذكر؟
    ثم لاحظت أن فيك يقوم بالتعريف عنها للزائرين:"سارة, اقدم لك..."
    "مرحباً سارة , هذه مصادفة سعيدة أن نلتقي ثانية."صافحها بحرارة ."هل تذكرينني؟ إيوان؟ لقد تقابلنا في الطائرة منذ عدة أسابيع. وقلت لك حينها إني سأبحث عنك كي أتحقق ماذا نتج عن روايتك التي أخبرتني بها وماذا نتج عن مشروعك الجديد."استدار نحو فيك ضاحكاً:"صدقني ,أنت لاتحظى في كل رحلة بمقابلة فتاة أسعدها الحظ بان ترث كرماً يقع في الطرف الآخر من العالم .ليس كرماً عادياً , فقط بل كرماً له سمعة دولية في صناعة الشراب الجيد."
    تجمدت سارة ونظرت بصمت إلى فيك وعرفت أن تعابير الخوف والهلع التي تركتها الصدمة عليها أكدت لفيك صحة كلام إيوان. وكان من الواضح أن فيك تلقى صدمة عنيفة لأن تعابير وجهه تحجرت.
    نقّل إيوان نظره الحائر بين فيك وسارة وضحك ضحكة صفراء وقال بصوت خافت :"لقد كنت أمزح فقط."
    "لاعليك." هز فيك كتفيه وطوى الموضوع.
    لاحظت سارة وهي تشعر بالدوران أن فيك استمر بتقدميها إلى زواره وأحست أن الصوت يأتيها من بعيد :"هذه سارة سميث." الطريقة التي كان ينطق بها اسمها الحقيقي كانت تقطع قلبها ."سارة عاملة موسمية عندنا واحدى مساعداتي.استطاعت , بطريقة ما , الابتسام والايماء برأسها للآخرين.ولكنها في الوقت نفسه, لاحقتها الأفكار السوداء, لقد قدمها كسارة سميث وليس سارة سنكلير, الاسم الذي عرفها به. احدى العاملات
    الموسميات , من الواضح أن فيك يحاول اعادتها إلى حجمها الطبيعي, الفتاة التي كانت لاتعني له اكثر من ذلك.
    خيل لها ,عندما تابع الحديث مع زواره ,ان فيك بدا على طبيعته,لكنها لاحظت بحزن ,ان عينيه فقدتا لمعانهما واصبحتا باردتين وقاسيتين. وتلاشت من صوته النبرة الممغوطة والساخرة.قاد فيك زواره إلى غرفة الاستقبال ولم ينظر إليها ثانية.
    نظرت سارة إلى فيك وهو يبتعد عنها وسألت نفسها وما الذي كانت تتوقعه,بعد هذا الخداع؟ لقد انتهى كل شيء, الاحلام الوردية والمستقبل الزاهر , وما تحتاجه هو ان يحبها إلى درجة يستطيع معها أن يغفر لها غلطتها ,حب,أي حب؟ سيكون سعيداً إذا استطاع التخلص منها.
    لاحظت سارة بعد حين أن إيوان لم يترك الغرفة مع الآخرين, وعندما تقدم نحوها,خيل لها ان خطوط التجاعيد على وجهه قد تعمقت.
    "أنا آسف ياسارة." اعتذر منها بصوت خافت:"لقد سببت لك الحزن والاحراج!لم يكن من الواجب أن أصدق كذبة بيضاء قالتها لي فتاة تحاول تمضية وقت الطيران الطويل.ولكنك اقنعتني بروايتك مع انها قصة أغرب من الخيال,كنت على استعداد كي أقسم على صحتها...كان يجب أن أتبين الحقيقة من الخيال, ماذا أستطيع أن أقول؟"
    تمتمت من تحت أنفاسها :"لم تكن هذه غلطتك؟"
    "لافرق..." القى إيوان نظرة ,من خلال الباب المفترح, على فيك الذي كان يتجه مع زواره الى الأقبية.
    "لا شيء يهم." قالت سارة بيأس :"لاشيء يهم بعد الآن."
    وغمرتها موجة من الحزن والألم.
    تهدج,فجأة، صوته وقال:"لاتقولي لي أن ذلك صحيح, أعني القصة التي أخبرتني بها في الطائرة؟ انها صحيحة ولم تخبري فيك بحقيقة غرضك, أليس كذلك؟ وقد كان هذا الرجل الذي يشرف على الكرم,لايعرف حيقيقة المالك!"
    اجابت سارة بصوتٍ خلت نبراته من الانفعال:"ان قصتي حقيقة , وهو لايعرف من ..." تلعثم صوتها :"لم يكن يعرف حتى الآن ,لقد كان بنيتي أن أخبره الحقيقة اليوم." سمعت صوتها و كأنه يصدر عن فتاة أخرى :"لم أكن أظن الأمور قد تتطور على هذا الشكل,عندما وصلت إلى هنا..." انهارت أعصابها وهي تتذكر آمالها وطموحاتها عندما جاءت من انكلترا , وتتذكر سعادتها البالغة بتطور الأحداث المثيرة التي غيرت مجرى حياتها.

    "استمري في الحديث." طلب منها إيوان , وهو يصغي إليها باهتمام , وتفكير عميق.
    تنفست بعمق، لقد آن أوان الاعتراف, وعليها أن تعتاد ذلك .يجب عليها أن توضح الكثير من الأمور .أما فيك ...قفي عن التفكير بفيك! قالت في نفسها.
    "عندما وصلت إلى هنا, وجدت نفسي في موقف لا أحسد عليه, لقد طردتني عمة فيك وهي تظن , صواباً, أنني سارة سميث."
    أومأ إيوان برأسه متفهماً :"لقد رفضتك لأنك المالك الجديد للكرم ولانها تعتقد أن فيك أحق بذلك , هذا التصرف طبيعي."
    استمرت سارة بسرد قصتها بصوت مرتجف:"اجل ,شيء من هذا القبيل, على أي حال, كانت كيت على وشك ان ترمي بي إلى الطريق,عندما تدخل فيك معتقداً اني فتاة جاءت رداً على اعلان نشرة في الصحف ويطلب فيه فتاة للعمل في الكرم ,عدة اسابيع."
    "فهمت, وهكذا انتهزت الفرصة كي تبقي في صن فالي , ويتسنى لك الكشف على الممتلكات!"
    أومأت براسها:" لقد بدا لي ذلك سهلاً , حينها, لانني استعملت ,لسنين طويلة اسماً غير اسمي الحقيقي عندما كنت أقيم في انكلترا, والجميع بمن فيهم أقربائي عرفوني باسمي المستعار, سارة سنكلير, وكل مافعلته ,اني انتزعت ملصق الخطوط الجوية النيوزيلندية الذي يحمل اسمي الحقيقي ،عن حقيبة السفر . كان يجب أن أستعمل اسمي الحقيقي على جواز السفر وتذكرة السفر .ولم أعتقد , حينها اني قد أسبب ضرراً لأحد." تلاشى صوت سارة تدريجياً.
    "لاشك أن فيك يتألم جداً الآن , لقد لاحظت وجهه عندما فضحت سرك,كان الأجدر بي أن أضرب نفسي."
    قالت سارة ببطء وبصوت يائس:"كان يجب أن أفصح له عن الحقيقة قبل الآن, وكنت أحاول أن أفعل ذلك اليوم, ولكن الأوان قد فات."
    ظهرت, فجأة ,على تعابير وجه إيوان الدهشة والندم عندما لاحظ من خلال نبرة صوتها البائس وقرأ في تعابير وجهها الألم الذي تعاني منه.
    " هل تحاولين أن تقولي لي، انك وفيك..."
    أومأت براسها وقالت:" أجل ,نحن نحب بعضنا."
    نظر إليها بصمت لعدة دقائق وبعينين مليئتين بالعطف , ثم قال:"إنه موقف صعب, هل بامكاني المساعدة , بأي شيء. أي امر على الاطلاق كي اصلح مابينك وبين فيك...."
    هزت رأسها :" أنت لاتسطيع ,لا أحد يستطيع المساعدة."
    حاولت سارة أن تعيد صوتها إلى طبيعته :" إن قصتي هي واحدة من قصص الحب الفاشلة ولايعني ذلك نهاية العالم."
    نظر اليها متفحصاً :" لو صدقتك , لكنت كذّبت عيني وأنا أرى آثار الصدمة على وجهك."
    "انها غلطتي...لقد بدت لي حينذاك فكرة جيدة!"
    " وكان من سوء حظي ,أن أكون الشخص الذي فضح سرك."
    "كيف كان لك أن تعرف , على أي حال,سأعود إلى انكلتراغداً، أو بعد غد."
    قال إيوان بحسرة وتعابير الأس تعلو وجهه:"هل أنت متأكدة أن ذلك هو خير حل؟"
    هزت رأسها:" لا تقلق من أجلي, سوف أتمالك نفسي واستمر في الحياة." ولكن الكلمات الشجاعة خرجت منها بصوت مرتجف :"على أي حال..." تنفست بعمق "..... من المفترض أن أذهب إلى غرفة الاستقبال,
    وأعزف على الغيتارخلال تناولهم وجبة الغداء."
    نظر إيوان إلى أصابعها المرتجفة :"هل تسطيعين القيام بمثل هذا العمل؟"
    ابتسمت سارة ابتسامة صفراء ."يجب أن أذهب,هذا عملي." مشت في تمهل إلى الخزانة وفتحت بابها وأخرجت الغيتار من داخلها.
    ذهبا معاً إلى غرفة الاستقبال, واتخذت سارة مكاناً في زاوية الغرفة , وابتسمت لأيوان الذي قال :" حظاً سعيداً."
    لم تستطع سارة أن تنظر إلى فيك عندما دخل مع زواره الغرفة , واكتفت بالانحناء على الغيتار والتلاعب بأوتاره .تلاشت أصوات الرجال عندما تناهى إلى سمعهم أصوات عزفها, وبسبب براعتها بالعزف ومعرفتها التامة بالألحان , لم تجد صعوبة في الاستمرار بنجاح.
    وجدت سارة نفسها , فيما بعد , تجلس على مقعد طاولتها في المكتب من دون أن تدري كيف وصلت .حاولت، وهي تشعر بالزوغان, أن تشغل نفسها بالحسابات ولكن الأرقام التي حدقت بها, لم تعنِ لها شيئاً .قالت سارة في نفسها, وهي تشعر بالحزن العميق والألم , لو أنها استطاعت أن تخبره الحقيقة بنفسها, وأوضحت له جميع الملابسات التي أدت إلى خدعتها, لربما كان صدقها وغفر لها, أما الآن...
    مرت الساعات , على سارة ببطء, وأفاقت لتجد إيوان يتقدم نحوها ويقف إلى جانبها, ونظرت إليه بعينين مثقلتين.

    "لقد انتهت مهمتي, والآخرون ينتظرونني في السيارة ,لقد أردت الاطمئنان عليك قبل أن أذهب."
    حاولت الابتسام ولكنها لم تفلح:" سأكون بخير , حقاً."
    "لايبدو عليك ذلك!" قال وهو ينظر إلى وجهها الشاحب ويلاحظ الألم الذي في عينيها:" أنا آسف على ما انتهت إليه الأمور, ولا أستطيع أن أضيف شيئاً ماعدا كلمة الوداع والتمني أن نلتقي ثانية."
    هزت رأسها وترقرقت الدموع في عينيها . لن يكون هناك مرة ثانية, ولن ترى صن فالي ثانية, وكل ذلك بسبب غلطتها الغبية!
    رأت سارة , بعد أن ترك إيوان الغرفة, من خلال النافذة فيك يستقبل قادمين جدداً, ورأت سياراتهم وشاحناتهم متوقفة أمام مخزن الشراب. تمالكت سارة نفسها وهرعت إلى المخزن وأصبحت على استعداد لخدمة الزائرين قبل دقائق من دخولهم مع فيك إلى المخزن.
    التقت نظراتها بنظراته الباردة وهو يعرف عنها:"هذه سارة , ستقوم على خدمتكم إذا أردتم شراء الشراب.انها تعمل هنا."
    "سأكون سعيدة بمساعدتكم." ابتسمت لهم ونقلت نظرها المتعب فيما بينهم.
    وفي الوقت نفسه كانت تتسارع في أفكارها الاحتمالات السئية.لقد كان كلام فيك عنها قاطعاً كالسيف. وأحست مرة ثانية أنه يحاول بقوة أن يرجعها إلى حجمها الطبيعي في صن فالي.أي ليست شخصاً مميزاً , بل فتاة عادية تعمل في الكرم.فتاة خدعته وخانته... وهذا ما قرأته في عينيه.
    أسرعت سارة, في نهاية هذا اليوم المشحون بالأحداث, باقفال المكتب والعودة إلى الكوخ ... ملجئها الأخير . ألقت بنفسها على أريكة غرفة الجلوس واستسلمت لحزنها, وتركت الحرية لدموعها بعد أن حبستها طويلاً.
    رأت سارة فيما بعد , الظلال تنسحب على النوافذ المشرعة وسمعت قرعاً شديداً على الباب.هرعت , بعد أن مسحت دموعها, لتفتح الباب وهي تعرف تماماً من هو الشخص الذي يسمح لنفسها بهذا القرع العنيف على بابها. وجدت سارة نفسها وجهاً لوجه فيك, عندما فتحت الباب, وألقى بظله , من شمس الغروب عليها.وقد لاحظت الغضب الظاهر على وجهه برغم الضوء الخافت.
    حاولت أن تجعل صوتها عادياً :" تفضل بالدخول."
    تجاهل دعوتها ووقف ساكناً, واضعاً يداً داخل حزام بنطاله الجينز."أنت سارة سميث." وأحست أنه يصفعها بكلماته:"الفتاة التي ورثت الأملاك هنا؟ أوه ,لاتحاولي النكران , ان الشعور بالذنب بادٍ على وجهك بوضوح!"
    "أجل , أنا سارة سميث, ولكن لاتخطئ الظن بي."
    تلعثمت بالكلام بصورة مريعة:" لقد كنت , حقاً , على وشك أن أخبرك بالحقيقة هذا الصباح , لو لا ..."
    "لو لا ..." قاطعها ساخراً :"... كنت جبانة..."
    "دعني أوضح لك ."قالت يبأس.
    " لماذا المزيد من الأكاذيب؟" قاطعها بحركة من يده:" لماذا لاتعترفين بأنك خططت لكل شيء قبل مجيئك إلى هنا؟ أنا أهنئك على براعتك!" رفعت عيناها وهي تسمع نبرة الاهانة في صوته:"وكنت على وشك النجاح بختطك لو لا ظهور رفيق سفرك, المفاجئ, وافتضاح سرّك,لقد كنت أعمى وغبياً ,لأني ابتلعت خديعتك."
    شعرت بالألم يعصرها , كان الأحرى به أن يقول:" لولم أقع في حبك, لتبينت حقيقتك..."
    قالت بصوت خافت:"كنت أريد أن أخبرك الحقيقة الليلة الماضية , ولكن ..."
    صرخ فيك في وجهها :"انسي الليلة الماضية."
    "أرجوك أن تسمعني." توسلت إليه بيأس.
    "لماذا..." جهدت سارة كي تستطيع أن تتجاهل نبرته الفولاذية:".. وأنا أعرف تمام المعرفة ماسوف تقولين؟ من الذي وضع الخطة أنت أم المحامي حتى تتحققي من أمري؟ لماذا لا يأتي هذا الشخص الذي يدير العملية من وراء الستار إلى نيوزيلندا.ويحقق في الأمر؟ هل ظنّ أن نيوزيلندا البعيدة عن انكلترا بلدٌ متوحش والناس فيها يرتكبون جرائم القتل يدون رادع وخاصة عندما يتعلق الأمر بشخص اشتغل في الكرم سنين طويلة وكان الشخص الوحيد المسؤول عنه بعد أن مات صاحبه.وكان من السهل عليه أن يزور في الحسابات ويختلس آلاف الدولارات لو شاء ذلك.
    وربما طمع في حصة من الأرباح بعد أن ارتفعت مبيعات شراب صن فالي وأصبح راتبه كمدير لايكفي. إنه الشخص المؤهل لإدارة العمل في الكرم, ولهذا يجب التأكد من أمانته واخلاصه. ولا داعي لأن تخبريه من أنت ... لأنك لن تحصلي على معلومات هامة, إذا أعلنت عن نفسك.وهكذا من الأفضل أن تذهبي مثل أي فتاة نكليزية أخرى تسعى للعمل في العطلة الصيفية . إنه وقت القطاف في هذا الجزء من العلم.جربي هذه الخطة! ولاتنكري ياسارة هذا السيناريو!"
    أصابتها كلماته كأنها طلقات رصاص من مسدس.
    شعرت ان اتهاماته الباطلة تمزق أحشاءها, وصرخت في وجهه:"كلا, هذا ليس صحيحاً..."
    "هل أنا على خطأ ؟" دقت كلماته على أعصابها بقسوة:"أتريدين القول, إنك كنت مهتمة بمعرفة طرق الصناعة والتسويق وكل هذا؟ وإنك أردت اتقان هذه المهنة كما أخبرتني." أضاف متهكماً:"حتى ولو كانت عندك أسباب خاصة بك..."
    قاطعته سارة مرتجفة:"أجل أنا مهتمة بكل ذلك."
    " أنا أرهن على ذلك, أخبريني, هل أنت راضية عن نتيجة عملك؟ هل عندك أي تحفظات على المدير... آسف ,على المدير المؤقت؟ أوه , لاتقلقي, سوف أستمر في العمل حتى تجدي من يحل مكاني, ولن يصعب عليك ذلك وانت تملكين كرماً مزدهراً مثل كرم صن فالي."
    قالت سارة بصوت خافت:"لا أحد يستطيع أن يدير الكرم مثلما تفعل, أنت صن فالي , وصن فالي هو أنت."
    "أنا مسرور لتقديرك جهودي." أجابها فيك بنبرة باردة خالية من أي انفعال مما جعل قلبها يتقطع.
    حل الغضب , دفعة واحدة, مكان اليأس والألم. لقد تبين لها صعوبة اقناعه فيما كل الأدلة ضدها.لمعت عيناها الخضراوان , سوف تجعله يصغي إليها, ان صدقها أم لا, واجهته بعنفوان وقالت:" لقد اسأت الفهم! لم أحاول أن أتي إلى هنا كفتاة عادية.عندما عرفت بأمر الميراث, فرحت كثيراً ولم أستطع الانتظار طويلاً كي آتي إلى هنا وأبقى لأتعلم هذه المهنة وأسلوب الحياة في الكروم.لأن ستيفن أخبرني الكثير عنها.وكنت أشعر حينها اني أعرف الكثير, من خلال حديثه,عنها. أنا التي قلت للمحامي أن لا يخبرك بقدومي, كنت أظن أن مجيئي سيكون مفاجأة سارة للجميع..."
    "مفاجأة سارة؟" سألها بمرارة :"هل هذا ماتطلقين على هذا الوضع؟"
    حصنت سارة نفسها عقلياً وتجاهلت المرارة في نبرته. "عندما وصلت, رأت كيت ملصق الخطوط الجوية النيوزيلندية على حقيبتي وتأكدت من اني الفتاة التي ورثت صن فالي." هذه الفتاة المريعة من انكلترا." هذا ما أطلقت علي, وكانت على وشك طردي من المنزل. وعرفت حينها , انه لن أسطتيع البقاء هنا تحت هذه الظروف ولو لليلة واحدة.ثم جئت أنت وتدخلت ظاناً اني فتاة جاءت للعمل. ومنذ اللحظة الأولى أردتني ..." توقفت عن الكلام ولعنت نفسها في سرها لأنها لاتعثر على الكلام المناسب, وعندما حاولت أن تصحح نفسها وقعت في الخطأ ثانية:" ولما وافقت على أن أعمل في الكرم, اغتنمت الفرصة وقلت في نفسي حينئذ أن
    لا ضرر يقع من خدعة بسيطة كهذه خاصة اني نويت العودة إلى انكلترا في نهاية الصيف , فأين المشكلة إذاً؟"
    بقى فيك صامتاً ولم يبد أي تعليق, وكان في صمته برود أشد وأقسى عليها من نظراته الغاضبة.ماذا يدور في ذهنه؟ الجواب بكل بساطة،انه يحتقرها!
    أفاقت من تأملها على نبرته الممغوطة والمتهكمة " لسوء الحظ,كشف صديقك الصحافي لعبتك, وأيفاء لحقه , لقد حاول المستحيل كي يغطي كذبك, وأنا لا ألومه..."
    "بالطبع, ولكنك تلومني!" احمرت وجنتاها وتطاير الشرر من عينيها.
    " مهما قلت لك, فأنت لن تصدقني, أليس كذلك؟"
    " ولماذا أصدقك؟" مرة أخرى هذه النبرة الممغوطة التي تصيبها بالجنون.
    تبين لسارة بوضوح انها مهما قالت ومهما حاولت افهامه , فلن يصغي إليها . ولكنها تمالكت نفسها وصممت على أن تكافح من أجل حبها حتى النهاية :" أي شخص سيفهم من مغزى حديثك ,اني حقاً تعمدت الاساءة إليك."
    "ألم تفعلي ذلك؟"
    "كلا!" صرخت في وجهه:"هذا ما أحاول أن أفهمك إياه على أي حال..." واعترتها دفعة واحدة , موجة من الغضب الأسود في داخلها ثم تلاشت في سرعة:" أريدك أن تأخذ الكرم والمال وكل شيء آخر ورثته عن ستيفن, وفي الحقيقة ,كل هذا ملكك." واستطردت بصوت منفعل:" لقد اعتراني الشعور بالذنب منذ أن توضحت لي حقيقة الأمور هنا, لقد كانت غلطة وسوف أطلع المحامي في لندن على قراري, وأطلب منه تحويل الميراث لك , عندما أعود إلى هناك."
    "أوه , فعلاً." سخر فيك منها." لاتلعبي معي هذه اللعبة,انها لن تمر علي, ليس بعد كل هذه الأكاذيب التي قلتها لي."
    "حسناً , إذاً!" صرخت :"لاحاجة بك كي تتحملني أكثر من ذلك, سأغادر الكرم مجرد أن أحجز مكاناً على أول طائرة مغادرة, سأتصل بمكتب السفر اليوم وبقليل من الحظ..." واجهته بتحدٍ ."... سأكون في طريقي إلى المطار، غداً."
    "لن تفعلي , وأنت تعرفين ذلك." عاد إلى نبرته الممغوطة.
    حبست سارة دموعها ورفعت نظرها إليه متحدية :"لا تستطيع منعي."
    "لا أستطيع , أنا مازلت بحاجة إليك , يا سارة."
    "تحتاج لي؟" قفز قلبها بجنون ثم عادت إلى صوابها، كيف من السهل أن تعود إلى أحلام البارحة الوردية!
    "احتاج لك في المكتب." استطرد برقة :" وفي الواقع لا تستطيعين ترك العمل قبل اعطائي مهلة أسبوعين.لقد اتفقنا شفهياً على ذلك, هل تذكرين؟"
    " أنا لا..." تلاشى صوتها بفعل الحيرة التي اعترتها. ان فكرها مضطرب , إلى درجة أنها لم تستطع تذكر تفاصيل اتفاقها مع فيك.
    " ولكنك من الصنف الذي لايحترم اتفاقاً شفهياً, ولا تفهمين مغزى الالتزام , فهذا أمر بعيد عن تفكيرك."
    صرخت سارة في وجهه وقد اعتراها غضب شديد:"سأبقى هذين الأسبوعين ,كما اتفقنا, وحتى تعثر على من يحل مكاني."
    هز فيك كتفيه."هذا ما أردت معرفته, وهذا ينهي حديثنا."
    وتبين لها دفعة واحدة , ان كلماته اسدلت الستار نهائياً على حبهما. لقد انتهى كل شيء مات كل شيء جميل بداخلها.
    لايمكن لحبهما أن ينتهي هكذا. ولكنه انتهى في هذه اللحظة بالذات وصرخت بصوت عالٍ:" على ما أعتقد." وهرعت إلى غرفة النوم فيما انهمرت الدموع من عينيها مثل الفيضان.



    --------------------------------------------------------------------------------

    الفصل التاسع

    جهدت سارة ، في صباح اليوم التالي ، كي تتمالك نفسها . يجب أن تهتم بعدة أمور ، وأن تقوم بعملها في الأيام الباقية ، ولكن كيف سيمضي عليها هذان الأسبوعان وهي على ماهي عليه من حزن وبؤس ، بسبب اضطرارها لترك فيك الذي تهيم به . يجب أولاً ، أن تقابل كيت ، فقد كانت تشعر أن فيك لم يخبرها بحقيقة وضعها ، ولإسباب خاصة به ، احتفظ بالسر لنفسه ولم يخبر أحداً آخر .
    وجدت كيت في المطبخ منشغله بتحضير الكاتو ." صباح الخير ، يا كيت." أخذت نفساً عميقاً وتدفقت الكلمات بسرعة ، منها :" جئت لأخبرك أني سأغادر الكرم بعد أسبوعين ..." توقفت سارة عن الكلام وقد لاحظت أن كيت ترمقها بنظرة حادة بعد أن رأت جفنيها المتورمين.
    " تغادرين ؟" سألتها كيت وقد أصابها الذهول لسماعها الخبر ، وحاولت سارة أن ترد عليها من دون انفعال.
    " أجل ، سأغادر ، أنت تعلمين أنا أعمل بصورة مؤقتة وقد أمضيت فترة هنا ، ولكن يجب أن أغادر ، كي أهتم بأمر مستعجل هناك ..."
    لم يبدُ على كيت أنها أصغت إلى سارة ، وقالت بصوت رقيق لم تسمعه سارة من قبل :" هل فيك يعرف بهذا ."
    " هل ترتاب كيت بالحقيقة ؟" تساءلت سارة وقالت في صوت مرتفع وبهدوء :" نعم ، إنه يعرف."
    " ماهذا الذي تقولينه ، يا سارة ؟" قال بول باستياء بعد أن اندفع إلى داخل المطبخ ، ثم استطرد بصوت يشبه العويل :" لا يمكنك مغادرة صن فالي ! لايمكنك ، وقد أعطيتني وعداً ، بأن تعلميني العزف على الغيتار !"
    أجابته سارة على غير وعي :" أنا آسفة ، ويجب أن أعود إلى انكلترا في أقرب وقت ." أحست بالعطف عليه وهي تشاهد تعابير الخيبة على وجهه. " عندي فكرة ! سأعطيك دروساً مكثفة ، درساً كل ليلة . أيوافقك ذلك ؟ وهكذا تمسك طرف الخيط وتتعلم المبادئ الأساسية للعزف ، ماعليك بعد ذلك سوى أن تتمرن حتى تحظى بمعلم جيد ." ولكنها كانت تقول في نفسها ، لماذا لا أساعده في تعلم العزف ؟ وهكذا يكون عندي مايشغلني في الأمسيات الباقية ، ويخفف من اللوعة والندم ... نفضت عنها هذه الأفكار وعادت تصغي إلى نبرته الطفولية .
    " حسناً ، إذا كان ذلك السبب الوحيد ." تمتم بول.
    جلست سارة إلى طاولة المكتب وحدقت في الآلة الكاتبة التي أمامها ، فيما الأفكار المؤلمة تتصارع في رأسها . كيف تستطيع تحمل هذا العذاب ، أن تكون بالقرب منه ، وتشاهده كل يوم ، وتسمع صوته ، وتحبه . أمضت معظم وقت الصباح وهي تحاول أن تحصن وتهيء نفسها كي يكون باستطاعتها تحمل ألم لقياه عندما تفرض ظروف العمل ذلك .
    مرت الأيام ولاحظت سارة أن فيك يمضي معظم وقته خارج الكرم ، هل هي تتخيل ذلك ؟ هل هو يتجنب مقابلتها ، عمداً ؟ ولكن سارة فكرت أن ذلك مجرد تمنيات منها ، فالشعور الوحيد الذي يكنه لها هو الاحتقار ، لاألم يقل لها بوضوح إن الشيء الوحيد الذي يريده منها هو أن تختفي من حياته إلى الأبد ؟
    تسارع الوقت بصورة مخيفة ولم يبق عندا إلا يومان فقط ، في صن فالي ! وقد بدأت بحزم أمتعتها ووضعت قمصانها الصيفية وسراويلها القصيرة في حقيبة السفر .
    لقد بقيت ملابسها على حالها ولم تستطع أن تضيف شيئاً عليها ... ماعدا الفستان الأسود عندما ذهبت مع فيك إلى المدينة ... ولم تحقق رغبتها في شراء ملابس صيفية من نيوزيلندا . لأنها لم تلاحظ في البداية ، سعادتها في البقاء مع فيك وعدم رغبتها في مغادرة صن فالي للتبضع ، حتى ولو ليوم واحد . أحست بالاختناق ، لأن هذا الشعور لايزال على حاله . طرحت حقيبة السفر جانباً ودخلت الحمام كي تغسل شعرها أو تعمل أي شيء يشغلها عن التفكير والشوق إليه . وجففت شعرها بعد دقائق .
    " لا حاجة لأن تشتغلي في اليومين الأخرين ." قال لها فيك بنبرة جافة :
    " وسوف أقلك إلى المطار ، في الصباح الباكر ."
    أجابته وهي تشعر بالاعياء والبؤس :" شكراً لك ."
    " سوف أتصل بالمطار وأتأكد من أن الرحلة ستحصل في موعدها ." أضاف فيك :" الرحلات تتأخر دائما ً عن مواعيدها ."
    " أجل ، بالطبع ." وتمنت في قرارة نفسها أن تتأخر طائرتها عن الاقلاع ... هل تماتع يا فيك ، حقاً ، في أن أبقى هنا إلى الأبد ؟ تخيلت سارة في لحظة مجنونة أنها قالت له هذه الكلمات . ومن الواضح أنه لايهتم بمشاعرها الآن.
    أرادت سارة في النهاية أن تودع بيل وباتي ، فيما بدأت أوراق العرائش تكتسب اللون الذهبي ويغرب صيفها . بيل وباتي عادا إلى مزرعتهما بعد زيارة قصيرة لأقربائهما.
    رأت سارة ، عندما وصلت المزرعة ، باب منزلهما مفتوحاً على مصراعيه ، ودخلت أشعة الشمس إلى الصالون المفروش ، ورأت باتي تقف على منصة الدار وتلوح بيدها محيية ثم تقدمت لمقابلتها.
    " مرحباً ." طبعت سارة قبلة على خد باتي وقالت وهي تحاول أن تبتسم ابتسامة مخلصة من دون أن تنتبه للدوائر السوداء التي تكونت حول عينيها : " إنه لممتع أن أراك ثانية ، لقد ظننت أنك لن تعودي أبداً إلى المزرعة!"
    " تفضلي بالدخول ." تقدمتها باتي عبر المنصة ." عندي الكثير لأخبرك به ."
    إرتمت سارة على كرسي مصنوع من القصب وسألت :" هل تشعرين بخير ؟ وهل الجنين يحسن التصرف ؟"
    " أوه ، نعم ، أنا على أفضل مايرام ، ولكنه يركلني كثيراً في هذه الأيام !"
    رفعت سارة حاجبيها المثقلين بتعجب وقالت :" هو ."
    " أجل ، إن بيل متأكد أن المولود سيكون ذكراً ، وإذا حدث ذلك ، فسنطلق عليه اسم فيك ونحن متفقان على ذلك !"
    " وإذا كان المولود بنتاً ؟"
    " لن تصدقي ، سنطلق عليها اسم سارة !"
    شعرت سارة بنبضة متسارعة في قلبها ، لو فقط ... وقالت بصوت مرتفع :" لاشك أن خيالكما ضيق ولولا ذلك لوجدتما أسماء أخرى غبر هذين الاسمين ."
    " لماذا لانطلق اسمي ألطف شخصبن نعرفهما ، على مولودنا . أنت وفيك شخصان مميزان ."
    قالت سارة وهي تحاول تغيير الموضوع بسرعة :" سأقوم اليوم بتحضير القهوة ، أنت بحاجة إلى الراحة ."
    " سأوافقك على ذلك ، ولا خيار لي في هذا الحر ."
    أجابتها باتي واسترخت على كرسيها ، واستمتعت بالهواء الذي تحركه مروحة يد ، أمام وجهها .
    وجدت سارة في المطبخ المطلي باللونين الأبيض والأزرق ، خزانة من الطراز الهولندي مليئة بالفناجين وعلب القهوة السريعة التحضير . حضرت القهوة وعادت إلى الصالون وضعت الفناجين على الطاولة التي بينهما .
    مالت سارة على باتي وقالت باهتمام مصطنع :" أخبريني كيف قضيت عطلتك ، أين ذهبت ، وماذا فعلت ، وهل ذهبت لحضور أي عروض مسرحية ؟"
    " هل تمتعنا !" سردت باتي تفاصيل عن عطلتها :" لقد تمتعنا بكل لحظة فيها ..." توقفت فجأة ، واتهمت سارة وهي تضحك :" أنت لا تصغين إلى ما أقول ."
    " أنت لا تصغين ، وتعرفين ذلك ، وقد لاحظت أن أمراً يشغل بالك !"
    ترددت سارة ، ولفت بعصبية خصلة من شعرها حول إصبعها :" هذا سبب مجيئي لعندك ، سأغادر صن فالي بعد غد إلى انكلترا ..." حاولت تفادي نظرة باتي ." ... وهذا أبكر مما كنت أتوقع ." حاولت إخفاء مشاعرها الحقيقة ولكنها عرفت من خلال نظرة العطف التي بانت في عيني باتي ، أن ذلك لن يجدي .
    " سوف نشتاق إليك ." قالت باتي .
    " وأنا كذلك ." أجابتها سارة .
    " إذاً ، أنت لن تعودي إلى هنا ؟"
    هزت سارة برأسها ، سوف تؤلمها الذكريات إذا عادت في المستقبل ، خاصة أن عمر سعادتها مع فيك كان أقصر من عمر الورود . وتمتمت بصوت مرتفع :" سوف يأخذني فيك إلى المطار ، صباح الخميس القادم ."
    " أنا أعرف ."
    " ماذا ؟" اتسعت عينا سارة من الدهشة . " وكيف عرفت ذلك ؟"
    " لقد وجدنا فيك بانتظارنا ، عندما وصلنا ليلة أمس كان في حالة نفسية رهيبة وأراد أن يسري عن نفسه بأي وسيلة . لقد أخبرنا عما حدث بينكما ، هو يشعر بالبؤس والندم بسبب الكلام الذي قاله لك ، إنه يعبد التراب الذي تمشين عليه ولايستطيع مواجهة ألم الفراق عنك إلى الأبد ."
    انتعش أمل مجنون في عيني سارة للحظة ثم خبا دفعة واحدة ، وقالت بهدوء :" إنه يحتقرني ... هل أخبرك من أنا في الحقيقة ؟"
    " أجل ، لقد أخبرنا كل شيء ..."
    " لم أتعمد أن أمثل دور تلميذة تبحث عن عمل موسمي ، حتى وصلت إلى المنزل وحاولت كيت طردي . وقد أوضح لي فيك أنه لن يغفر لي أبداً خداعي له ."
    " ولكنه لايفكر هكذا الآن ." أخبرتها باتي.
    احتاجت سارة إلى لحظة كي تدرك مغزى هذه الكلمات الخرافية ، وكاد تنفسها أن ينقطع :" هل تعنين أنه الآن يصدق قصتي ، وأن ما فعله كان فورياً وظننت حينذاك أنها مزحة ؟ أنت لا تعنين ..."
    أومأت باتي برأسها :" إنه يصدق قصتك الآن ، وهو آسف الآن ، لأنه فقد أعصابه عندما عرف حقيقة شخصيتك . وقد ندم لأنه شك بنواياك نحوه ، بعد أن عرف أي نوع من الفتيات أنت ."
    تنهدت سارة :" أتمنى أن أصدق ذلك ، ولكنه تغير منذ أن عرف الحقيقة عني ، إنه لاينظر مباشرة إليّ ، وإذا استطاع سبيلاً لذلك ، وإذا فعل أرى التغيير في عينيه اللتين أصبحتا باردتين وقاسيتين كأنه يكرهني ."
    " إنه مجنون بك ... أي شخص يمكنه أن يلاحظ ذلك ."
    " ولكنه لايبدو لي كذلك ..."
    " هذا لأنه لايريدك أن تعرفي حقيقة مشاعره ، وهذا لايعني أنه توقف عن حبه لك ."
    " ولكن ... ولكن ..." وشعرت سارة أن السعادة التي كادت أن تضيع منها ، أصبحت في متناول يدها ." ومع ذلك ... لماذا لايخبرني بنفسه عن حقيقة مشاعره ؟ هل أتوقع أن يفعل ذلك قريباً ؟" تمتمت مترددة .
    " لن يخبرك أبداً ." أجابتها باتي بصوت ممتلئ بالعطف :" إفهمي ذلك من الآن . السبب الأول ، أنه مقتنع تمام الاقتناع بأنك لن تصدقي أبداً أنه غير رأيه في صحة قصتك ، ثانياً ، إن كبرياءه لاتسمح في الضروف الحالية بأن يطلب منك البقاء هنا ."
    " هل تعنين ." قالت سارة ببطء :" أن السبب هو أني ورثت الكرم والممتلكات ؟ ولكن ذلك لن يغير شيئاً ..."
    " هذا الفرق هو كل الفرق في العالم ، ليس بالنسبة لك ... ربما ... ولكن بالنسبة له ، هذا الوضع يغير كل شيء . هل تتخيلين صعوبة وضعه الآن . أنت تملكين الكرم وهو المدير فقط ... هذا إذا شئت استمراره في العمل؟ وهو على ثقة من أنه لن يتمكن من أن يطلب منك البقاء ، حتى ولو صدقت أنه غير رأيه في صحة قصتك ..."
    " كنا سنتزوج ." قالت سارة في يأس :" ونعيش هنا ، ونعمل معاً هنا ، لقد كاد أن يطير من الفرح ، ثم تحطم كل شيء ."
    "ى كان سيعرف الحقيقة في وقت ما ." قالت باتي :" ولم نستطع ... أنا وبيل ، اقناعه بالتقدم لخطبتك ، وسبب ذلك ، كي لاتظنين أنه يفعل ذلك لأنه يطمع بميراثك . لقد تجادلنا معه طويلاً وتوسلنا إليه أن يفكر ثانية ، على غير جدوى . إنه صائد ثروات وضيع ، يتحين الفرص الكبيرة ، وسوف يغتنم هذه الفرصة الحقيرة ويسترجع بها صن فالي . هذا ما قاله فيك : إنك ستظنين به ولاتوجد أي وسيلة كي نزيح هذه الفكرة من رأسه ."
    بكت سارة من فرط يأسها وقالت :" ولكنني لن أشعر ، أبداً كهذا تجاه فيك ، إنني مستعدة لأن أضحي بالعالم كله في سبيل أن نعود لبعضنا البعض ... وبدون أسرار هذه المرة ." نظرت إلى باتي بوجه ممتلئ بالمشاعر والتعابير . " أنا أحبه ... كثيراً ، ويجب أن أفعل شيئاً ، لابد من وجود وسيلة لإقناعه بنظرتي لهذا الأمر . لو يتكلم معي فقط ."
    بدا من عيني باتي أنها استغرقت في تفكير عميق ، ثم قالت :" يالكبرياءه اللعينة ! عندما يصمم على شيء ..."
    " أنا أعرف ، أنا أعرف ، ولم يبق لي إلا يوم واحد ."
    " وليلة واحدة ، أيضاً ." أكملت باتي بنيرة صوت غريبة ومليئة بالعطف :" أوه ، ستجدين وسيلة ما ." تغيرت لهجة صوتها وأضافت :" لقد كدت أنسى ، لقد دعونا بعض الأصدقاء ، كي يأتوا ، ليلة الغد ، لوداعك ، لاشيء رسمياً ، رفيقاتك في العمل وأزواجهن . هل بإمكانك الحضور ؟"
    " كنت أتمنى أن لايكون بإمكاني ذلك ." قالت سارة متنهدة. ولكنها كانت مستغرقة في التفكير بما قالته باتي لها . لقد تغير كل شيء ، إنها تعرف الآن ، أن فيك مازال يحبها ...
    قطعت باتي عليها التفكير :" اجلبي الغيتار معك ، لاتنسي ! قد يطلب أحد المدعوين أن تعزفي لحناً."
    نظرت سارة إليها بوجه خالٍ من التعابير ." أجل سأفعل ، إذا كان هذا ما تريدين ." أجابت بصوت خال من أي نبرة ، وهي شبه واعية لطلب صديقتها .

    أمضت سارة ليلتها ماقبل الأخيرة في صن فالي وهي مثقلة بالحزن . فكرت بجميع الوسائل التي يمكن بها أن تسترجع فيك ، وهي تتقلب على فراشها ، ولكنها أقنعت نفسها أخيراً بعدم جدوى التفكير بهذا الأمر ، وأنها حتماً ستغادر صن فالي صباح بعد غد . لو أنها استطاعت فقط التحدث مع فيك ، لربما تمكنت من إقناعه بما تفكر به بالنسبة لعلاقتهما . ولكنه ، غاب عن البيت طوال النهار ، عن سابق تصور وتصميم ، وقد قالت لها كيت ، إنه لن يعود حتى وقت الحفلة المسائية التي ستقام في بيت بيل وباتي ، لوداعها.
    استطاعت سارة بجهد أن تتمالك أعصابها ، عندما حان الوقت كي تهيء نفسها لحضور حفلة الوداع . كان لايزال فستانها الأسود معلقاً في الخزانة ، ولكنها لاتريد أن ترتديه ثانية ، لأن ذلك سيثير فيها الحنين ، إلى اليوم الذي ابتاعته فيه ، برفقة فيك .
    ارتدت ، بدلاً عن الفستان الأسود ، قميصاً من قماش الموسلين الأبيض ، ووضعت على خصرها النحيل تنورة القطن المطبوع بالأزهار . وكان هذا هو كل ما استطاعت العثور عليه بين ثيابها القليلة .
    لم تستطع تفسير الدافع الذي اعتراها ، بأن تبحث في أعلى الخزانة ، المكان الوحيد الذي أهملت استطلاعه عندما حزمت أمتعتها ، ربما كي تتأكد من عدم نسيان أي شيء . لم تجد شيئاً ، عندما تفحصت بيدها هذا الجزء من الخزانة ، في بادئ الأمر ، ولكن ما هذا ؟ لقد لمست يدها كومة من القماش وقطعة مطوية من الورق . وجدت سارة نفسها ، بعد لحظة ، تحدق في لفة من القماش الرفيع . ها ... إنه الزي اليوغسلافي الفلوكلوري ، والذي تجادلت بشأنه ، مع فيك كثيراً . ووجدت أن الورقة المطوية ، هي النوتة الموسيقية لأغنيته الفوكلورية . تذكرت غضبها ، وكيف وضعت الزي والنوتة في زاوية الخزانة ، بعيداً عن النظر ، وهي تتمنى أن لايقع نظرها عليهما ثانية .
    ترقرقت الدموع في عينيها ... كم يبدو سخيفاً ، الآن ، عدم تنازلهما لبعضهما البعض ، حول هذا الأمر .
    حاولت سارة أن تتذكر شيئاً هاماً ، قالته لفيك في أوج غضبها ، ماذا قالت له تحديداً ؟ وتذكرت تحديداً ، عندما قالت له :" إن اليوم الذي سأرتدي فيه زيك الفوكلوري وأعزف وأغني ماتريد ، سيكون اليوم الذي أرضى فيه أن أبقى معك ... إلى الأبد ."
    رجفت سارة عندما أدركت أنها عثرت على الوسيلة التي ستصلح بينها وبين فيك ، أيمكن ذلك ؟ على أي حال ، إنها جديرة بالمحاولة ، ولن تزيد الأمور سوءاً . تفحصت الزي بسرعة ووجدت أن قماشه الناعم غير مجعد . وأمسكت ، في الوقت نفسه ، بورقة النوتة الموسيقية والكلمات . تسارعت نبضات قلبها . هل سيتذكر لو لو ارتديت هذا الزي ، في ليلتي الأخيرة هنا ، وأنشدت أغنيته ؟ وماذا لو فعل ... وهي تعرف تمام المعرفة أنه لن يطلب منها أن تبقى هنا معه ، أبداً ، ويبقى أن تطلب هي ذلك منه ، بكل بساطة . هذه فرصتها الوحيدة كي تنفذ خطتها . إنها بالفعل مجازفة كبيرة ، ولكن ... ولكن ، في سبيل سعادتها ... وصممت ، دفعة واحدة ، على استغلال هذه الفرصة إلى أبعد الحدود .
    ألقت بنفسها على السرير ، والتقطت الغيتار ، ودوزنت الأوتار ، وأخذت تتمرن على على اللحن الفوكلوري ، ووجدت غرابة ، في أن اللحن والكلمات ، قد طبعت في ذاكرتها . ومع إيقاع اللحن ، بدأت الثقة بنفسها تعود إليها ، وارتفعت معنوياتها وأمالها
    عندما نظرت إلى نفسها في المرآة رأت أن ملامح وجهها قد تبدلت ، اختفى الشحوب والحزن والهزيمة ليحل مكانها التصميم والنضارة . يجب أن تنجح ، وكي تبرهن على ثقتها بالنجاح ، فكت حقيبة سفرها ، واقتلعت ملصق شركة الطيران عنها . أرجوك يا إلهي ، صلت سارة بصمت ، دع هذه المعجزة تحدث ، ولاتدعني أصعد على متن الطائرة المسافرة إلى لندن ،غداً.
    كانت سارة لاتزال منشرحة ، عندما دخلت في المساء ، المنزل الكبير ووجدت كيت تنتظرها على المنصة الأمامية ... ترتدي فستاناً من الحرير المزهر ، والمتناسق لونه مع لون عينيها ، بعد أن مشطت شعرها في جدائل رفيعة .
    اصطنعت سارة الابتسام :" كما أرى ، أنت مستعدة للذهاب ."
    " أوه ، أجل ، لاأريد أن أتأخر عن هذه السهرة . هل تعرفين يا سارة ..." كان صوت كيت دافئاً وحنوناً . " ... سوف أفتقدك عندما ترحلين ." أحست سارة بالسرور ، عندما أدركت ، من خلال حديث كيت وأطرائها لها ، أن المرأة أصبحت تحبها ، ولكن ذلك ، بالطبع ، لأن فيك لم يخبرها بحقيقة الأمر . وأحست أن سرورها تلاشى .
    " لقد سبقنا فيك إلى هناك ." قالت كيت لسارة عندما نزلتا الدرج :" لا أدري ما الذي حدث له مؤخراً ، في العادة ، هو إنسان هادئ ، ولكنه ، في الأيام الأخيرة الماضية ، أصبح متوتراً وسيئ المزاج ، لاشك أن ذلك يتعلق بمتاعب العمل . لقد تبدل مزاجه منذ زيارة مستوردي الشراب للكرم قبل أسبوعين ."
    " أعيدي ما قلت ." قال بول الذي لحق بهما :" إني مسرور لتخلص من فيك ." أخبر سارة :" لقد أصبح في اليومين الآخرين ، لا يطاق ، ويجد علّة في كل شيء أفعله ..." ثم أضاف :" سأحمل الغيتار عنك ."
    " لقد كنت أعتقد ." قالت سارة ممازحة :" إنك تجد فيك رئيساً رائعاً ! الأفضل !"
    " هذا ." قال بول بحزن :" قبل أن يصل مستوردو الشراب ومعهم هذا الصحافي . ومنذ ذلك الحين لا يرضيه شيء . افعل هذا ، افعل ذلك ... إنه يتكلم بصوت مثل هدير الرعد ، وأنا أحاول أن أتجنبه قدر الإمكان ، أنت سعيدة الحظ بالابتعاد عنه !"
    " سعيدة الحظ ." رددت سارة الكلمة بصمت .
    مشوا على الطريق الترابية حتى وصلوا إلى البوابة المفتوحة . " كنا في ما مضى نتسلق السور للذهاب إلى مزرعة بيل ، ليس الآن ، لأنه زرع
    الأشجار العالية ضد الريح ." تمتمت كيت . " يا إلهي ، إن المكان مزدحم بالمدعوين ." أضافت سارة بعد أن شاهدت صفاً طويلاً من السيارات المتوقفة أمام منزل بيل وباتي .
    انسابت الموسيقى الحالمة من المنزل ، فيما بيل وباتي وقفا على المنصة يستقبلان المدعوين .
    " أعطني الغيتار ." أخذته باتي من بول ووضعته بعيداً في غرفة النوم ، ثم دخلوا الصالون المفروش بسجاد من صوف الغنم . وشاهدت سارة عدداً من الراقصين يتمايلون مع لحن شعبي في منتصف الغرفة . هل سيطلب فيك منها الرقص معه ؟ وقفز قلبها عندما شاهدته يقف ضمن زمرة من الرجال في آخر الغرفة ، وأحست بنظرها ينجذب كالمغناطيس إليه . لايزال كما عرفته متناسق القوام ، مفتول العضلات ، وذا ابتسامة متهكمة . لكنه لايبتسم الآن . وأفاقت إلى نفسها عندما لاحظت أن المدعوين بدأوا يتحلقون حولها ويتمنون لها رحلة سعيدة .
    " ما رأيك في موعد للعشاء ، الأسبوع القادم ، في لندن ." صاح بها ، رجل ، بصوت منشرح ، وعندما استدارت ، رأت جسماً نحيلاً يتقدم منها.
    " لاري !" قالت بدهشة عندما اقترب منها :" لم أرك منذ زمن طويل ."
    " من سبب هذه الغلطة ؟ لقد رفضتِ رؤيتي في كل مرة طلبت ذلك ..."
    " أعرف ، أعرف ذلك . ولم أتوقع مجيئك إلى هذه السهرة ، أنت تقيم بعيداً ، وأعرف أن طائرة الميكرولايت ... لاتطير في الليل ." قالت بنبرة طفولية :" لاشيء على هذه الأرض كان قد منعني من القدوم ! وكنت مسروراً عندما علمت بأنك قررت فجأة ، العودة إلى انكلترا، أنا متأكد ، من أني حطمت الرقم القياسي في السرعة ، في طريقي إلى هنا ، ولن يذهب ذلك سدى !" أمسك هذا الشاب السعيد بيدها وقادها إلى حلبة الرقص.
    " عندي أخبار سوف تسرك ." قال لها لاري بحماس :" أنا ذاهب إلى لندن ، الأسبوع القادم ! كنت أنتظر هذه الرحلة ، منذ زمن طويل ، ويبدو ..." شد ذراعه حول وسطها ." ... أن الرحلة جاءت في وقت مناسب."
    لم تكن سارة تصغي ولم تنتبه إلاّ لتحديق فيك المستمر بها . كان يقف بين مجموعة من المدعوين ، يحمل كأس شراب بيده ، وفمه منطبق بشدة .
    شعرت سارة مع مرور الوقت ، إنها تتحرك في حلم ، ولاري ملتصق إلى جانبها معظم الوقت ، وبسبب انشراحه لم يلاحظ أن سارة لاتصغي إلى ما يقوله عن عمله وحياته وعن رغبته في الاجتماع بها في لندن .

    ازداد توتر أعصابها وانفعالها مع مرور الوقت ، واقتراب الصباح ، وفيما تفكر كيف ستعلن عن رغبتها في الغناء لهم ، علا صوت رجل :" نريد أغنية منك ، يا سارة ، لحناً نتذكرك به !"
    لقد لاحت الفرصة المناسبة ، كي تضع خطتها موضع التنفيذ ربما ، سيكون القدر إلى جانبها ، الليلة . نظرت إلى الجمع مبتسمة وأجابت :
    " سأغني بكل سرور ." تسارعت نبضات قلبها ولم تجرؤ على النظر في اتجاه فيك . " سأجلب الغيتار ."
    سمعت الصيحات والتصفيق وهي تستدير لتذهب وتجلب الغيتار . بدلت بسرعة ثيابها ، وارتدت الزي الفوكلوري الأوروبي الذي كان مخبأً داخل الغيتار . وقد أبهجها منظرها عندما نظرت في المرآة ، وكأن الزي الفوكلوري صمم لأجلها . لقد حانت اللحظة التي فيها سيتقرر ما إذا كانت ستعيش بقية حياتها مع الرجل الذي تحبه . يجب أن تنجح .
    خيم الصمت على الغرفة عندما دخلتها وأخذت مكاناً في وسطها ، ابتسمت للجميع ، ودوزنت أوتار الغيتار ، هل هذا ما يشعر به المقامرون عندما يراهنون بكل شيء ؟ لا تنظري إلى فيك ، ليس بعد !
    أتى صوتها واضحاً وقوياً ، عندما بدأت غناء أنشودة حفاري الصمغ ، وتلاشت جميع الأصوات الأخرى .
    نظرت مباشرة إلى فيك ، عندما انتهت من غناء الأنشودة ، وسط موجة من التصفيق . وبدا عليه التحول عما كان في بداية السهرة ، لقد لاحظت بداية لمعان في عينيه . والنظرة التي حدق فيها ... وفي لحظة اتجه نحوها.
    وصل إليها لاري ، بجزء من ثانية ، ولم تأبه للخيبة التي ظهرت على وجه لاري ، فهي لم تعد ترى شيئاً في العالم غير فيك ، فيما هو يقودها إلى حلبة الرقص على أنغام لحن فالس.
    غمرها بين ذراعيه ، تحركا معاً ، فيما كانت تجتاحها موجة من السعادة الطاغية . اختفت الوجوه وتلاشت الأصوات ولم تعد تشعر إلا بوجود فيك.
    تمايلا بصمت حول حلبة الرقص ثم قادها فيك إلى الحديقة التي زينتها أضواء النجوم . وفي ظل شجرة أخذها فيك بين ذراعيه وشدها إليه ، ثم لثمها وقال بصوت منفعل :" أحبك ."
    " أنا أحبك أيضاً ، يا فيك ." واجتاحتها السعادة عندما تجاوبت مع عناقه وعندما استطاعت كلاماً قالت له :" لقد تذكرت ؟"
    " يا حبيبتي ..." وضع وجهها بين يديه " ... لا يمكن أن أنسى شيئاً عنك ، لقد أحببتك منذ اللحظة الأولى لقدومك ..."
    قالت ممازحة :" حتى عندما عرفت من أنا في الحقيقة ؟"
    " أحببتك كل الوقت ." تهدج صوته فجأة :" لقد مرت علي الأيام الماضية مثل الجحيم . واعتقدت أني لن أراك ثانية أبداً."
    " ظننت أنك لا تريدني ."
    " لا أريدك ، يا حبيبتي ؟" عانقها بشوق وكأنه يؤكد شعوره نحوها ." لن أتركك أبداً ." همس في أذنها :" سنكون فريقاً رائعاً ، أنا وأنت ، ستبقين إلى جانبي دائماً ، وربما ، مستقبلاً ، لن نبقى أنا وأنت بمفردنا ، هل تعرفين ما أعني ..."
    رفعت سارة نظرها إليه وأجابت :" أجل ، كي نصل للكمال في صناعتنا ، يجب أن نصنع كل شيء بالحب ."
    عندما رجعا أخيراً إلى الحفل ، كانت عينا سارة تلمعان وبدا على وجهها السعادة .
    رفع فيك يده في الهواء وقال :" يا أصحابي عندي مفاجأة سارة لكم . إن سارة لن تغادر صن فالي غداً ، ستبقى هنا معنا ..." توقف عن الكلام .
    " ... لقد قررنا ، أنا وهي ، الزواج قريباً ، وجميعكم مدعوون إلى حفل الزفاف ..."
    غرق صوته بين الصيحات والهتافات التي ترددت في الغرفة ، ورأت سارة وجه لاري المذهول . ولكنه منحها ابتسامة مخلصة . واختفى عن ناظريها .
    ونسيت كل شيء فيما عدا هتاف :" مبروك !"

    تمت
    [/size]
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    لا ألة ألا الله محمد رسول الله


  • #3
    ملاذي فعال
    حالتي : ام حسن غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Jun 2011
    عضويتي رقم: 11265
    الدولة: غزة
    هوايتي: القراءة
    سيرتي الذاتية: ام حسن
    عملي: موظفة
    مشاركاتي: 101
    معدل تقييم المستوى : 34
    ام حسن في بداية الطريق

    رد: رواية صيف القاف - غلوريا بيفان (كتابة كاملة)

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  • #4
    ملاذي فعال
    حالتي : ام حسن غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Jun 2011
    عضويتي رقم: 11265
    الدولة: غزة
    هوايتي: القراءة
    سيرتي الذاتية: ام حسن
    عملي: موظفة
    مشاركاتي: 101
    معدل تقييم المستوى : 34
    ام حسن في بداية الطريق

    رد: رواية صيف القاف - غلوريا بيفان (كتابة كاملة)

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


  • #5
    مشرفة سابقة نفتقد تواجدها الجميل
    حالتي : رومانسيه غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Nov 2010
    عضويتي رقم: 389
    الدولة: في ارض الاحلام
    هوايتي: القراءة والاعمال الفنيه باشكالها
    سيرتي الذاتية: احب رواية الجميع مبتسم وسعيد
    عملي: عاطلة بكيفي
    مشاركاتي: 3,098
    معدل تقييم المستوى : 2147483705
    رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى. رومانسيه من افضل السمعات في المنتدى.

    رد: رواية صيف القاف - غلوريا بيفان (كتابة كاملة)

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    حَتّى لا يَندَثِر كُل شَيءٍ جَميل
    ~ كُنْ مِعطَاء ~
    فـَ كُل مَا لا يُعطَى يَضيّع ...



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  • + الرد على الموضوع
    صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

    معلومات الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

       

    المواضيع المتشابهه

    1. - المرأة الطفلة - سوزان هوجز - م.د ( كتابة / كاملة )
      بواسطة اميرة شوقى في المنتدى منتدى روايات عبير المكتوبة والمنقولة (مكتملة)
      مشاركات: 117
      آخر مشاركة: اليوم, 07:10 AM
    2. رواية حان القطاف . . . . . ( العدد 178 )
      بواسطة مرمورية في المنتدى سلسلة أحلام من 101 الى 200
      مشاركات: 314
      آخر مشاركة: 25-07-2014, 02:46 PM
    3. رواية دعني أحبك - غريس غرين - دار النحاس -1067- (كتابة كاملة)
      بواسطة pink angel في المنتدى منتدى روايات عبير المكتوبة والمنقولة (مكتملة)
      مشاركات: 8
      آخر مشاركة: 24-06-2014, 10:02 AM
    4. رواية القطاف المر ـ كارول مورتيمر - العدد رقم 9 ( مكتوبة )
      بواسطة ^RAYAHEEN^ في المنتدى منتدى روايات احلام المكتوبة والمنقولة (مكتملة)
      مشاركات: 18
      آخر مشاركة: 27-11-2013, 01:58 PM
    5. رواية /خيوط المصير... للكتابة ؛سارا وود (كتابة)
      بواسطة لولو ليلاس في المنتدى منتدى روايات عبير المكتوبة والمنقولة (مكتملة)
      مشاركات: 17
      آخر مشاركة: 15-12-2012, 03:15 AM

    الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

    مواقع النشر (المفضلة)

    مواقع النشر (المفضلة)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك