آخـــر الــمــواضــيــع

سحر النبى صلى الله عليه وسلم بقلم لحظة عشق :: الله يوفقكم ساعدوني ابغي اسم روايه بقلم زيزي ر :: تحميل احدث اصدار لجوجل كروم 2015 بقلم دينا حسين :: برنامج ادارة الشبكات والتحكم بها Remote Computer Manager 6.0.5 في آخر اصدار بقلم yassinoxe :: حلقات انمي Tokyo Ghoul تحميل + مشاهدة مباشرة + متجدد بقلم Black Cat :: حلقات انمي Sabagebu تحميل + مشاهدة مباشرة + متجدد بقلم Black Cat :: العملاق Flash Player Pro 5.96 DC 22.08.2014 لتشغيل الملفات الفلاشية على الانترنت بقلم yassinoxe :: تحميل برنامج شات اون للاندرويد بقلم karatekid :: حلقات انمي Sword Art Online II متجدد تحميل + مشاهدة مباشرة + متجدد بقلم Black Cat :: حلقات انمي Sword Art Online تحميل + مشاهدة مباشرة اون لاين بقلم Black Cat :: دليلك الكامل حول فرد الشعر بالنشا ونصائح اخرى ... بقلم الود طبعي :: ملامح زمن للكاتبة الإماراتية شهرزاد بقلم الود طبعي :: استفسار بقلم merna :: حصريا..السلسلة الأروع لتعلم اللغة الإنجليزية بقلم 12345 :: إستعد ملفاتك المحذوفة و لو منذ 30 عاما مع برنامج iCare Data Recovery Profess بقلم 12345 :: Who Is On My WiFi Ultimate 2.1.2 لكشف المتطفلين على شبكة الويفي وطردهم بقلم 12345 :: العملاق بحلته الاخيرة Adobe Photoshop CC version 15 - 64/32 bits بقلم 12345 :: حصـــــIIأحدث ألعاب الأكشن Ghost Warrior 2 نسخة كاملة IIـــــريا بقلم 12345 :: تحميل لعبة ازاى تخنق جارك بقلم karatekid :: يسأل ويتساءلون بقلم قلم مضطرب ::



+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 الأخيرةالأخيرة
النتائج 6 إلى 10 من 25

  1. #6
    ملاذية مميزة وغير شِكل..♥
    حالتي : الود طبعي غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Apr 2012
    عضويتي رقم: 24466
    الدولة: بلا غنوان
    هوايتي: القراءة
    سيرتي الذاتية: مكر مفر مقبل مدبر معا
    عملي: قم للمعلم وفه التبجيلا
    مشاركاتي: 7,072
    معدل تقييم المستوى : 2147483735
    الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى.

    رد: رواية ( احلام منسية ) للكاتبة ليتني غريبة كاااااااااملة


    04:45 pm
    تألقت بلونها الأخضر في ساعة السيارة الالكترونية حين أوفقتها في كراج البيت .. قفزت من السيارة تلتقط حقيبتها و هاتفها ذو البطارية فارغة الشحن .. و عينها على تلك السيارة الفارهة التي توقفت أمام البيت .. مبارك هنا ..!!
    دلفت البيت بسرعة و قلبها يخفق بعنف .. كم سيسر منصور جدا أن يجد تأخرها هذا عذرا لكي يشيد بأن العمل ألهاها عن واجباتها .. و لكن ذلك لم يكن بيدها ..
    في اللحظة التي فتحت بها الباب و استدار الرأسين اليها علمت أنها ستجد حسابا على هذا التأخير .. بدت الراحة الشديدة أولا على وجه الرجلين الذي كان أحدهما واقفا على قدميه و الآخر على كرسيه .. قبل أن تنقلب سنحة زوجها للهدوء .. الذي لمست غليان الغضب تحته .. إلهي اجعل الأمور تسير على ما يرام
    - السلام عليكم ..
    قالتها بصوت خافت و هي تشد على حقيبة يدها ..
    - و عليكم السلام ..
    يردان بصوت واحد قبل أن يتحرك مبارك بهدوء نحو الباب الذي تقف عنده ..
    - شحالج أحلام ..
    ابتسمت بارتباك ..
    - الله يعافيك .. شحالك انته ..
    - يسرج الحال .. روعتينا عليج ..
    ثم التفت لمنصور ..
    - أمر عليك اليوم ..؟
    هز منصور رأسه بصمت رفضا ..
    - خلاص عيل أترخص أنا الحين .. فدااعت الله ..
    ترفع صوتها الخافت ليعلو على دقات قلبها المدوية ..
    - الله يحفظك ..
    .
    .
    كان انسحاب مبارك اللبق في غير محله .. تمنت و هي ترى الغضب العارم ينعكس خلف عيني أخيه البعيدتين لو أنه ظل هنا لدقائق أخرى .. و لكن في اللحظة التي أغلق فيها الباب .. لم يعقب تكة انصفاق ضلفيه أدنى صوت .. سوى أنفاسها و دوي قلبها المتوتر ..
    لم تدري لما تشعر بهذا الخوف .. بالطبع ستشرح له ثم سيعذرها .. ثم........
    .
    .
    رددت جدران البيت المزخرفة بترف صوته القاسي و هو يقول ..
    - وين كنتي ..؟
    بلعت ريقها ..
    - في الدوام ..
    نظر لساعة الجدار و لمسة من الاحتقار بدت واضحة في صوته ..
    - الساعة خمس و في الدوام .. ليش مبندة تيلفونج ..
    صوتها الخافت لا يكاد يسمع من بين ترددات صدى غضبه ..
    - كان مفظي ..
    .
    .
    للحظة تمنت لو أنها استمرت بالصمت حين انفجر يصرخ بقوة ..
    - هب عذر .. شوه تتحرين عمرج عايشة بروحج .. تبطين متى ما تبين .. لا تستأذنين و لا تخبرين ..
    سحب نفسا عميقا و كأنه يهدئ نفسه ..
    - نحن محتشرين هنيه .. و لفكار تودينا و تييبنا .. و انتي هناك و لا عندج خبر ..
    - منصور والـ ..
    رفع يده مقاطعا اياها ..
    - ما ريد أسمع شي .. بس مرة ثانية يا الشيخة .. راعي إن ريلج عاجز و ما يروم كل ما اتأخرتي و تلفونج مغلق يسير يدورج ..
    كانت هذه طعنة مباشرة .. لم تدري اذا أصابته قبل أن تصيبها .. !!
    أدار كرسيه بسرعة و توجه نحو مكتبه ليتوارى خلف الباب الخشبي البائس ..

    * * * * *

    كان ستار الليل قد أسدل ببطء معلنا انتهاء دور النهار لهذا اليوم فقط .. النهار الذي حمل خيوطه المشعة و رحل متوعدا بالعودة غدا ..
    .
    .
    و لم يعد يبلغ مكتبه من الضوء سوى بقايا أشعة من أنوار الشارع القريب تحاول مستميته إفساد هذا الظلام المريح .. الذي يجلس هو وسطه بهدوء ..
    أسدل جفنيه الثقيلين ببطء .. حين سمع طرقات خفيفة على الباب .. بدت له مترددة ..!!
    لقد كان قلقا عليها اليوم .. قلقا للغاية .. رفع صوته يأمرها بالدخول متأكدا بأنها هي ..
    - تعـــــــــــــــــالي ..
    سمعها تدير مقبض الباب و تفتحه ليصدر صريرا غريبا .. و يتدفق مع الفرجة الكبيرة هذه ضوء من الصالة أنار المكان ..حالما دخلت الغرفة مدت أناملها لتبث الضوء في الغرفة .. فيغمرها النور بقوة مهاجما عينيها ..
    يغمضها قليلا .. و يسمعها تهمس ..
    - كنت راقد ؟؟
    - لا ..
    ثم أشار للأريكة القريبة ..
    - يلسي ..
    جلست حيث أشار بسرعة .. لم يكن يعجبها هذا السطح البارد .. فقالت و هي تفرك يدها بقوة ..
    - منصور اليوم و الله ما كنت متعمدة ابطي .. بس الموتر كان مبنشر و ما حصلنا سكروب على مقاس التاير ..
    ينظر لها بنفس الهدوء .. لا يرد ..!!
    - منصور .......
    أشار بيده مقاطعا ..
    - بس خلاص طاحت السالفة ... ماريد أرمس فيهل ..
    تمعنت في وجهه .. لا لم ينته شيء هنا .. ما زال غاضبا لأنها تأخرت .. في الاسبوعين الأخيرين شعرت بأنه قد بدأ يلين .. رغم لمسات البرود الذي تتخلخل علاقتها به .. الا أن الدفء أصبح يسري بينهما مؤخرا .. لا تنكر أنهما أحيانا يجدان ما يختلفان عليه .. كموضوع مصاب الايدز البارحة .. الا أنها الآن استلذت لهذا القرب الطفيف .. لا تريد أن تدفعه بأي طريقه ليعود الى قوقعته البائسة تلك .. بالأمس تشاجرا .. و اليوم هو غاضب منها ..
    عاودي فعل شيء هذا القبيل أحلام و ستجدين أنك أمام تلك الواجهة الجليدية مجددا ..
    تنهدت بتعاسة و هي تفكر بأنها لا تريده أن يجد تأخرها مبررا ليجعلها تترك العمل .. مع أنه لم يذكر شيئا عن ذلك ..
    .
    .
    التفت لها و هو يسمع تنهيدتها تلك .. كانت بعيدة عنه .. و لكنها سالمة .. لم تصب بمكروه كما خطر له هذا اليوم حين تأخرت .. هز رأسه و هو يقول ببرود ..
    - نشي زهبي العشا ..

    * * * * *

    لم تعد ترغب في هذه اللحظة سوى وضع كاتم للصوت في حلق هذه المرأة .. و هي تشعر بأن صوتها سيشطر رأسها لنصفين .. و عظامها المزعزعة من قلة الراحة ترتج إثر موجات صوتها القوية ..!!
    - يوم أقول لمعرسااات ما فيهن خير .. بس محد يفطن ليه .. الوحدة تيي من بيتااا متواقعة ويا ريلها و تفك حرتاا فيناا ...
    تنهدت أحلام .. حقا لا ينقصها سوى هذا ..
    - أم حميد عييينيي خيييير .. بلاج محتشرة .. شوه سويت أنا الحين ..
    صرخت العجوز ..
    - شوه بعد شوه سويتي .. البارحة يايتنيه يوم امخلص دوامج و تقولين أخرتينيه .. و اليوم منزربة في حجرتج و محد شاف عينج .. و يوم يتيينا تتمننين علينا بطيبة الخاطر .. اممممف عليكن .. ما فيييكن خير ..
    شدت أحلام قبضتها بقوة .. تقاوم رغبة بأن تمسك أقرب ما حولها لتلقيه على هذه العجوز .. شعرت بالغبن .. آخر ما تريده هو الشجار معها الآن ..
    و لكن يبدو بأن الله قد لطف بها حين أقبلت زكية تقود معها سهيلة التي كانت تقبض على كيس حلوى البارحة و ما زال يحوي فيه الكثير ..
    لتنقلب العجوز للطفها الذي لا تلمسه أحلام أبدا و تنشغل قليلا بالحديث مع سهيلة .. في حين اقتربت زكية و وضعت يدها بحنان الأمومة على كتف أحلام تسألها بعطف ..
    - فيه ايه يا حبيبتي .. شكلك تعبانة أوي ..
    ابتسمت أحلام و تخنقها العبرة ..
    - ماشي فدييتج مصدعة شوية .. شحالها حصة الحين ..
    همست زكية ..
    - ماخدة مسكن ديلوئتي و عاوزة راحة شوية .. و سهيلة جالسة ما تعملش حاقة أولت أجيبها هنا لأم حميد .. مش عاوزاها تجلس لوحديها كتير و هي حتمشي بعد أسبوع ..
    عقد أحلام جبينها ..
    - وين بتسير ..
    هزت زكية رأسها ..
    - حتروح البيت .. أصل أهلها بييجو كل عطلة ربيع ياخدوها .. تئعد الأسبوعين معاهم و ترجع هنا تاني .. أولت أخليها تشوف أم حميد ..أصلها بتحب البت أوي ..
    ثم تساءلت ..
    - هي عاملة ايه معاكي ..
    - بلاوي يختي .. لا تتخبرين ..
    - أعملك كوباية شاي ..
    تنهدت بامتنان ..
    - تسوين خير و الله ..
    ابتسمت زكية مشجعة .. و خرجت لتترك أحلام غارقة و كلمات أم حميد تتسلل لذهنها المشغول .. تسمعها تداعب سهيلة و تسألها أن تعطيها بعض الحلوى .. هذه العجوز تتحول لكائن رقيق مذهل مع من تحب .. و لكن معها أو مع الأطباء بشكل عام تصبح شيئا بغيضا لا يحتمل .. كم تتمنى لو أن هذا الوجه يكون لها لثوانٍ فقط .. تريد أن تشعر كيف يكون الإحساس بحنان القسوة ..!!
    ما زال زوجها متكدرا بشأن تأخرها البارحة و بدا الامتعاض عليه حين رآها ذاهبة للعمل و لكن ذلك لم يردعها من تحذيره مرة أخرى بشأن ذاك المصاب الذي يصر على مقابلته ....
    تنهدت بوهن .. أما آن لتلك الزوابع أن تنقشع عن حياتها ..!!
    و كأنما أرادت أن تنتشلها بقوة من مستنقع أفكارها صرخت ام حميد صرخة مدوية ..
    - لبنيــــــــــــــة بتمووووووووووت يعلكن السل لحقن عليها ..
    اجفلت أحلام بذعر و التفتت لهن لترى أم حميد تمسك بكتفي سهيلة و هي تقول كلمات مرتاعة لم تبدو واضحة .. و لكن أحلام فهمت الأمر فورا .. فوجه سهيلة المسود كان يخبرها أنها تختنق ..
    قفزت بسرعة لحيث يجلسن لتنكس رأس الفتاة و تضربها بحافة يدها على مؤخرة عنقها .. سهيلة ما زال صوتها متحشرجا و أحلام تحاول جاهدة أخراج ما علق في حلقها .. أم حميد صوتها باكي الآن .. و هي تشتم الجميع بلا استثناء ..
    - غيثووها .. لا بركتن فيكم .. لااااااا تموووت .. دحيها .. سهيلة يمييييه ..لا تسرطينه ..
    ثم فجأة مع ضربات أحلام اليائسة و هي تظن للحظات بأن سهيلة تلفظ أنفاسها .. تقيأت الفتاة بشدة .. لتخرج قطعة سكاكر ضخمة
    أمام عيني أحلام المرتاحتين .. لم تشعر بالسعادة قط لرؤية أحدهم يتقيأ كما هي الآن .. كادت تبكي من الفرحة .. و هي تهرع للحمام و تلتقط منشفة و كوب ماء من فوق طاولة أم حميد ..
    سهيلة كانت تبكي و هي خائفة بشدة .. و تكح باختناق .. و أحلام تمسح ثوبها و تسقيها الماء .. ثم مدت أم حميد ذراعيها تحتضن تلك الصغيرة بشدة .. و عينيها التين تحيطان بهما التجاعيد تترقرق فيهما دموع حبيسة جعلتها أكثر انسانية في عيني أحلام ..
    ماذا لو كانت هذه حقا آخر لحظات سهيلة ..!!
    سهيلة الطفلة .. التي لم ترى في حياتها أبعد من جدران بيتهم و الدار .. التي حرمت من العيش كأي فتاة طبيعية .. التعلم .. تكوين أصدقاء ..
    .
    .
    حتى الأهل ..!!
    هل ستلين تلك القلوب رحمة اذا ماتت ؟!! لا يهم .. هناك شيء واحد تأكدت منه أحلام و ألم خفيف غزا قلبها للحظات بدأ يخبو لتحل مكانه الراحة ..
    هي تحب هذه الشابة .. تحب براءتها .. و طفولتها .. تحب عقلها العاجزعن فهم سبب وجودها هنا بعيدا عن أهلها ..
    نظرت لرأسها المدفون في صدر أم حميد لا تتبين من وجهها الباكي شيئا سوى اهتزازها اثر شهقاتها المتعاقبة ..
    رفعت عينيها لأم حميد .. و عبراتها تنسل بين خنادق الزمن المحفورة على وجهها .. لتقول لأحلام بصدق لم تلمسه الأولى منها قط ..
    - يعلنيه أسد عوقج .. ما قصرتي يا أحلام .. هذي غالية عليه ..
    بلعت أحلام عبرة تسد حلقها و هي تهز رأسها عاجزة عن الكلام ..
    كانت هذه المرة الأولى التي تتلفظ فبها أم حميد بإسمها ..!!

    .. .. .. .. .. .. .. ..!!
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


  • #7
    ملاذية مميزة وغير شِكل..♥
    حالتي : الود طبعي غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Apr 2012
    عضويتي رقم: 24466
    الدولة: بلا غنوان
    هوايتي: القراءة
    سيرتي الذاتية: مكر مفر مقبل مدبر معا
    عملي: قم للمعلم وفه التبجيلا
    مشاركاتي: 7,072
    معدل تقييم المستوى : 2147483735
    الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى.

    رد: رواية ( احلام منسية ) للكاتبة ليتني غريبة كاااااااااملة


    ●○▐الرابعـــــــــــالرؤيــــــــــــــــــــ ـــا ـــــــــــة
    ▌○●



    بعــــــــــــد أسبــــــــــــوع .. و نيــــــــف ..
    .
    .

    كان وجهها شاحبا .. هالات داكنة تحيط بعينيها الغائرتين .. بدا التعب متجسدا في حنايا هذا الوجه المضنى ..
    خطوط الزمن الغابرة المحفورة على كل ما تراه عيناها .. تحوي ألما .. أوجع قلب أحلام قبل أن تمسه هي ..
    تغط في سبات حميد غارقة في عالم بلا أبعاد .. بلا ألم .. قد تجد في شيئا من الراحة التي تفتقدها هنا .. في تلك الظلمات اللامتناهية ..
    تنهدت أحلام و هي تنظر لحصة .. هذه المرأة البسيطة .. سلّمت أمرها .. و لم تعد تحلم سوى بالعيش في آخر لحظاتها بلا ألم ..
    لا أحد يتحدث هنا عن أمل بعيد قد يكون ممكننا .. و لا أحد يتحدث عن أجل قريب قد يضع نهاية لهذا الفصل من الحكاية ..!!
    كل شيء فيها كان مبهما .. كأمر لم تفهمه .. أو بالأحرى لم ترد أن تفهمه .. حصة هنا مستلقية و قد أنتهك العذاب جسدها .. فلم يعد لها راحة سوى دفقات المسكنات التي تضخ في عروقها .. تهدئ شيئا من ألمها ..
    و هي تجلس هنا .. تدرك أن تلك لن تشعر بوجودها .. و لكن .. احتاجت إلى الهدوء .. إلى هالة السلام الغريب الذي تبثه حصة حولها .. حتى لو كانت طريحة المرض ..
    مر بعض الوقت و هي تجلس عندها .. و لم يكن الأمر مشابها قط للجلوس مع خليفة .. شتان بين الحديث مع شخص بحرية .. و كتم أنفاسك عند الآخر كي لا تزعجه ..
    نهضت من مكانها بهدوء .. لا يمكنها أن تقضي النهار كله هنا .. عليها أن تجد شيئا تفعله .. فبعد أن أنقذت سهيلة من الاختناق الأسبوع الماضي .. انقلب حال أم حميد و كأنما قررت فجأة أن تستخدم وجهها اللطيف مع أحلام .. مما شتت الأخيرة و تركها في حيرة ..
    تتوجه نحو الباب و تحاذر أن لا يكون لخطواتها وقع .. و قبل أن تخرج .. ترى تلك المفكرة الصفراء .. ملقية على الأرض .. لتعود إليها فترفعها بين أناملها متأملة .. فتحتها بلا عناية .. تتجاهل صوت ضميرها المؤنب يردعه فضولها .. لتقلب الصفحات بسرعة .. فتنزلق من بينها صورة بحجم كف يدها ..
    انسابت من بين الوريقات التي تحاول التقاط شيء مما تحوي .. لتتهاوي ببطء كورقة خريفية مسنة .. أسقطت في يدها بعد أن أنهكها التعلق بالغصن .. لتلامس الأرض بخفة و هي مقلوبة ..
    صــــــــورة ..!!
    انحنت تريد التقاطها حين سمعت صوت حركة من السرير بقربها .. فتلتقط الصورة بسرعة و تدسها بين صفحات المفكرة دون أن تنظر إليها .. ترفع عينها ..
    لا تزال تلك مستغرقة في النوم .. فتتنهد هي بشيء من الراحة و شعور بالذنب ينغزها .. فتضع المفكرة على الطاولة بحرص ..
    لم تحبذ فكرة أن تمسكها حصة و هي تفتش في مفكرتها الخاصة .. لذلك سارعت بالخروج قبل أن تخضع لرغبتها في اقتحام أسرار حصة ..
    و هي تتذكر ..
    أنت أحلام من أردت تجاهل الورق ..
    أنت أردت البحث عن حقيقة سكان هذه الدار في أرواحهم ..

    * * * * *

    يجلس على كرسيه الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من جسده .. مقابلا ذاك المسترخي على الأريكة الضيقة و أشعة الشمس تسقط في الغرفة بينهما عبر النافذة ..
    كان يراقب تعابير وجهه المدققة و هو يقلب الكتاب بين يديه قبل أن يتساءل ..
    - عايض القرني ..؟
    هز منصور رأسه بهدوء ..
    - هيه .. تحب القراءة ..
    توقف عند صفحة يطالعها باهتمام ..
    - يعني .. كنت ما أقرأ واايد .. بس عقب ما دريت انيه مريض و ان ماشي دراسة و لا علم .. قلت أنفع عمريه و أثقف نفسي بنفسي .. بس تدري شوه ؟؟ الاسم مال الكتاب عيبني ..
    ثم ضيق عينيه و هو يمرر أنامله على الاسم المحفور في الغلاف ..
    - لا تحـــــــــــــزن ..
    ربت منصور على ذراع كرسيه و هو يتنهد ..
    - هذا الكتاب ياني هدية من واحد من الربع .. عقب الحادث ..
    نظر له سعيد بهدوء ..
    - الحادث لي ..
    هز منصور رأسه ..
    - تعوقت فيه .. هيه ..
    ثم صمت قليلا .. قبل أن يقول بهدوء ..
    - أنا عقب الحادث اضطريت انيه أتم في البيت و لجأت للقراءة بالغصب مع انيه ما دانيها .. خلاف عيبتنيه ..
    ثم ابتسم متذكرا ..
    - تطلع من العالم لي انت فيه و تعيش عالم ثاني بكل ما فيه .. يختلف عن واقعك .. فيه الضحكة .. و فيه الدمعة ... عالم كامل بناسه و احساسه .. في غلاف .. يمحي كل لي قدامك و لي وراك .. ما تبقى غير انت و الكتاب .. عسب كذيه حبيت القراءة .. و عقب فترة بديت أكتب .. و نزلت لي أول رواية العام لي طاف .. و الحين أكتب الثانية ..
    عقد سعيد جبينه بحيرة ..
    - الحين كل واحد يكتب سيده ينشروله كتاباته ..؟
    - لا طبعا .. أنا روايتيه نشرتها على حسابيه .. هاي مطابع و تجارة .. يعني نحن ندور لي يطبع لنا هب المطابع لي تدور الكتّاب .. و هاي اعاقة يواجهها أي كاتب .. وااايد مبدعين ما يلقون لي يراعي انتاجاتهم الادبية .. لنّا ندور أصحاب الشهادات أو نتوجه لفئة معيّنة .. فهمت ..
    ابتسم سعيد بخفة ..
    - شوه محاظرة ما شا الله .. تعرض معاناة المجتمع .. بس هب معقولة .. يعني الدولة ما تقدم أي مساعدات ..؟
    - و الله ما قد سمعت ان وحدة من الحكومات ترعى كاتب ألف شي و نشروه ..
    ابتسم سعيد بهدوء دون أن يرد و عاد ينظر للكتاب مجددا .. و هذا ما كان يثير دهشة منصور .. هذا الشاب يسري الموت على طول شريانه .. و لكنه هادئ جدا ..
    - هااا .. شرايك فيه ..
    وضعه على الطاولة المجاورة بجانب الكرة الزرقاء تلك ..
    - خله عنديه بقرااه ..








    حقيقة مفجعة ..

    في الدورة الرابعة والعشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب (2005) لم يصدر عن دور النشر العربية التي شاركت في هذه الدورة وعددها 707 أكثر من 2100 عنوان موجهة إلى 284 مليون نسمة هم عدد سكان الوطن العربي، في الوقت الذي تنتج فيه إسرائيل وحدها 13000 عنوان جديد سنويا موجهة إلى 5 ملايين قارئ فقط.



    * * * * *


    - لطيفة عبيد ..؟
    هزت لطيفة رأسها تبرز بطاقتها الجامعية ..
    - هيه نعم ..
    قالت المرأة من خلف مكتبها ..
    - كم دعوة تبين ..
    عقدت لطيفة حاجبيها ..
    - ليش الدعوة هب عامة و مفتوحة ..؟
    هزت المرأة رأسها ببرود ..
    - هيه .. بس الثلاثة أيام الأولى خاصة بالشخصيات و الدعوات الموجهة الخاصة .. خلاف بنفتحها للمدارس و العامة .. بس كل مشترك في المعرض يحق له بدعوتين خاصتين في اليوم الأول .. تبينهن و الا لا ..
    .
    .
    هل تريد الدعوتين يا ترى ..؟ .. من سيتمكن من الحضور .. ليس أمها أو شقيقيها بالتأكيد .. ماذا عن أحلام .. ربما .. حسنا ستكتفي بواحدة ..
    - ما عليه ختيه عطينيه وحدة بس ..
    راحت المرأة تنتزع وريقات و توقع على أخرى .. و عيني لطيفة تتأملان حافة المكتب بهدوء .. لماذا لم تفكر بموزة .. هي تعلم جيدا أن ذلك سببه عزلتها و واثقة بأنه من المستحيل أن تتزحزح أختها من البيت كي تحضر المعرض .. لذلك فكرت بدعوة أحلام دونها ..
    لا يعني هذا أنها لا تتألم على حال موزة .. ان قلبها ينفطر حسرة على حالها .. و لكنها لا تجد في يدها حيلة لدفع أختها خارج جدران البيت ..
    و كأنما تنبهت لطيفة لشيء فضيع .. عندما عرضت عليها الدعوتين و فكرت بأحلام فقط .. شعرت بالخسة .. هي لم تحاول حتى مساعدة موزة .. و تلقي اللوم في عزلتها عليها الآن ..
    الوضع صعب جدا .. مسألة طلاقها بعد ثلاثة أشهر من ذاك الحثالة .. أثرت بشكل كبير على حياتها .. هي خائفة من نظرة الناس ..
    لا تقوى على مواجهة أعينهم .. و لا مواجهة واقعها المحصور تحت مسمى [ مطلقة ] ما الذي عليها أن تفعله الآن اذا ..؟!!
    فكرت لطيفة بأن تحاول على الأقل .. عليها أن تحاول دفع موزة الى خارج قوقعتها تلك .. تعلم أن أحلام تحاول مستميتة .. و هي لا تقل عن أحلام ..
    ستفعل أي شيء في الدنيا .. كي ترى انعكاس الحياة في عيني موزة يعود كالسابق ..
    .
    .
    - لو سمحتي ....
    اجفلت لطيفة .. و تبعثرت أفكارها تلك حولها .. و المرأة تمد يدها ممسكة بدعوة بضجر ..
    - البطاقة ..
    نظرت لطيفة للدعوة مرة أخرى .. قبل أن ترفع رأسها لوجه تلك المرأة المتضايقة بابتسامة حلوة ..
    - غيرت رايي الشيخة .. أبا بطاقتين ..

    * * * * *

    ابتسمت بهدوء في وجه العجوز تلك .. رغم الارتباك الذي يغشاها مؤخرا و هي تتعامل مع [ النسخة اللطيفة ] من أم حميد ..
    - سمحيليه و الله أدري انيه ابطيت عليج .. بس كنت عند حصة تعابة شوي .. و الحين بسير لخليفة أشوفه ..
    قالت أم حميد بصوتها الوقور الذي أصبحت أحلام لا تواجه سواه .. الا ما صادف أن تكون موجودة حين يتلقاه الغير ..
    - بالحل يا بنيتي .. ادريبج مشغولة .. خطفي عليه يوم بتخلصين .. الحين حصة مريظة .. و سهيلة مروحة .. و بو ثاني ريال .. أخيّل اسير قداه بروحيه ..
    كانت قد قضت ساعتين معها .. و لكن يبدو أن رضا أم حميد يعني قضاء وقت أطول معها ..
    - ما عليه .. أنا بس بخطف ع الباقين .. و برد لج ان شا الله ..
    .
    .
    خرجت متوجهة نحو غرفة خليفة .. تصلها و تدخل .. ثم تغلق الباب خلفها .. و ها هو كعادته مستلق على ظهره .. عاجزا عن الحراك .. لا بريق للحياة سوى في عينيه المتأملتين للسقف ..
    تقترب ببطء ثم تجلس بجانبه .. لتهمس بابتسامة ..
    - السلام عليك خليفة .. شحالك .. شكلك أحسن اليوم .. حد مر عليك ..؟
    .
    .
    وقع كلماتها في المكان يخترق سكون الغرفة .. لترد هي على ذاتها ..
    فتستمر في بعثرة كلماتها ..
    - آآآ .. ما خبرتك .. ترا سهيلة لي دوم أخبرك عنها .. بتسير باكر بيت هلها اسبوعين .. و بترد ..
    ثم عقدت جبينها ..
    - مادري ليش ما ارتحت لروحتهاا هناك .. أحس هلها ما بيراعوونها .. صح أنا هب أحرص منهم ع بنتهم .. بس في ذمتك .. هاييل بشر لي يفرون بنتهم المريظة بعيد عنهم في السنة ما يشلونها غير اسبوعين ..
    هزت رأسها بعدم رضى ..
    - أنا ما قد شفت هلها كلهم .. ما شفت الا ختها العودة .. استغفر الله .. ما بيلس اسبها .. بس شكلها ما عيبنيه .. اسلوبها في التعامل .. مصيبة لو هلها كلهم كذيه .. محد طلع منهم الا سهيلة .. فدييييتاا .. اسمينا بنتولّه عليها ..
    ثم ابتسمت بخفة ..
    - حتى أم حميد الشرانية تموت عليها .. ما قلتلك أم حميد قالبة عليّه امية و ثمانين درجة .. من يوم ما طلعت الحلاوة لي بغت تغص بها سهيلة .. رب ضارة نافعة ياخي ..
    تنهدت و هي تقول ..
    - هاي ام حميد رضت علينا .. ما بقى الا منصور .. و قودزيلا ع قولة رشود ..
    كانت ساهمة و هي تقول ..
    - تصدق .. منصور يمكن أتعايش ويا جفاه .. لنيه من سنتين و أنا أشوف هالجانب منه .. و بعدين هو قريب منيه .. أحيانا يتغير ..
    نظرت لعيني خليفة الجامدتين ..
    - ما يخرب علينا الا تعارض وجهات النظر .. هو ما يبانيه أشتغل .. و أنا ما باه يسير للمريض لي فيه الايدز .. أنا اتحريته اصطلب و رد يعاملنيه شرات قبل .. يعني يعطيني ويه .. بس شرات ما قلت .. منصور يمكن أتعايش وياه .. بس حمدان ..!!
    بدت نبرة اليأس واضحة في صوتها ..
    - صعب و الله .. هذا خوية .. حبيبي .. هو لي مربينا و قايم بنا .. هو لي يوزنيه .. هذا شرات ابوية .. مع انه هب أكبر منيه غير بثلاث سنين .. لي يعور قلبيه انه واايد زعلان من سالفة الشغل ..
    لوحت بحزن ..
    - زعلان و حتى السلام ما يسلم عليه .. الجمعه يوم سرت بيت عمي لقيته هناك .. يخرب بيته قفطنيه قدامهم .. من شهر ما ريته .. و ما نش يسلم عليه ..
    مدت يدها بعجز للأمام ..
    - و الله قهرنيه .. يتحرا انيه بودر شغليه اذا تم ع هالحالة .. الحين خلاص .. عناااد و غيااااظ .. ما بووودر الشغل .. ريليه موافق .. صح مراات يبين انه ما يبانيه أشتغل .. بس هو عند كلمته .. منصور دوووم كذيه .. اذا وعد ينفذ ..
    نظرت لوجهه المتيبس .. لا حركة ..
    .
    .
    لا إحساس حتى ..!!
    .
    .
    زكية قالت بأنه يشعر بهم .. و لكنها علمت مؤخرا بأن ذلك مجرد احتمال واهٍ .. خليفة ليس لديه أدنى مؤشر لتقدم حيوي ..
    ذاك يزرع اليأس في النفوس .. و لكنها مستمرة .. تأتي لزيارته .. لتجالسه .. فهو جزء من عملها ..
    .
    .
    كان خليفة يذكرها بشكل ما .. و يعيدها لرائحة البحر ..
    البحر الذي قد تسامره لساعات .. يمكنها الثرثرة فيها عن كل همومها .. مشاكلها .. حتى تفاهات الأمور تلك التي بلا معنى ..
    دون أن تجد ملامة أو اعتراض أو حتى سأم من تلك الأذنين الصاغيتين ..
    فقط ارتطام الأمواج بتلك الصخور ينبأها .. بأن البحر يشعر بكل ما يخالجها .. ينصت لكلماتها الخافته .. لا تحجبها صوت عجاجه ..
    يصله إحساسها بخفة ..
    .
    .
    و حتى حزنها يلمسه .. فيصل أطراف الشواطئ يبللها بدموعه .. اذا أتته ذات ألـــ،ــم ..
    يهمس لتلك الرمال مبتلة ..
    لما هي حزينه .. لما هي حزينة ..!!
    .
    .
    هذا خليفة أيضا .. هو بحــــر .. لها أن تلقي بكلماتها هنا دون أن تبالي .. لا صوت للموج هنا يتكسر على حد الصخور يشاكي مشاعرها المختلفة ..
    ربما لا يسمعها.. فتضيع تلك الأحرف .. بين هذه الجدران في صمت ..
    فلا يعلم أحد ما راودها ..
    .
    .
    و ربما كلماتها تلك .. و حكاياتها المهملة .. أحلامها الخرقاء ..
    تتسلل ببطء .. لتخترق عالم الصمت الذي غرق فيه هذا الشاب .. تلامس شيئا بداخله .. فتنتشله من وحدته ..

    * * * * *

    تتقافز أنامله بخفة على لوحة المفاتيح .. و سيل من الأحرف يتدفق صفا على الشاشة و هو يركز فيها ..
    و فجأة تتجمد أصابعه .. ترفض بعناد الاستمرار في رسم الكلمات بحماسه المتخاذل هذا .. لا يعلم حقا لما بدت له قصته في تلك اللحظة خاوية .. بلا معنى ..
    استرخي في كرسيه و أشاح بوجهه بعيدا عن الشاشة .. يشعر بخمول شديد يعجزه عن التعبير عما يجول حقا في خاطره ..!!
    لما ؟ .. أ لأنه هو ذاته لم يعد يفهم تلك الأحاسيس المبهمة التي تتخبط داخله ..؟ ..
    صور كثيرة غدت تنسج أمام عينيه بضبابيه .. قد يمد يده ليلمسها .. و لكنه لا يراها ..
    أ عليه أن يستشعر ألوانها بإحساس أعمى ..؟
    .
    .
    نفض هذه الأفكار المبعثرة عن ذهنه .. و صوت من البعيد يتسلل عبر نافذة مكتبه .. ينبئه بأنه النداء .. و قد حان أن يلبى ..
    .
    .
    الله أكبر الله أكبر ..
    الله أكبر الله أكبر ..
    .
    .
    قد حان وقت صلاة العصر إذا .. حرك كرسيه ليخرج من المكتب متوجها لجناحهم الخاص ..يدفع الباب الموارب بيده .. ليجتاز المسافة لغرفة النوم بهدوء ..
    كان ما توقع صائبا .. فقد رفضت تناول الغداء حين عادت .. و رفضه أيضا .. فهو لا يريد أن يأكل وحيدا ..
    و ها هي الآن أمام عينيه تغط في نوم عميق على الأريكة الوثيرة .. و وجهها مدفون في الوسادة الصغيرة ..
    مكيف الهواء غير مدار و نوافذ الغرفة موصدة .. الجو هنا خانق جدا .. دفع الكرسي نحو النافذة القريبة .. ليمد جسده و يدفعها بيده .. سامحا للنسائم اللطيفة بالدخول و ترطيب هذا الهواء الجاف ..
    دفع كرسيه مجددا إلى حيث تستلقي .. بدا الإرهاق واضحا على وجهها و هي تنام بتعب على الأريكة ..
    في تلك اللحظة شعر بحنان يضرم به صدره نحوها .. دوما هي متعبة .. تثقل كاهلها هموم قد لا تلقي ببعض حملها كلمات ..
    تستمر بمواصلة حياتها و المكافحة للا شيء .. هذا ما يراه .. عملها لا نتيجة له سوى ارهاقها .. هي تكافح كل محاولاتهم لإحباطها .. و هم مستمرون .. تلقى الضغوط من كل صوب .. و لا تبالي ..
    منظرها و هي نائمة .. ساكنة .. جعله يراها ضعيفة .. لا تقوى على رد الأذى عنها .... و عاودته صورة قريبة .. أدنى من الوريد ..
    يتهدج صوتها و هي تمنع نفسها من البكاء ..
    - ليش تحاول انك تحبطنيه ..
    .
    .
    رغم ذلك لم يردعها شيء .. ها هي تواصل حياتها .. تخرج كل صباح للعمل .. متحدية كل قيود قد تفرض عليها ..
    رفضهم لعملها ..، عجزه ..، مشاكلهم ..، معاملته لها ..، و حتى ما يواجهها مع عائلتها ..!!
    كل ذلك و لا تزال بقايا قوة خامدة تشتعل تحت الرماد .. يشعر بدفئها .. كل ما استطاعت أن تحفر فجوة في ذاك الجدار بينهما ..لتصله شيء من حرارتها ..
    .
    .
    و هي نائمة .. مجردة من كل شيء ..
    عنادها .. غيظها .. يأسها .. و إحباطها .. حتى ابتسامتها التي يجد أنها نادرا ما ترتسم على شفتها داخل جدران هذه الغرفة ..
    كل الإحساس غائب الآن عن وجهها ..
    و لا تجسد ملامحها .. سوى الهدوء .. الأمــــــان ..!!
    بدت في تلك اللحظات كالحلم القديم ..
    بعيد .....
    و قد نسي تفاصيله ..!!
    أدركه الوقت .. و عليه المضي ليقضي فرض العصر .. مد يده بخفة يلامس وجنتها الدافئة ..
    - أحــــــلام ..
    لم تتحرك ..
    - أحــــــــــلام .. أحــــــــــلام ..
    رفعت وجهها ببطء ..
    - همممم ..
    وجنتها المحمرة و شعرها الفوضى مبعثر حول وجهها بإهمال .. و النوم لا زال يسكن عينيها .. يكبح ابتسامة غريبة .. ناوشت شفتيه و هو يرى طفلة قد عرفها في الزمن الغابر ..
    - نشي .. أذن العصر .. ما تبين تصلين ..
    تأوهت و هي تستوي على الأريكة .. و تتذمر بصوت غائب ..
    - آممم .. آنس ضلوعيه مكسره ..
    - من نومج هنيه .. شوه لي حادنج ع الضيق .. و الشبرية طول و عرض ..
    مطت يديها إلى الأمام ..
    - ما حسيت من التعب .. أمس ما رقدت زين ..
    ثم صمتت فجأة ....
    نظر لها بتساول .. فلم ترد عليه جوابا .. فقال ببرود ..
    - نشي يا الله الصلاة بتطوفنا ..
    و تراجع بكرسيه للخلف ليوجهه نحو الباب .. قبل أن توقفه ..
    - منصــــــــــــور ..
    أوقف الكرسي .. و لم يلتفت .. صوتها يصل لمسمعه ..
    - بتسير الصالة اليوم ..
    - هيه .. بيمر مبارك عليه ..
    كانت مترددة ..
    - آآ .. انزين انا بسير بيت هليه ..
    - برايج ..
    و عاد يدفع كرسيه .. ليتجاوز عتبة الباب .. تاركا خلفه إحساس مختلفا راوده للحظات .. و ما زال أثره حتى الآن يسري في روحه ..
    لا يدري لما يجد نفسه يدفعها لآخر حدود الصبر .. و كأنما يمني نفسه بأنها لن تحتمل ..
    رغم أنه مدرك بأنها إن فعلت .. سيحطمه ذلك ..
    أ ليس هو من قرر أنه لن يعطيها سببا لتشعر بالرفض .. اذا متى سينهي هذا ..؟
    كل ما يعلمه أنه لن يتغير بين ليلة و ضحاها .. يحتاج الى الوقت .. الكثير من الوقت كي يعود الى سابق عهده ..
    و الى ذلك الحين ..
    سيظل اقترابه من روحها وعدا عالقا في ذمة الأيـــام ..!!

    * * * * *



  • #8
    ملاذية مميزة وغير شِكل..♥
    حالتي : الود طبعي غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Apr 2012
    عضويتي رقم: 24466
    الدولة: بلا غنوان
    هوايتي: القراءة
    سيرتي الذاتية: مكر مفر مقبل مدبر معا
    عملي: قم للمعلم وفه التبجيلا
    مشاركاتي: 7,072
    معدل تقييم المستوى : 2147483735
    الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى.

    رد: رواية ( احلام منسية ) للكاتبة ليتني غريبة كاااااااااملة

    تجلسان لوحدهما في صالة البيت الفسيح .. و الضيق جلي على وجه زوجة أبيها .. و قد أشاحت بوجهها جانبا .. في حين شعرت أحلام بكل غيظها الدفين يتدافع مع كلماتها ..
    - يعني ما لقيتي غير عمتيه شريفة طرشينها عليه .. أنا ما سمعت رمستج و انتي أمي .. تبينيه أطيعها و هي لي ما تدانينيه و أنا بنت الهندية ..؟
    هزت رأسها بيأس ..
    - أمايا هاي حياتي أنا .. و اذا انتي شفتيلج شي و أنا ما طعتج .. ما اباج تسيرين لها و تخبرينها .. تدرين انها ترقب الزلة مني ..
    تذمرت تلك و هي تمسك طرف برقعها .. للحظات شعرت أحلام بأنها ترى تشابها بينها و بين جانب أم حميد النزق ..
    - و شوه درانيه انج بتعصبين .. تحريتج ما تبين تطيعين شوريه .. قلت يمكن عمتج تلين راسج ..
    ضغطت أحلام بسبابتيها على صدغيها بتعب ..
    - أماااه .. هاي ما فيها أطيع شورج و الا شورها .. و بعدين أنا أمشي ورا لي تبينه و عيونيه مغمظة .. الا في هااي .. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. حتى لو هي أمي .. و بعدين أنا خبرتج هاي الحرمة ساحرة و دجاااالة .. اذا ما كنتي تعرفين معذورة .. بس الحين انتي تدرين بهالشي .. و تتحاسبين حتى ع التفكير ..
    نهضت من مكانها تجلس بجانبها و تمسك بيدها ..
    - أمايا .. لا تزعلين فدييتج .. بس و الله الحق حق .. الرسول صلى الله عليه وسلم : قال { ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن خمر , وقاطع رحم , ومصدق بالسحر } .. شفتي كيف .. تبين تبيعين آخرتج عسب تكسبين دنيا غيرج .. أنا راضية و الحمد الله .. الدنيا مقاسيم .. و بعدين الطب يقول انه أنا و ريليه محد فيه عيب ..
    ثم ابتسمت تسترضي أمها ..
    - يعني حتى يمكن أييج باكر و أقولج انا حامل .. بس كل شي بيد الله .. و نحن مالنا الا الصبر ..
    ملامح عدم الرضا ما زالت تلوح على محيا أمها .. رغم ذلك نظرة التأمل بعثت الراحة في نفس أحلام .. عليها أن تدفع أمها بعيدا عن هذه الخزعبلات ..
    هزت المرأة رأسها بفتور ..
    - خلاص على راحتج .. لي تبينه بيصير ..
    ابتسمت أحلام ..
    - و ما ريدج مرة ثانية تسيرين لعموه شريفة و ترمسين وياها فأي شي من خصوصياتيه ..
    هزت تلك رأسها بشيء من الإحراج ..
    - إن شا الله .. أنا بسير أشوف العشا و بخلي زينة تزقر البنات ..
    ضغطت أحلام على يدها و طبعت قبلة على رأسها ..
    - لا تزعلين يا الغالية .. ألزم ما عليه رضااج ..
    .
    .
    نهضت زوجة أبيها متوجهة نحو المطبخ ببطء .. كان من حسن حظ أحلام أنها صادفتها لوحدها فور وصولها لتلقي بكلمات تثقل صدرها ..
    تنهدت براحة شديدة .. ثم التفتت نحو باب الصالة الخارجي الذي فتح على اتساعه .. ليدلف منه ذاك بطوله الفارع و جسده العريض ..
    .
    .
    كان وجهه أقسى من الصخر .. و عيناه تنظران للأمام مباشرة .. لم يلقي نحوها نظرة واحدة ..!!
    بالتأكيد يعلم أنها هنا فسيارتها موقفة بالخارج .. الآن يمشي بخطوات واسعة متوجها نحو الدرج .. متجاهلا وجودها في المكان ..
    شعرت أحلام بشيء يتصاعد في داخلها .. تذكرت موقفه حين تجاهلها أمام عائلة عمها الجمعة الماضية ..
    لا يحق له أبدا أن يفعل بها ذلك .. هي شقيقته .. لما يقاطعها على شيء لم يعد هو المسئول عنها منذ زمن ..
    هبت من مكانها بقوة و أسرعت لتقف أمامه قبل بلوغه الدرج .. تواجهه .. و هي تقول بصوت مرتجف ..
    - السلام عليك يا خوية ..
    في الحقيقة لم تكن الشجاعة التي تتظاهر بها هي ما تشعر به .. بل كانت الرهبة التي لطالما واجهته بها .. فدوما هو كان مصدر خشية لها ..
    ينظر لشيء وراءها و كأنها غير موجودة ..
    .
    .
    و لكنه توقف ..!!
    هذا بصيص من الأمـــــل ..!!
    .
    .
    تتجاهل رعشة يدها .. و تشد قبضتها بقوة ..
    - رد السلام ع الأقل .. السلام لله ..
    تلك كلماتها تتناثر من بين شفتيها لترتد عن جانب وجهه الصلد .. دون أن يرف له جفن ..!!
    - حمدااان .. ليش تسويبيه كذيه ..
    لامست بيدها ذراعه ..
    - حراام عليك .. مقاطعنيه أكثر عن شهرين ..ما اشتقتلي .. حمدان .. رد عليه ..
    .
    .
    لا يلين ..!!
    عينيه الجامدتين تنظران للأمام مباشرة ..
    .
    .
    آلمها تجاهله هذا .. لا يمكنه أن يستمر على هذا النحو .. حاولت أن تلتقي بنظرته فلم تقدر ..
    أمسكت كفه الكبيرة بيديها و نبرتها تتوسل ..
    - أنـــــــــا أختـــــــك ..
    .
    .
    شعرت بيده تنتفض بين أصابعها .. فعلت دقات قلبها بلهفة ..
    - أنـــ ....
    و بترت عبارتها فجأة حين التفت بعينيه لها .. هذه قسوة لم تألفها في عيني هذا الأب أبدا ..
    نفض يدها عن يده .. و تجاوزها بسرعة متوجها للأعلى ..
    .
    .
    تلك دمعة بلعتها بقوة ..
    إيّـــــــــــــــاك ..
    إياك أن تتجاوزي عتبات الجفن يا عبرة .. لي هذا المكان المناسب للإنكسار ..
    .
    .
    جرت قدميها و هي تعود لتجلس على الأريكة .. حمدان لن يرضيه سوى تركها للعمل .. و هذا ما لن يحصل بالتأكيد .. ستقاوم كل هذه الوسائل .. ليدرك أن ليس بإمكانه أن يبتزها لتتخلى عما تصبو اليه ..
    تخيلت للحظة أن تترك عملها .. أن تهدم ما لم تبدأ حتى في بناءه .. كيف سيكون وقع ذلك على حياتها ..؟
    انها تمتحن صبرا .. تبحث عن ذاتها في ذاك المكان .. بين أوجاع و أسرار الغير .. الخافية .. الدفينة ..
    اذا وصلت لأعماقهم .. قد تجد هناك ما تبحث عنه .. ما لم تجده في أي من زوايا روحها .. أو أنها موجود و لم تدركه بعد ..
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    - واااااااااااااااااا ..
    شقت تلك الصرخة السكون قرب اذنيها .. فقفزت في الهواء بذعر و تصرخ هي الأخرى ..
    قبل أن تلتفت بغلٍ و الشر يلمع في عينيها نحو ذاك الذي انفجر ضاحكا .. التقطت من الصحن الذي أمامها فنجانا فارغا تلوح به غاضبا ..
    - عيدها مرة ثانية يا السبال و الله لفرك بالفنيال ..
    استمر هذا في الضحك ..
    - ههههههههههههههه يا ولد ع السجع بس .. سبال و فنيال .. ههههههههههه .. ما شفتي شكلج كيف .. و الله كان متي من الضحك ..
    جلست أحلام بضيق .. و صرخته المدوية شتتها و انتزعتها من عمق التفكير ..
    - جب .. يا الهرم و الله تروعت ..
    جلس بجانبها يقبل جبينها ..
    - افااا جب عااد ..
    ثم عاد يبتسم ابتسامته الكبيرة ..
    - بس ما عليه تأثير العفدة خمسة متر لي قبل شوي .. لو تشاركين في الجومباز بس ..
    دفعته بيدها و ما زالت غاضبة ..
    - خوووز عنيه .. كم مرة أقووولك لا تروعنيه ..
    - يختي شفتج سرحانه .. و غارقة قلت العب عليج شوي ..
    - تلعب عليه هاا ..؟ .. تعال اسمع قلبيه كيف يدق .. هب زين تروع الواحد و هو غافل .. بعض العرب ما تتحمل تموت ..
    لوح بيده بلامبالاة ..
    - انزين يا عمتي حشرتينا .. ما ترزا علينا هالهمسة ..
    - أي همسة انتي و شيفتك .. طريت إذنيه بهالصريخ .. ما تقول غير أم حميد ماكلة مالح ..
    - منوه أم حميد ..؟؟
    - وحدة الله يستر عليها .. - ثم نظرت له شزرا - بكون أخير عنك و بخطف السالفة .. بس عيدها يا راشد و الله يا ويلك ..
    ابتسم بحلاوة ..
    - إن شا الله عمتيه .. فااالج طيب .. الحين Came down .. - ثم استرخى و هو يسحب نفسا - شحاالج ..
    - بخير .. انته شحالك .. و شوه الجامعة ..
    تأوه و هو يمط يديه بكسل ..
    - آآخخخ .. الله يعافيج .. نكرف في هالجامعة .. علوم دوامج ..
    - ترتوب ..
    - مستشفى الساد واايد بعيد ...؟
    - ماشي فديتك .. ثلث ساعة بس ..!!
    - خيبة عيل قولي تشخطين الشارع ويلات .. ليش يالسة بروحج وين البنات عنج ؟؟
    - تونيه ياية .. الحين زينة سارت تزقرهن ..
    لم تكد تنهي عبارتها الا و أقبلت لطيفة تمشي الهوينا نحوهم ..
    - السلااااااااااااااام عليـــــــــــــكم .. مرحبااااا و سهلااااااا ..
    سلمت على أختها الكبرى قبل أن تلتفت لراشد ..
    - ليش مبند تيلفونك ..؟ ..
    - مفظي ..
    - حمدان يباك فوق ..
    - شييييييييت .. بياكلنيه الحين .. - التفت لأحلام بسرعة - جبنة حلوووم .. سوالفج بمليون ربية .. بس حياتي ما تنشرى .. انا بسير .. ترقبي انتي و الغراشيب لي عندج في الدوام زيارة منيه ..
    صاحت أحلام خلفه ..
    - حلوم فخشمك .. مابا اشوف عينك فدواميه ..
    ثم التفتت للطيفة ..
    - شحالج لطفين ..
    هبت لطيفة منمكانها و أمسكت بيد أختها تجرها خلفها ..
    - بخير الحمد الله .. زين انج ييتي اليوم .. كنت بتصلبج ..
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    مدت يدها تلامس سطح اللوحة غريبة الشكل ..
    - الحين شو هذا لي ناقز ..؟
    اقتربت لطيفة من اللوحة ..
    - علوووم و أخيرلج ما تدرين بها ..
    - و هاي الألوان ..؟
    - ألوان زجاج .. - ثم أمعنت النظر في أحلام ..- ما قلتيليه .. شرايج في الموضوع ..
    تأملت أحلام اللوحة بعناية ..
    - ظنج موزان بتطيع ..
    قالت لطيفة بحماس ..
    - غصبن عنها تطيع .. أنا أدري انج تعانين وياها و تحاولين تظهرينها من لي هي فيه .. انا بعد ملزومة انيه اساعدها .. احسها لو حظرت المعرض و دخلت جو الجامعة مرة ثانية بتتشجع ترد و تدرس و الا شوه رايج ..؟
    نظرت لها أحلام ..
    - رايي ان رمستج صح .. نحاول من هالناحية .. و ما بنخسر شي ..
    ابتسمت أختها ..
    - خلاص عيل .. أول ثلاثة أيام خاصة .. و ما بتتبطل الا للشخصيات و لي عندهم بطاقات دعوة .. و انا يبتلكن وحدة انتي و موزان ..
    نظرت لها أحلام باعتذار ..
    - لطفيـــــــن .. ماروم أحظر و الله .. نسيتي دواميه ..؟
    بدت الخيبة على وجه لطيفة ..
    - ما ترومين تترخصين ساعة و الا ثنتين ..؟
    هزت أحلام رأسها بأسى ..
    - ماروم و الله ..
    القت لطيفة جسدها على أريكة قريبة ...
    - عيل بعقهن البطاقات .. أكيد موزان ما بتيي ..
    جلست أحلام بقربها ..
    - لا يا الخبلة بتيي بس خلينا نشوف شطارتج و ميولج الدرامية .. لا تتحمسين واايد و تسوين أفلام ..
    - كيف ..؟
    - قولي انج تبينها تحظر و ان محد بيي من صوبج يشوف المعرض .. و اكسري خاطرها .. و انج بتزعلين لو ما يت .. تعرفين موزاان حساسة و كلمتين تلينها ..
    بدا التردد على وجه الأخرى ..
    - مـــا أدري و الله يمــكـــــ ..
    قاطعتها أحلام ..
    - لا تدرين .. لحي عليها و طفريبها .. خلاف بتوافق .. و بطاقتيه أنا بقولج منوه تعطينهااا .. و أكيد بتسااعدنا عسب نرد موزان شرات قبل ..


    * * * * *
    تتمة


    و مضى الليل حاملا معه أحــــلام لا تذكر .. تاركا الصدارة لرائحة التفاؤل يحملها النسيم مع خيوط الفجر المشعة..
    و لكن تلك الرائحة لم تصل لأنف أحلام المرهق .. فقد نهضت من رقادها تشعر برأسها يكاد ينشطر ..
    لم تكن تشعر بأنها على ما يرام و هذا الصداع يهاجمها بشراسة .. لا بد أنه نتيجة أرقها البارحة و هي تفكر بحمدان و كيفية ارضاءه ..
    لم يسفر ذاك السهاد عن شيء سوى التعب الذي نالها من قلة النوم ..جمعت الماء البارد بين يديها لتنثره على وجهها .. تحاول انعاش نشاطها الصباحي بيأس ..
    و ليزداد الأمر سوءا .. ها هي تستنشق رائحة كريهة في معجون الأسنان .. حسنا هذا ما ينقصها .. أن تبتلع معجون أسنان منتهي الصلاحية ..
    رمت فرشاتها تحت الماء تغسل فمها بسرعة .. لا تدري لما تشعر باكتئاب و خمول .. هل هذا تأثير تصرف شقيقها الأكبر ..؟
    لا يهم .. ستجبر نفسها على الذهاب و حين تصل الى هناك ستنسى كل هذا الإرهاق حالما تقع عينيها على تلك الوجوه الطيبة ..
    استعدت للذهاب بسرعة .. و تنطلق نحو الشرفة .. جالسا على مقعده قرب طاولة الطعام الصغيرة .. و هو ينظر بتمعن لشاشة جهازه المحمول .. فالتفت لها حين سمع صوت دخولها ..
    مرت أمام عينيها صورة قريبة .. حين كانت تصدر الأصوات بشتى الطرق كي يلتفت اليها ..!!
    - صباح الخير ..
    عاد ينظر لشاشته ..
    - صباح النور .. بتسيرين ..؟
    سؤال غريب ..!!
    - هيه .. الساعة ثمان الا ربع ..
    عاد ينظر اليها .. ثم فجأة شعرت بقلبها يتخبط بين أضلعها بقوة .. أَ هذه نظرة اهتمام بعيدة تلوح في أفق عينيه ..؟
    كان ينظر لها بطريقة لم تألفها .. و شعرت بجفاف حلقها حين سمعته يقول ..
    - شكلج تعبانه ..
    هزت رأسها و هي تبتلع ريقها ..
    - لا عاادي .. ماا آآ ..
    بترت عبارتها و هي تكتم خفقات قلبها العنيفة .. شعرت بسعادة حمقاء تجتاحها و هي تراه يلاحظ ارهاقها .. تعثرت بأحرفها و هي تقول بعجل ..
    - أنا بسير الحين .. تبا شي ..؟
    هز رأسه رفضا بصمت .. للحظات أبت قدماها أن تتزحزح .. تريد أن تمكث هنا لدهر ..
    و لكنها أسرعت بجر قدميها .. هذا الصباح غريب جدا ..!! هل أثر صداعها على رؤيتها للأمور .. أم أن الأشياء تبدو على غير عادتها ..!!

    * * * * *

    لم تكد تضع حقيبة يدها على سطح مكتبها حتى انتفضت فزعة من صوت الصراخ البعيد ..
    كان الصوت قويا .. و غريبا .. و بدأ الذعر يدب في روحها .. ما الذي يحدث ..؟
    هرعت لترى ما في الأمر .. و قلبها الخائف يحاول ردعها .. و مع اقترابها من الممر الذي يضم غرف الحالات ازداد ارتفاع الصوت ..
    .
    .
    ما أن وصلت المكان حتى فجعها ما رأت عينها ..
    أمام نظرها مباشرة .. كان رجلان يمسكان بيديها فيما هي تقاوم سحبهما العنيف باستماتة ..
    صراخها يملأ المكان .. بصوت مزق نياط قلبها .. لم تكن صرخاتها حادة .. بل كانت تخرج من حلقها بصوت غليظ و هي تحاول دفعهم و التملص من بين أيديهم ..
    و أمام ناظرها تقف زكية في الزاوية و هي تضع يدها على فمها دون أن تتحرك قيد أنملة ..!!
    .
    .
    و مع استمرار تلك الصيحات المبحوحة الملتاعة .. شعرت أحلام بشيء كالنار يتصاعد في صدرها ..
    لما تجر هكذا و الجميع ينظر لها مكتوفي الأيدي .. انطلقت تحث الخطى نحو الرجلين .. و لكن قبل أن تبلغهما تقدمت زكية نحوها بسرعة .. كانت الصدمة لا تزال بيّنة على وجه أحلام و هي تقول بحدة ..
    - امنوه هاييلا لي يسحبووونها كذيه ..
    ومضة الألم تلك في عيني زكية لم تبر نار غيظ أحلام ..
    - دول اخواتها يا مدام .. ما تدخليش ..
    نظرت أحلام لها بغل ..
    - كيف ما اتدخل .. اشعندهم ييرونهاا كذيه شراات اليعدة ..
    قبضت زكية على ذراعها بقوة .. و هي تتسول ..
    - عشان خاطري يا مدام ما تعمليش مشاكل .. دي سوهيلة مش عاوزة تروح البيت مع خواتها .. هي دايمن كداا كل ما جاو يشيلوها البيت بتعمل هيصة و مش عاوزة تمشي من هنا ..
    كان هناك صوت يصل مسامع أحلام من مكان قريب .. امتزج بصوت صراخ سهيلة ليجعل الأمر كالجنون ..
    - يعلكــــــــــــم الســـــــــل يا مسودييين الويوووووووه .. ودرووها .. ما تباااكم .. حسبـــــــي الله عليييييييكم .. خلووووها هنيه .. شهور ما تنشدوووون عنها .. خلوووهااا .. يعلهااااااا ما تطلع من ذمتكم .. الله يغربلكم .. حشــــى هب بشر انتووو .. ما تعرفووون الرحمة .. وردرووووها .. ما تباا تسير ..
    نقلت أحلام نظرها بين زكية و سهيلة ..
    - مدام أحلام .. كل مرة بتروح سوهيلة البيت بيحصل كداا .. ما تعمليش لنفسك مشاكل .. دا أبو عبدالرحمن ما تدخلش .. أهلها هما اللي جابوها و هما لي ياخدوهاا ..
    شعرت أحلام بالغبن و صوت سهيلة يخفت تدريجيا مع ابتعادها القسري ..!!
    - ياخذونهاا كذيه .. ييرونها و هي تصااارخ .. حراام و الله..
    بدت عينا زكية تتألق بإحساس أم حزين و هي تقول بصوت مختنق ..
    - حَ تئولي ايه .. ناس ما بتختشيش و ما تخافش ربنا ..
    ثم أدارت لأحلام ظهرها و ذهبت تاركة أياها تقف مكانها في الممر الخالي الذي كان منذ لحظات يضج بالصراخ و العنف ..
    لوحدها هنا و لا أثر على ما رأت عينيها من قسوة تلك اللحظات .. سوى ألم يجتاح روحها ببطء ..
    .
    .
    و صراخ يائس ما زال ينطلق من حنجرة أم حميد .. أصبح يخبو الآن ..
    كصوت الضمير الذي نتجاهله متى أردنا ..!!

    * * * * *

    شعرت باليأس يتسلل لقلبها و هي ترى العناد في عيني تلك و لا أثر للين .. و لكن لا .. لا بد أن تستمر بالمحاولة ..
    - موزاااااان .. دخيــــــــــلج عااااد .. ذليتينيه .. و الله ما ترزا هالدعوة ..
    هزت موزة رأسها ..
    - ما ذليتج انتي لي ذليتيه عمرج .. قلتلج لا يعني لا .. ماريد اسير ..
    تحس الآن لطيفة بالغضب الشديد .. منذ الأمس و هي تحاول دفع موزة لقبول دعوتها و الحضور للمعرض و كل ما تفعله هي اعراضها دون حتى التفكير في الموضوع ..!!
    - تدرين شوه .. أصلا انا لي ما عندي سالفة و متعنية أعزمج .. و الا انتي هب ويه دعوات .. خلج هنيه فحجرتج طول عمرج .. العرب تكمل حياتها و انتي تتحسرين ع شي راح ..
    لمع الضيق في عيني موزة و هي تقول بصوتها الخافت ..
    - لطيفة لو سمحتي ما فيه داعي لهالرمسة ..
    هبت لطيفة على قدميها تقول بقوة ..
    - لا فيه مليووون داااعي .. اباج تحظرين المعرض و تساندينيه .. أنا مالقيت حد يوقف ويالية في أول ظهور لي .. بيطلعون المعرض في الجرايد و التلفزيون .. ابا حد يشاركنيه هالحدث المهم في حياتيه .. انتي ختيه .. ملزومة توقفين وياية .. شرات ما أوقف وياج في كل مرة تحتايينيه ..
    همست موزة بيأس ..
    - مــــــاروم ..
    - ليييش ..؟؟؟؟ و بعدين انتي حاولتي أصلا .. صدقينيه ما بتندمين .. انتي خايفة من رمسة الناس و الناس ما عليها منج .. و اذا رمست كلن لاهي بعمره .. موزاااااان دخيلج .. حاولي تظهرين عشانيـــــه ..
    بوادر التردد على وجهة موزة أوقدت شمعة الأمل في قلب أختها من جديد ..
    لتقول برجــاء ..
    - هـــــــــا شو رايـــــــج ..؟





    طبعا لا ..
    نظر له الآخر بدهشة ..
    - كيف يعني ..؟ .. انته هنيه بارادتك .. هب هلك لي طلبوا منك تظهر من البيت ..
    استرخى سعيد في مقعد الحديقة الخشبي و نسائم الصباح الباردة تحرك شعره الخفيف و تلامس وجهه الناحل .. و نظر لوجه منصور الذي يقابله على كرسيه المتحرك ..
    - انته ما تحدنيه قلتلك ان هليه وقفوا ويايه ..؟
    أومأ منصور برأسه ..
    - بلى ....
    هز سعيد كتفه ..
    - أوكيه عقب ما اكتشفت المرض تعبت نفسيتيه بس هليه تمو واقفين ويايه .. و يشجعونيه .. يلست وياهم في البيت أربع شهور خلاف طلبت انهم يعطونيه حجرة هنيه في المستشفى ..
    - ليش و انته تعرف ان هلك ما عندهم خلاف ..
    سحب سعيد نفسا عميقا و هو يقول ..
    - و اذا ما كان عندهم خلاف .. أنا كنت خايف عليهم .. كل حركة أسويها تروعنيه .. أخاف المرض يي خوانيه و الا أمايا و أبوية .. عنديه خوات بيعرسن و خوان وراهم مستقبل و اذا أنا روحت فيها نفاديه .. بس الا خوانيه يروحون بسبتيه .. انا كنت أخاف أحب راس أمي و الا خشم ابوية ..
    نظر له منصور بعناية .. قبل أن يتابع سعيد ..
    - كل عطسة يعني جراثيم في المكان و احتمال انتقال الفيروس وارد .. أي خاشوقة آكل بها تنعق .. أي لحاف يغطينيه محد يلمسه عقبي .. حمامي و حجرتيه ممنوع دخولهم .. يعني عزل صحي كامل بس في البيت .. و مع كذيه ما حسيت بشي غريب داخل البيت .. لي كان يعور قلبيه هو يوم أظهر منه ..
    نظر له منصور مستفهما ..فقال سعيد بمرارة ..
    - يعني بعدنيه مخلص الثنوية و ما عندي ربع غير لي وياية في المدرسة و عيال الفريق لي يلعبون وياية كورة .. من يوم ما عرفت بالمرض ما شفت عين حد منهم يقرب منيه .. كل ربعي .. يمكن تقول هالصداقات هب حقيقية .. بس أنا في هذاك السن ما كنت أشوف الا هم ربع .. يعني شباب دارسين و رابين وياية .. بعضهم كان يبات عدناا في البيت .. بس من انتشر الخبر عنيه .. محد منهم رفع سماعة التيلفوون .. يا شاردين مني .. يا كاسر خاطرهم ..
    قال منصور مواسيا ..
    - يمكن ما .... آآ .. يعني الواحد يلتمس لخووه الأعذار ..
    هز سعيد رأسه بمرارة و ذكرى تلك الأيام البائسة تعاوده ..
    - أكثر من مرة أشوفهم في المسيد .. أقولك انته الحين ما جربت هالشي و ما تعرف كيف كانوا يعاملونيه الناس .. تعرف انيه ما كنت أروم أوضي في حمام المسيد ..؟ !! امام المسيد يا بنفسه و قال انيه لازم ما ايي الا و انا متوضي .. لو ممنوع أحدر حمام المسيد عسب محد يتأذى و الا يكون عرضة للعدوى .. و أنــ ..
    بتر عبارته فجأة و رفع رأسه للسماء و دمعه لم تخفى عن عين منصور تغالبه .. كان منصور دوما يتسائل عن سر الهدوء الذي يغشى نفس هذا الشاب و كيف لم يحطمه وضعه القاسي .. كم هو غبي .. أغفل أن الكثير منا قد يحوي جراحا لا ترى بأعيننا .. تخفى تحت طيات الإحساس ..!!
    تلك دمعة ضعيفة ترتعد في زاوية عينه البعيدة .. و هو يقول بألم ..
    - أنا كنت أصلي وياهم في المسيد جماعة .. بس في صف بروحيه .. محد يبا يصلي عداليه .. يعني الناس كلها ما تبانيه .. العدوى ما تنتقل لو مريت عدالك بس منوه بيفهم حتى المتعلمين محد منهم يبا يخاطر .. لنه محد يظمن لهم انيه ما بعطس أو بكح و أنا أصلي .. تعرف يا منصور .. عقب المرض وااايد أشياء شفتها بعيني ما كنت أشوفها قبل .. كنت شاب شرات كل الشباب لعب و ملاحق دراسة و خرابيط الصبيان ..
    نظر لمنصور بشيء من الألم ..
    - كل عصريه ألعب كورة في الفريق ..مع الشباب .. ما أهتم بشي .. بس عقب الفحص حسيت انيه كبرت سنين .. كرهت كل شي كانت أحبه قبل لا أدري بالمرض .. عسب كذيه ظهرت من البيت و ييت هنيه ..
    رفع عينه ينظر للمبنى خلفه ..
    - في الحجر الصحي لمستشفى الجيمي عطونيه حجرة .. لي أربع سنين هنيه .. أعيش حياتيه بدون قيود أو شي يربطنيه حتى الأهداف معدووومة .. ما أحط راسي ع المخدة في الليل الا و أنا أدري انيه تحت رحمة رب العالمين .. لو تيينيه انفلونزاا بتذبحنيه .. مابا من الدنيا شي الحمد الله .. ابا بس اعييش باقي أيامي دون محد يحتقرنيه و الا يشفق عليه تسدنيه زيارات هليه .. أنا انفصلت عن كل شي حوليه لنيه ما حسيت انه حد يبانيه من الناس .. العرب كلها تنفر منيه ..
    .
    .
    في تلك اللحظة عاد صوتها يهمس مع الريح ..
    الرفض .. الرفض ..!!
    .
    .
    كان ينصت لصوت سعيد المثقل بأحزان دفينة لم يستطع أن يستشفها حين التقاه لأول مرة .. لقد تبخر كل شيء من حياته فور ظهور نتيجة الفحص .. كل شيء كان سراب يوهمه بالدوام ..
    نظر لوجه سعيد الساهم .. و كأنما أعاده منصور بقوة لتلك الأيام المفجعة ..
    - المجتمع رفضك ..!!
    التفت سعيد نحوه بعدم فهم .. ليعود منصور فيقول ..
    - انته تقول ان العرب تنفر منك يعني المجتمع رفضك .. الرفض شي قاسي .. صعب ان تشوف المجتمع لي خدمته سنين من عمرك .. يكون ببساطة قادر انه يتخلى عنك ..!!
    كانت نظرة سعيد باردة بعض الشيء .. لحظتها تأكد منصور من أنه يظن أن كلماته تلك مجرد مجاراة أو محاولة مواساة .. لذلك ربت على قدمه اليمنى بهدوء ..
    - انا أدري بشوه لي فخاطرك .. يعني لي مريت به فحياتي يمكن يشبه شي من لي انت شفته ..
    في البداية لم يجد بادرة اهتمام على وجه سعيد .. و لكنه تابع ..
    - أنا كنت ملازم أول في الجيش و مرشح لترقية استثنائية خاصة بالمتميزين .. يعني عقب كم شهر بستوي نقيب .. العسكرية كانت كل حياتي من كبرت و أنا من مدرسة عسكرية لغيرها .. اعدادية و ثنوية .. خلاف الكلية .. تقريبا أكثر عن 13 سنة و أنا أخدمها .. أبوي تاجر بس ما دخلت الادارة و الا غيرها.. حبيت العسكرية ..
    ثم صمت قليلا .. يستنشق الهواء البارد الذي تخلخل رئته يبرد حر تلك الأيام المضنية و ذكراها ..
    - عقب صار الحادث ..
    ثم نظر لسعيد .. و كأن هذه فقط نهاية القصة .. الاهتمام كان واضحا على وجه الأخير .. ينتظر أن ينثر منصور ما تبقى في جعبته .. و لكن ذلك استمر في خنق الكلمات على شفير لسانه و لم ينطق ..
    - و بعدها ...؟
    يراقب منصور شجرة تراقصت وريقاتها على أنغام الهبوب المنعشة .. و حفيف احتكاكها الخافت يصل لأنيه فيطربها ..
    - بعدها ماشي .. زقرونيه بكل بساطة .. منصور .. مشكور على خدماتك .. و آسفين ع لي صارلك .. و ......
    ابتلع كلمة شائكة علقت في حلقه قبل أن يلتفت لسعيد بألم غابر تجدد في تلك اللحظة و كأنما تلقى وجعه للتو ..
    - أحالوني تقاعد مبكر ..!!
    تنهد .. و أطلق أنفاسه الساخنة حبيسة صدره ..
    - هاي كل السالفة .. عقب ما كنت مرشح للترقية الاستثنائية .. أحالونيه تقاعد لنهم هب محتايينيه .. أنا ريال عمريه 25 يحيلونيه تقاعد .. شسوي .. وين السنين لي راحت من عمريه في الدراسة و غيرها ..؟ .. خلاص الحين أيلس في البيت و الا أرابط في القهاوي .. ليش .. ؟؟ أنا بعدنيه في عز شبابيه و أريد أخدم بلاديه لا شيبت هاذيك الحزة يعطونيه تقاعد .. بس خلاص ربطوا اعاقتي بعدم منفعة و خلونيه متقاعد .. أو قاعد على كرسي بلا شغله ..
    .
    .
    ابتسم بحسره و ضرب ذراع كرسيّه.. و هو ينظر لسعيد الذي عض على شفته السفلى و التعاطف جلي على وجهه ..
    - من ثلاث سنين و أنا يالس ع الكرسي هذا .. مرت عليه أيام حسيت انيه وصلت لنهاية حياتي العملية .. و انيه عقب العسكرية ما بحصل شي اسويه .. بس ربك فرجها .. لقيت الكتابة مخرج .. أو مهرب من عجزي ..
    و توقف منصور هنا عن الحديث .. لم يعد في جعبته شيء من الكلمات .. و تلك الراحة الغريبة تسري في روحه .. هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها عن الموضوع ..
    لم يتكلم أحد من أهله قط عن الحادث أو ما تلاه .. حتى زوجته .. و كأنما عقد بينهم قانون صامت ينص على أن لا يتم إعادة تلك الذكريات الموجعة ..!!
    طال الصمت بينهما منصور غارق حتى أذنيه في أفكاره .. و سعيد الساهم لا علم إلى أين رمى به الفكر.. أصبحت ألحان وريقات الشجر أخف صوتا و كأنما لا تريد أن تقطع هذا السكون ..
    تنفس منصور الصعداء و هو يقطعه ..
    - قلتلي انك كنت تلعب ويا ربعك كورة .. تحب الكورة ..؟
    ابتسم سعيد بخفة .. و لا تزال ومضة التعاطف تلمع في عينيه .. و قبض قلب منصور بقوة .. أ يجد هذا الشاب في نفسه القوة على الشفقة على الغير في حين أنه هو من أحوج لها ..!!
    - هيه هوايتي ..كنـ ....
    قطع كلماته .. و هو ينظر لشيء خلف منصور .. و يبتسم .. تبع منصور عينيه ليرى ذاك المسن الذي كان يتقدم منهم ..
    و لمس حبا كبير ينضح من صوت سعيد و هو يقول بخفوت ..
    - هــــــــذا أبـــــــــــوية ..

    * * * * *


    انحدرت تلك الدمعة عن عين ام حميد لتجري مع الأخاديد التي حفرت على وجنتها بمعول الزمن .. و صوتها المبحوح يتردد بخفوت ..
    - يعلهم العوووووووق .. يرووها الكلاب شرات البهيمة .. ما تبااهم .. ما تبااهم .. لا بركتن فيهم .. حشى ما في قلوبهم رحمه ..
    كانت أحلام تشعر بالحزن هي الأخرى و لكن هذه النبرة المنكسرة تسمعها للمرة الأولى من أم حميد .. فلم تشا أن تزيدها حزنا .. أمسكت بيدها مواسية و هي تناولها كوبا من الماء ..
    - ما عليه يا أم حميد .. هدي شوي هب زين عسب صحتج .. ارتاحي انتي و هي سبوعين و تلقينها عندج ..
    ارتشفت أم حميد جرعة من الماء قبل أن تقول ...
    - و أنا شوه بيصبرني سبوعين .. سهيلة شرات بنتيه .. من اربع سنين و هي وياية .. هاي أغلى ما عنديه و الله ..
    ابتسمت أحلام مازحة بحنان ..
    - أغلـــى من حمـــيد حتى ..؟
    .
    .
    و انتفض الكوب في يد العجوز .. و انتفض قلب أحلام حين لاح الوجع على وجهها .. ماذا فعلت ..؟!! كم هي حمقاء ..!!
    كرهت أحلام تسرعها .. و تلك النظرة المكسور تغشى عينيها .. فهمست أحلام و هي تشد على قبضتها
    - أم حمـــيد .. سمحيليه و الله .. أنا آسفة .. ما كان قصديه ...
    الضياع على وجه العجوز مزق قلب أحلام .. و تلك الدمعة عادت لتطل من مقلتها بألم ..
    هذا ألم شخص فاقد .. أم حميد تفتقد ابنها .. ابنها الذي لم تره أحلام قط هنا .. هل هو ......؟!!
    يا إلهي ..!! ماذا فعلت .. بالتأكيد هذا هو التفسير الوحيد .. لا بد أن ابنها قد شد الرحال عن وجه الوجود
    - أم حميد .. بلاج ....
    ابتسمت أم حميد بلوعة .. و تهاوت دمعتها بتعب السنين الماضية تلك ..
    - أغلى حتى من حميد .. لي ما كتب له ربيه عيشه ..
    الذنب يتعاظم في قلب أحلام .. و لكنها هنا لتنبش أوجاعهم .. و تداويها .. همست بخفوت ..
    - الله يرحمه ..
    نظرت لها أم حميد بغرابة .. و عادت أحلام تسألها بتعاطف ..
    - توفى قريب ..؟
    - منوه ..؟
    - حميد ..؟
    كانت أم حميد حزينة جدا .. و ألم قوي يدوي في صوتها و هي تهمس بصوتها المهتز ..
    - حميد ما توفى .. أصلا محد حميد ..
    شعرت أحلام بتشتت ..
    - ما فهمت ..
    اليد المرتجفة تضع الكوب على الأرض بهدوء ..
    - أنا ما عنديه عيال ..
    .
    .
    للحظات كانت كلماتها الأخيرة ترن في الغرفة الخالية ..
    .
    .
    لم تنجب ..!! لم تنجب ..!!
    قالت أم حميد ..
    - يقالي أم حميد ببوية .. و الا أنا ما عنديه عيال .. ما عرست عسب اييب عيال ..
    شعرت أحلام الآن بالضياع .. و كأنها تتعرف المرأة لأول مرة .. لم تتزوج .. هذه العجوز تناهز السبعين و لم تتزوج بعد .. لم تعرف بما يمكنها أن تواسيها .. لكن يبدو أن هذه ليست النهاية ..
    دوما هناك أوجاع في قلوب البعض لا ترجو الا من ينبشها .. يبدو أنها مست وجعا منسيا في روح هذه المرأة ..
    - أنا ما عرست .. و لا يبت عيال .. و لارمت أعين عمريه ..
    صوتها المتهدج الآن .. و كلماتها المتقطعة لم تعد واضحة .. و هي تتمتم ..
    - و الله ما بغيت في الدنيا الا انيه اعتمر و الا أحج .. أشوف بيت الله .. بس حتى العبادة ما كتبت ليه .. انا ان مت ما بتتسجل وفاتي ..
    وجدت أحلام صوتها ..
    - ليش ..؟
    .
    .
    و ارتعشت الكلمات و هي تتجاوز فمها المحاط بالتجاعيد ..
    - أنا ما عنديه الجواز ..
    انتفت يد أحلام الممسكة بيدها .. كانت تتوقع مفاجأة خلف هذه العجوز .. و ها هي فاجعة لم تخطر ببالها .. فهمست بصدمة ..
    - بدون ...؟؟؟؟؟
    أومأت أم حميد رأسها ..
    - هيه .. ما عنديه الجواز ..
    عضت تلك على شفتيها بشفقة ..
    - تحريتج اماراتيه ..
    قالت أم حميد بحدة ..
    - أنا اماراتيه .. و حتى لو ما عنديه جواز .. أنا بنت البلاد ..
    كرهت أحلام نفسها ..
    - أنا آسفة ..
    سحبت أم حميد يدها من قبضة أحلام ..
    - من سنين و أنا مقدمة على الجواز و لاظهر .. راح العمر و أنا أرقب الجواز .. مابا شي .. كنت ابا اسافر أشوف الكعبة .. أحج و الا أعتمر .. بس وين أظهر من البلاد و انا ما عنديه ثبوتات .. اصلا أنا هب موجودة في الاحصائيات .. حاليه حال هالزولية .. لو هندي بيموت .. قامت السفارات تتخابص .. و أنا لو أموت ما بحصل من يدفنيه .. أنا ما ييت هنيه الا بواسطة من بو عبدالرحمن .. دخلنيه هنيه و ما خلى عليه قاصر ..
    كانت أم حميد تتكلم بحزن و ضيق .. الآن تفهم أحلام سر احترام هذه العجوز لبو عبدالرحمن ..
    شعرت بذهول شديد .. هذه أول مرة تلتقي بمثل هذه الفئة .. بدون ..!!
    .
    .
    هؤلاء الناس لا وجود لهم بنظر الدولة .. لا جوازات و لا أوراق هوية .. اذا هم غير موجودون ..!!
    شعرت برؤية صافية غريبة تتضح لها و هي تطالع أم حميد ..
    كيف يمكن لوريقات تنقصهم أن تعدم وجودهم عن الحياة .. بلا حقوق و لا عيشة .. و لا مساعدة ..!!
    هم بلا هوية .. الكل ينظر لهم على أنهم ليسو هنا .. و لكن لحظة ..!!
    ماذا عن مشاعرهم .. أحلامهم .. ماذا عن أيامهم .. عن كل ما قضوه على وجه الأرض .. أكل هذا يخضع أيضا لحكم الأوراق .. كيف ..؟!!
    هذه العجوز .. حرمت الزواج .. الانجاب .. حرمت حتى الذهاب لأداء الفريضة .. لأنها بلا جواز .. لا جواز يسمع بمرور تلك الأحلام لعالم الواقع .. أو تحقيقها ..!!
    .
    .
    هي بدون ..
    ليست بدون هوية فقط ..!!
    بل بدون احساس بالوجود .. بدون انتماء .. تساءلت أحلام لبرهة ..
    ماذا عن مشاعرها .. و كل ما تحويه روحها من أحاسبس ..؟!!
    هل يُنكر حقيقة ذلك أيضا .. كيف اذا نعيش أغرابا على أرضنا .. بلا هوية ..
    .
    .
    سيحطمنا احساسنا هذا ..
    و يترك أحلامنا منسية ..!!

    * * * * *

    حقا لم يكن لديها أدنى رغبة في الحديث مع موزة عن موضوعها في تلك اللحظة .. و لكنها مضطرة فلطيفة تعتمد عليها ..
    لذلك أسندت كوعها على سطح مكتبها الذي اعتزلته ثوان كي تستعيد توازنها .. بعد الحقائق التي فجرتها أم حميد و أمسكت رأسها الذي ينبض ألما و هي تقول بتعب ..
    - موزة .. لو انتي مترددة ليش متصلة ..؟
    صوت أختها الرقيق لم يأت بمفعوله هذه المرة .. فقد زعزعتها معرفة أن أم حميد ضعيفة بهذا الشكل .. و لسانها الشائك ليس سوى طوق دفاع معتمد ..
    - أبااج تشورين عليه ..
    قالت أحلام بضيق ..
    - انتي تبين تسيرين ..
    - مادري ..
    - شوه ما تدرين .. تبينيه اخبرج كيف تعيشين حياتج .. حبيبتي .. خلاص يسد انعزال في حجرتج .. كم وقت بعدج تبين أكثر عن ست شهور هااا ..؟! لازم تظهرين .. انتي تشجعي أول مرة بس .. المرة الأولى هي الصعبة .. خلاف بترد أمورج شرات قبل ..
    همست موزة بضعف ..
    - أخااف الصراحة أحصل حد يعرفنيه و يعرف السالفة .. لو سألنيه شوه أقوله ..؟
    سحبت أحلام نفسا عميقا .. يكفي تردد .. يكفي ..
    لتقول بحزم و صوتها القوي تحمله الأسلاك لأختها .. فيشد من أزرها ..
    - قوليله .. { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ..
    .
    .
    و تبعثرت الكلمات ..
    لم يعد في داخلها ما قد تجده ليفوق هذه الحكمة الالهية ..!!

    .. ..!!



  • #9
    ملاذية مميزة وغير شِكل..♥
    حالتي : الود طبعي غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Apr 2012
    عضويتي رقم: 24466
    الدولة: بلا غنوان
    هوايتي: القراءة
    سيرتي الذاتية: مكر مفر مقبل مدبر معا
    عملي: قم للمعلم وفه التبجيلا
    مشاركاتي: 7,072
    معدل تقييم المستوى : 2147483735
    الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى.

    رد: رواية ( احلام منسية ) للكاتبة ليتني غريبة كاااااااااملة


    ●○▐الرؤيـــــــــــــــــــــــا الخامســــــــــــــــــــــة
    ▌○●



    .
    .
    المكان غارق في الظلام الدامس ..
    أنفاسها المذعورة تتردد في سكون هذه الحجرة المغلقة ..
    تعلم أنه هنا .. تشعر بحركته ..
    .
    .
    إنه يقترب ..
    كيف ستستطيع الخلاص ..؟!!
    .
    .
    و يتفصد العرق من جبينها و هي تضع يدها على فمها .. تريد كتم النفس ..
    كي تبقى بلا صوت ..
    لا تريده أن يصل إليها ..
    .
    .
    و لكن كيف .. ؟
    ها هي يد أثقل تكتم نفسها الآن ..
    تشعر به يجرها بقوة .. و هي تختنق ..
    تحاول مستميتة التشبث بغطاء سريرها ..
    .
    .
    و تئن بصوت مكتوم .. لا يتجاوز شفتيها ..
    و لا يده الثقيلة المطبقة ..
    ليرتد في صدرها .. و يتيه في نواحيه ..
    فلا سامع ..!!
    .
    .
    النجـــدة .. لينقذني أحد ..!!
    و ها هو الظلام الرحيم يحيط بها مجددا ..
    لتغوص فيه بلا قرار ..
    و أصابع يدها لا تزال تقبض على أطراف الفراش بخذلان ..
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    اللعنــــــــــــــــــة ..
    ألم يسمع أحدكم صراخ هذه الطفلة ..!!

    * * * * *

    همست ميثا بخفوت ..
    - ما صدق .. الحين موزان بتيي الجامعة يوم افتتاح المعرض ..
    أومأت أحلام برأسها ببطء .. و هي تطالع وجه أم زوجها المتجهم عبر المائدة .. ثم تشير لميثا بعينيها أن تكف عن حديثها الهامس ..
    أعادت نظرها للصحن الذي بالكاد لمسته .. لم تكن لها أي رغبة في الطعام .. هناك الكثير مما يشغل بالها و يثقل قلبها ..
    نهضت من مكانها .. و عينا زوجة عمها تتابعان حركتها و صوت الجاف يوقفها ..
    - ما تغديتي ..
    ابتسمت أحلام بهدوء ..
    - الحمد الله شبعت عمووه ..
    و تركت الصالة متوجهة نحو الحمام لتغسل يديها .. اليوم هو الجمعة .. و أتت هي و زوجها كعادتهم لتناول الغداء في بيت عمها ..
    حين انتهت ذهبت للمطبخ تبغي شرب الماء فتطفئ ذلك اللهب الذي تشعر به يستعر في جوفها و يتصاعد لفمها ..
    تملأ الكوب بالماء و هي تتأمل قطراته النقية تتدفق في إناء الزجاج هذا ..
    الأيام السابقة شعرت أحلام بتشوش بالغ و هي تكاد لا تدرك الأمور ..
    يصعب حقا عليها أن تعتاد على شيء ما ثم تجد نفسها في وسط مختلف تماما .. و إذا أتينا للحقيقة فهي تجد نفسها مشتاقة جدا لوجه أم حميد القاسي الصعب المراس ..
    لوجود سهيلة في أرجاء المكان .. لتملأه شيئا من بريق الطفولة الخامد هنا ..لحيوية حصة الذاوية ..
    كانت تعتقد أنه ليس لوجود سهيلة الأثر القوي .. و لكن يبدو أنها مخطئة .. فقد أصبح سكان الدار في حالة أشبه بالسبات بعد رحيلها .. و يفتقر المكان هناك للمسة من الحياة .. رحلت معها ..!!
    حسنا .. لن تعجز صبرا .. ستعود سهيلة بعد يومين .. و ستعود الأمور لطبيعتها ..
    تنهدت براحة و هي تشعر ببرودة الماء تسري في حلقها .. وضعت الكوب جانبا حين سمعت صوت أحدهم قادما نحو المطبخ .. فأصلحت حال حجابها تحسبا .. سرعان ما طل رأس مبارك من الباب دون أن ينتبه لوجودها .. فيوجه حديثه للخادمة ..
    - وين الجاهي ..؟
    ابتسمت أحلام و هي تنبهه لوجودها ..
    - مبارك شحالك ..
    التفت نوحها متفاجئا .. ليقول بابتسامة أخوية ..
    - هلاااااااا أحلااااام .. سمحيليه ما شفتج .. يسرج الحال .. شحالج انتي ..
    - بخير الحمد الله .. وينك ما تنشاف ..
    - موجود و الله .. كل يومين و أنا عندكم في البيت .. مشتغل دريول لريلج ..
    ابتسمت أحلام ..
    - انفع خوك .. مالك عليه يماله ..
    - ههههههههههه .. بتدافعين .. ريلج ..
    و قفزت فكرة بغتة أمام عيني أحلام .. لتندفع قائلة ..
    - انته لي توديه عسب يسوي أبحاثه للرواية ..
    صمت مبارك لبرهة قبل أن تطمئنه أحلام ..
    - خبرنيه منصور ..
    أومأ برأسه مجيبا .. فقالت بشيء من الضيق ..
    - الله يهديك يا مبارك .. تسعابه الين العوق .. ليش ما تحاول ترده و تخليه يودر هالمريض ..
    هز مبارك كتفيه ..
    - حاولت و ما طاعنيه .. منصور ريال و أكبر عنيه .. ما بيي أعلمه شوه الصح و الغلط .. و بعدين أنا ملاحظ شي ..
    ثم نظر لها بامعان ..
    - منصور متغير من يوم اتعرف على هالريال .. - ثم يمد يده ليأخذ ابريق الشاي من يد الخادمة - مشكورة ..
    عقدت أحلام جبينها و هي تخفض صوتها ..
    - حتى لو ريال و الا عود .. بيسير يعق عمره في خرابيط مالها أول و لا تالي .. هذا ايدز يا مبارك .. يعني المووت ..!!
    وصل للباب ينوي الذهاب و هو يقول ..
    - قلتلج رمسته و ما طاعنيه .. أحلام .. منصور ما ينخاف عليه ..
    و ألقى نظرة مؤكدة قبل أن يخرج تاركا اياها تعتصر الكوب الزجاجي بقوة ..
    لا يعجبها هذا .. هي تخشى عليه كثيرا .. و الاندفاع فيما يفعل مخاطرة كبيرة ..

    * * * * *


    - مالك يا مدام أحلام ..؟
    رفعت أحلام عينها بارهاق ..
    - ماشي فديتج .. تعبانة شوي
    وضعت زكية يدهل على صدرها و هي تقول بحنان
    - يا حبة عيني .. و جاية اليوم ليه .. ما خدتيش اليوم أجازة ..؟
    هزت أحلام رأسها رفضا ..
    - لا .. إلا الإجازة .. أنا أصلا ما بتم الا خمس شهور .. و تبينيه أطوف يوم واحد .. مستحيل ..
    - يختي .. دنتي لاحئة ع الغلبة دي .. أعملك كوباية شاي ..
    ابتسمت بلطف ..
    - لا مشكورة .. أنا بسير أشوف بو ثاني ..
    نهضت من مكانها تحت نظرات زكية القلقة و خرجت متوجهة نحو بو ثاني .. لا تعلم لما يراودها احساس بالتقصير .. غياب سهيلة أشعرها بشيء من الإهمال ..
    سحبت نفسا عميقا و هي تقف أمام بو ثاني .. تدين له بحلسة طويلة .. تنتشلها من حاضرها هذا لترميها في الماضي البعيد .. عندها سترى كيف تبدو أبعاد الأمور واضحة ..
    احمر وجهها و احساس خفيف بالذنب يلفها حين داهمها صوت بو ثاني مرحبا فور دخولها غرفته ..
    - مرحباااا .. مرحبااا السااع .. حيا الله من ياا ..
    مع انها كانت قد رأته يوم الخميس .. الا أنها شعرت بأن أيام تفصل بينهما .. فقد انشغلت بارضاء ام حميد و لم تعد تقضي الكثير من الوقت معه ..
    - لمرحب باااقي .. الله يحييك و يبقيك ..
    و جلست على زوليته الأثيرة .. لتمد يدها و تسحب الصينية التي أمامه و قد وضعت عليها - دلة - قهوة .. فتصب له فنجانا منها .. و يعلو صوتها تردده الجدران لهفة ..
    - اشحالك يا بو ثااني ..
    التقط الفنجان و قد بدا الحبور على وجهه .. هل شعر بما شعرت يا ترى ..؟!
    - بخييير و سهالة .. شحالج انتي و شحال عربانج و تواليج .. رب ما تشكون من باس ..
    - يسرك الحال .. فنعمة .. علووومك ..
    - لعلوم طيبة .. ما به علم .. و من صوبج ..
    - أبد و الله .. ما به يديد ..
    ابتسم بو ثاني بعتب و قد بدا محرجا من السؤال ..
    - هييييه .. من زمان ما يلستي و قهويتيناا .. الحين ما نشوفج الا خاطفة و الا حادرة تسلمين و تروحين ..
    أخفضت رأسها ..
    - سمحليه يا بو ثاني .. و الله الشغل .. خبرنيه عنك .. رب ما شي يعورك .. ما تانس شي ..
    هز رأسه و مكان ضرسه المفقود يبرز خلف شق ثغره السعيد ..
    - نحمد الله ع كل نعمه ..
    .
    .
    كانت الراحة مرسومة بوضوح على محياه و هو يسترسل في أحاديثه معها ليغرقها مجددا في عبق أيامه المدبره ..
    لم تمانع هي أبدا .. كانت قد اشتاقت بشدة لجلساته و حكاياته الممتعة .. فتركت نفسها تغوص معه ببطء في صوته العتيق المنبثق من غياهب الزمن الرمادي ..
    - و ذيب من أشجع الشباب في ذاك الزمان لولي .. و بااار .. يحب ابووه لي هو شيخ قبيلته و يقاله شالح بن هدلان .. و ما يفارقه .. تعلم الفروسية و عاده صغير .. و ما يخاف لا حدته شده .. و ذاع صيته بين القبايل .. محد ما سمع بذيب بن شالح .. و الريال محد شرواه في الفزعة و الا نخوة .. مخاوي شماا ما ترده معاذير .. ما يرقد و جفن أبوه صاحي .. و من كثر ما هو شجاع .. و ما يهاب الموت .. رثاه أبوه و هو حي .. و يقول فيه ..
    .
    .
    ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب .. واليوم انا بابكيك لو كنت حيا
    ويا ذيب يبكونك هل الفطر الشيب .. و ان لايعتهم مثل خيل المحيّا
    و تبكيك قطعان عليها الكواليب .. و شيال حمل اللي يبون الكفيا
    وتبكيك وضح علقوها دباديب .. ان ردّدت من يمه الخوف عيا
    ويبكيك من صكت عليه المغاليب .. ان صاح باعلى الصوت ياهل الحميا
    تنزل بك الحزم المطرّف لياهيب .. ان رددوهن نا قلين العصيّا
    انا اشهد انك بيننا منقع الطيب .. و الطيب عسر مطلبه ما تهيا
    .
    .
    و شرات ما قلتلج .. ذيب كان شيخ ولد شيخ .. و عزوة أهله و قبيلته ..الين صارت السالفة لي راح فيها ..
    .
    .
    كانت أحلام ترى احساسا ما هنا يتكرر .. أهو حقيقة و انعكاس للقصة .. أم أن وجعا دفينا في صوت بو ثاني أبرزه ..؟!!
    ضيق عينيه و صوت الصدئ يواصل بحماس قائلا ..
    - يات ليلة و تسامر هو و أبوه .. و بين سوالف و مزوح .. ياب ابوه طاري خيل قد سمع ابها .. و يقول فيها ..

    يا ذيب انا يا بوك حالي تردى .. وانا عليك من المواجيب يا ذيب
    تكسب لي اللي لاقح عقب عدا .. طويله النسنوس حرشا عراقيب
    تجر ذيل مثل حبل المعدّا .. وتبرى لحيران صغار حبا حيب
    واشري لك اللي ركضها ما تقدا .. ماحدن لقى فيها عيوب وعذاريب
    قبّا على خيل المعادي تحدى .. مثل الفهد توثب عليه م تواثيب
    انا اشهد انك بللوازم تسدّا .. وعز الله انك خيرة الربع بالطيب
    ياللي على ذيب السرايا تعدا .. لو حال من دونه عيال معاطيب
    ليث على دروب المراجل مقدّا .. ما فيك يا ذيب السبايا عذاريب

    و يسمع ذيب لي أبوه يقوله و هو يضحك .. و حس ان خاطر ابوه في الفرس لي مدحهاا ..و يوم بات أبووه .. ظهر من خيمته ذيب و سرا لخويااه .. يطلب مخوتهم .. قاصد الفرس لي طراها أبووه .. يباها هدية له .. و نفس الليلة راح ذيب و لي وياه قدا المكان لي فيها الفرس .. و يوم أصبح الثالث من الأيام و هم قرب أرض قبيلة .. طلعوو راس يبل .. لي يطل على بير يقال لها بير ( مليه ) .. و شافوو عندها رعيان .. و بوشهم .. و بغوو يردون عسب محد يشوفهم .. بس شافهم صياد كان ويا الرعيان و صوب عليهم و أطلق رصاصة وحدة .. لي ما صادت من 15 ريال الا ذيب ..
    صاحت أحلام محتجة ..
    - لاااااا .. حرااام ..
    أومأ بو ثاني برأسه ..
    - الموت ما شي يرده يا بنيتي .. الرصاصة ذبحت ذيب و أخوياه لي وياه شردوا .. و خلوه وراهم .. لنهم خافوا على عمارهم و هم يتحرون ان لي أطلق الرصاصة يمكن يكون في المكان غيره .. و تناقلوا العرب لخبار .. و ردوا فرسان شالح بن هدلان .. و يابوله خبر ولده ذيب ..
    عضت أحلام على شفتيها .. و بو ثاني يتنهد بحسرة .. و كأنما يتمزق قلبه هو الآخر على فقدان ذيب ..
    - يوم درا ان ولده ذيب توفى .. ما صدق .. بس يوم سمع العرب كلها تردد الخبر .. تأكد من موته .. و يقول فيه ..
    يا ربعنا ياللي على الفطّر الشيب .. عز الله انه ضاع منكم وداعه
    رحتوا على الطوعات مثل العياسيب .. و جيتوا وخليتوا لقبي بضاعه
    خليتوا النادر بدار الاجانيب .. وضاقت بي الآفاق عقب اتساعه
    تكدرون لي صافيات المشاريب .. وبالعون شفت الذل عقب الشجاعه
    يا ذيب أنا بوصيك لا تاكل الذيب .. كم ليلة عشاك عقب المجاعه
    كم ليلة عشاك حرش العراقيب .. وكم شيخ قوم كزته لك ذراعه
    كفه بعدوانه شنيع المضاريب .. ويسقي عدوه بالوغى سم ساعه
    ويضحك ليا صكت عليه المغاليب .. ويلكد على جمع العدو باندفاعه
    وبيته لجيرانه يشيد على الطيب .. وللضيف يبني في طويل الرقاعه
    جرحي عطيب ولا بقى لي مقاظيب .. وكني غريب الدار مالي جماعه
    من عقب ذيب الخيل عرج مهاليب .. يا هل الرمك ما عاد فيهن طماعه
    قالو تطيب وقلت وشلون ابا طيب .. وطلبت من عند الكريم الشفاعه

    و معاد عقب ذيب يا بنيتي .. ذيب خيرت القوم .. لي تهابه قبايل .. سناد ابوه .. و عضيده ..الله يرحمه .. ما بتلقين حد شراته من عيال هالايام .. الواحد ما يذكر اسم ابوه ..
    .
    .
    و هنا أدركت أحلام ما هو خيط الاحساس الذي حبكه صوت بو ثاني مع القصة ..
    بر الابن لأبيه .. هذا ما رسم اللوعة في صوته على موت ذيب .. نظرت أحلام له و شفقة هائلة تتدفق في عروقها نحوه ..
    بو ثاني .. الرجل الذي رمي خلف حدود الذاكرة .. يفتقد أبناءه .. و حنانهم ..
    هل كان يحلم في قرارة نفسه لو أن ذيب كان أحد أبناءه .. أو أن أحدهم كان مثله ..
    و حفنة متبلدي المشاعر .. ألا يجر الحنين أحدهم يوما ليعودوا فيذكروا هذا الرجل ..
    كان يحرك القهوة في فنجانه و هو يترنم بأحد تلك الأبيات التي سردها من لحظات ..
    - ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب .. واليوم انا بابكيك لو كنت حيا
    ويا ذيب يبكونك هل الفطر الشيب .. و ان لايعتهم مثل خيل المحيّا
    و تبكيك قطعان عليها الكواليب .. و شيال حمل اللي يبون الكفيا
    .
    .
    في تلك اللحظة أرادت أحلام أن تمد يدها و تعتصر يده المغضنة .. أن تنحني لتطبع قبله حنونه عليها .. قلب هذا الرجل كبئر لا قرار له .. كم من احساس حوى يا ترى ..؟!!
    رغم كل شي ما زالت حدود هنا مرسومة .. صمت بو ثاني للحظة ثم رفع عينه لها .. و كأنما شعر بهدوئها ..
    ابتسمت بحزن ..
    - أفاا يا بو ثاني و أنا بنتك .. أنا ما أذكر اسمك ..
    ثواني تمر و عيناه معلقتان بوجهها .. ثم يخفض البصر ليقول بصوت طفل خائف ..
    - يا بنيتي انتي بتيلسين كم شهر و بتروحين .. و بتلتهين .. و ......
    و ارتجف صوته و هو يقول بخفوت ..
    - و بتنسينااا ..
    أغمضت أحلام عينيها حين شعرت بدمعتها و قد أقبلت من بعيد .. لتدفع الكلمات بهدوء من بين شفتيها .. تأمرها أن تحمل الاحساس و تلثم جبينه المغضن ..
    - لا يا بو ثاني .. انت هنيه ..
    و أشارت لقلبها .. و هي تقول بقوة ..
    - ما بنساك ..
    .
    .
    و تألقت دمعة لم تقرأ أحلام احساسها في عينه ..
    كانت تعني ما قالت .. لن تنساهم ما دامت أنفاس تتردد في صدرها ..
    فقد علموها الكثير ..!!

    * * * * *

    مد منصور يده يصافحه باحترام .. و قد بدا الضيق على وجه الرجل .. و هو يسأل بشك ..
    - كاتب ..؟!! .. في جريده و الا ..؟
    التفت منصور لسعيد بابتسامة قبل أن يعود ليقول للرجل ..
    - لا كاتب أصدر روايات ..
    ما زال عدم الرضا يلوح على محياه و هو يسأل ..
    - و شوه يخصه سعيد خوية في الروايات ..؟
    القى سعيد بكرته الزرقاء على الحائط لترتد برتابه كعادتها و هو يجيب ..
    - سالم .. منصور يسوي بحث لروايته لي يكتبها .. عن مرضى الايدز .. و يباني أساعده فيها ..
    كان سالم الذي يكبر سعيد بثلاث سنوات يقف مواجها منصور في غرفة سعيد .. و رغم ما قال الأخير الا أن وجهه لم يلين .. استمر ينظر لمنصور بامعان و القلق يلمع في أفق عينيه .. قبل أن يعلن رحيله ..
    - ع راحتكم .. أنا بسير الحين الدوام ..
    ثم التفت لسعيد .. و قد انقلبت تماما ليقول بصوت خافت مهتم ..
    - تبا شي ..؟
    هز سعيد رأسه بابتسامة و هو يقول ..
    - سلم ع الأهل و العيال ..
    رد سالم الابتسامة التي بدت غريبة على وجهه الخشن .. و جعلته أكثر انسانية و هو يقول ..
    - يبلغ ..
    و خرج تاركا الاثنين خلفه يراقبان مكانه الخالي .. قبل أن يرفع منصور بصره لسعيد الذي واجهه بابتسامة ..
    - شرايك ..؟
    ضحك منصور بخفة ..
    - أنا قلت بيخطبلي ....
    ضحك سعيد ..
    - من يوم كنا صغار و هو شاد شوي .. و يوم مرضت استوا يخاف عليه أكثر عن قبل خص من الناس لي ما يعرفهم .. أنا أقولك انه ما ارتاح لك .. و بيحاول يرمسك مرة ثانيه ..
    - ما ظن ..
    ابتسم سعيد مؤكدا ..
    - بنشوف .. الحين خبرنيه .. شوه ها ..؟!
    و أشار للكيس الذي كان ساجد قد وضعه في زاوية الغرفة قبل أن يقتحم سالم المكان .. بدا الغموض على وجه منصور ..
    - هاته و بتعرف ..
    نهض سعيد على قدميه النحيلتين ليلتقط الكيس عن الأرض و يحضره لمنصور الذي وضعه على طاولة القهوة العتيقة و هو يشير بيده لها ..
    - افتحها ..
    تردد سعيد للحظة و منصور يحثه بعينه مشجعا .. ثم تقدم ليخرج علبة من الورق المقوى من الكيس ..
    حين وضعها على الطاولة أمامه بدت الدهشة جلية على وجهه ..
    - شوه ها ..؟
    - هذا سوني ..
    نظر مستفهما ..
    - سوني ..؟
    - لعبة اسمها بلاي ستيشن .. توصلها بالتلفزيون و تلعب ..
    ضحك سعيد بهدوء ..
    - شوه ياهل أنا ..؟ .. و بعدين امنوه قالك انيه أعرف العب بهالألعاب ..؟ أنا ما أعرف زر التشغيل من غيره ..
    - أولا هب بس اليهال لي يلعبون بها .. أما عن اللعب .. أنا بعلمك تلعب ..
    هز سعيد رأسه رفضا ..
    - تعلمني ليش ..؟
    ابتسم منصور ..
    - انته ما تقول انك تحب تلعب كورة ..؟
    هو حائر الآن ..!!
    - هيه بس شوه يخصها الكورة في البلاي ستيشن ..
    - انا بخليك تلعب و انته يالس فمكانك .. مع أقوى فرق العالم ..
    نقل سعيد نظره بشك ما بين منصور و علبة الجهاز ..
    .
    .
    - حتى مانشستر يونايتد ..؟؟
    اتسعت ابتسامة منصور ..
    - حتى الإنتـــــــــــــــــر ..!!






    تقف بالباب المفتوح على الحديقة .. و راحة جميلة تغمر كيانها و هي تراها جالسة هناك على العشب ..
    ناحلة .. شاحبة .. و مريضة .. لكنها هنا.. بعيد عن أحضان ملاءة بيضاء لا تعيد لذاكرتها إلا الكفن ..!!
    تلك النسائم تسري بهدوء .. لتلامسها بلطف .. و هدوء .. و كأنما تراعي وهنها و المرض ..
    تمسح على وجهها الطيب برقة .. و تهمس بشي خفي لا يسمعه إلا هي .. فترتسم ابتسامتها المسالمة لتوقد دفء شمعة في قلب أحلام .. التي ما زالت على قدميها .. و قلبها ينظر لوجه تلك المرأة .. و يخفق بخفوت ..
    و كأنما يحاذر أن يكسر نقاء هذه الصورة ..
    ألم خفي تنازع روحها و هي ترى حصة تجلس وحيدة في وسط الحديقة .. و تناهت لقلبها ذكرى قريبة .. حين أقبلت لأول مرة إلى هنا .. و صادفتها هي و تلك البعيدة تجلسان في نفس المكان .. و ضحكات بلا قيود .. حلوة .. حرة .. تسابق النسيم .. لتسري بعيدا عن مكمن أدنى ألم هنا ..!!
    .
    .
    و لكنها وحيدة اليوم .. و رغم ابتسامها لتلك النسائم .. إلا أن حزنا يقطر من تلك العينين الهادئتين ..
    وجع يسكن روحها .. تستشفه أحلام من بريق دمعة يتيمة .. أمسكتها تلك بقوة .. تمنعها من الانفلات ..
    .
    .
    كلنا يدفن ألمه ..
    كلنا يحب أن تتنازعه أوجاعه خفية عن أعين الغير ..!!
    هذا يبث في أرواحنا رثاءً غريبا .. و إدراكا مميزا .. بأننا نتألم لوحدنا .. و مع ذلك .. لا زلنا صابرين
    .
    .
    دفعت أحلام قدميها تتوجه نحو حصة .. تطوي المسافة برفق.. تخشى أن تثني رؤوس الأعشاب تحت قدميها ..
    لتصل بهدوء لها و تجلس بجانبها على الأرض .. تداعب يدها العشب المبتل .. و ابتسامة لا تخبو على شفتيها ..
    تعلمت هنا .. كيف أن الابتسامة لن تكلفك شيئا .. لن تكلفك سوى احساس جميلا تزرعه ببساطة بشاشتك في قلوب الآخرين .. لتهمس بهدوء همسة لم تحملها النسائم قيد خطوات ..
    - صباح الخير ..
    و ها هو السلام مرة أخرى ينبثق من عيني تلك المرأة ليسكن روح أحلام ..
    لحظات .. و تتمنى لو أنها هذا السلام يسود عالمها للأبد ..
    - صباح النور ..
    - ما شا الله طلعتي اليوم .. شكلج واايد أحسن عن أمس .. شوه تانسين الحين ..؟
    تومئ بهدوء..
    - الحمد الله ع كل حال .. انتي شحالج ..
    و وضعت يدها على يد أحلام .. التي ارتجفت تحت ملمس يدها النحيلة .. هذه العزيزة ..!!
    كم هي مريضة..!!
    - بخير فدييييتج .. يا الله عااد شدي حيلج .. سهيلة بتيي باكر و الا عقبه .. و تبااج تعابلينها .. الا فلم تشوفينه .. و الا قصة تقرأينها ..
    ابتسمت حصة بحب ..
    - فديتاا .. لو تبانيه ألعب قيس ما عنديه خلاف .. بس ترد ..
    - قيس أونه .. وين ترومين انتي ترفعين وحدة من ريولج .. بترد ان شا الله و بتحشرج ..
    ضحكت بهدوء ..
    - ما عليه .. حتى حشرتاا تولهت عليها .. خبرينيه يا بنيتي .. شوه أخبارها أم حميد وياج ..
    أخفضت أحلام عينيها و هي توصل مداعبة العشب ..
    - ما بتصدقينيه لو أقولج ليتها ما رضت عليه ..
    اتسعت عينا حصة بدهشة .. في حين تابعت أحلام ..
    - أم حميد واايد مستوية هادية هالأيام حتى ما قامت تسب شرات قبل .. من راحت سهيلة و هي على غير عادتاا و الله خالووه .. خاطريه أحدر الحجرة و ألقاها فويهي و تلعن خيري شرا قبل .. ما تعيبنيه حالتاا ..
    ابتسمت مجددا ..و هي تستطرد ..
    - متولهة على صريخها ..
    ربتت حصة على كتفها مطمئنة ..
    - أم حميد متولهة على سهيلة و متضايقة لنها راحت .. هاي وياها من أربع سنين .. عسب كذيه تشوفينها هادية و زعلانة شوي .. و أول ما ترد سهيلة .. بتسمعين صريخها قبل لا تحدرين بوابة المستشفى ..
    ثم ابتسمت مشجعة ..
    - و بتقولين .. أوووه ليت سهيلة يلست يومين بعد ..
    ضحكت أحلام و هي تهز رأسها ..
    - لا ما بقول .. و الله انه حتى صريخ أم حميد استوى يعيبنيه .. أحسها تنفع تشجع العين بدال العمدة ..
    ضربتها حصة بخفة على كتفها ..
    - لا تسمعج بس .. بتصارخ قبل لا تيي سهيلة ..
    واصلت أحلام ملامسة الأرض بهدوء .. و هي تسحب نفسا عميقا .. باردا ..
    شعرت به يتغلغل في خفايا الروح .. فينعشها .. يصلها صوت حصة الهادئ ..
    - شفيج يا أحلام ..؟
    نظرت أحلام بعدم فهم .. فقالت حصة ..
    - شكلج هب عايبنيه .. و ويهج أصفر .. تعبانة ..؟
    هزت أحلام رأسها ..
    - شوي ..
    ما زالت النظرة القلقة تعلو وجه حصة .. فشد أحلام على يدها و هي تطمئنها ..
    - لا تخافين خالووه .. قل النوم بس ..
    - و شوه لي ما يخليج تنامين ..؟
    همست أحلام ...
    - التفكير ..

    * * * * *



    >>
    تتمة


    كانت الضحكات و تختلط بصيحات الحماس التي انطلقت من حناجرهم .. و منصور يضحك بقوة على منظر سعيد الذي كان يتحرك دون أن يعي مع تحرك جهاز التحكم .. و كأنما يلعب على أرض حقيقية .. يجلس على الأرض و هو يصيح ..
    - تشيفشينكوو .. تشيفشينكووو .. لااا .. لااا ..
    و خبط بيده على جبينه حين استطاع منصور ادخال هدف ثالث في مرماه ..
    - يااا ريااال .. أنا قلتلك ماريد العب بتشيلسي .. لعيبتهم معثرين ..
    - ههههههههههههههههههههههههه .. معثرين اونه .. قول انك ما عرفت تلعب و بس ..
    - لو ما عرفت ألعب ما هزمتني 2/3 .. بس اللعيبة خريط .. خلنيه أبدلهم .. و أبدل التشكيلة .. و بهزمك
    ابتسم منصور و هو ينظر لساعته .. مر الوقت سريعا ..!!
    - العب و يا الكمبيوتر و زهب عمرك باكر للهزيمة .. هههههه .. أنا بسير الحين ..
    وضع سعيد الجهاز جانبا و هب واقفا عن الأرض .. يلح ..
    - بدري يا ريال .. خلك شوي بعد ..
    ضحك منصور و يقول ..
    - بدري من عمرك من ثلاث ساعات نلعب .. الساعة ثنعش الحين .. ابا أوصل البيت قبل الصلاة ..
    هز سعيد رأسه متفهما ..
    - ع راحتك ..
    ثم قال بأمل ..
    - بتيي باكر ..؟
    مست نبرته شيئا في داخل منصور .. سعيد وحيد لم يعد له رفاق منذ دهر مضى ..
    - هيه .. تدرب .. برشلونه محد يهزمه ..
    ضحك سعيد ..
    - بنشووف ..
    و دفع منصور كرسيّه نحو الباب يبغي الخروج .. فتح سعيد له الباب .. و حين تجاوز عتبته .. أوقفه النداء ..
    - منصـــــــور ...
    التفت نحوه بتساءل ..
    - همم ..؟
    ابتسم سعيد باخلاص ..
    - مشكــــــــور ..
    .
    .
    شعر منصور بالعبرة تخنقه و هو يهز رأسه بصمت ..
    الصدق الذي انعكس في عيني سعيد و هو يشكره آلمه ..
    .
    .
    كيف للمرء أن يعيش بلا أصدقاء ..!!

    * * * * *

    كان يقف أمام الباب يستجمع شجاعته .. يأخذ نفسا عميقا .. ثم يرفع يده ليقرع الباب ..
    لحظات قبل أن يأتي صوته الغليظ من خلف الباب ..
    - ادخـــــل ..
    دفع الباب ليدلف الغرفة فتقع عيناه على أخيه الذي قان واقفا مقابل المرآة يعدل من شأن لباسه .. سأله بهدوء ..
    - بتسير مكان ..؟
    ألقى نظرة عليه قبل أن يعود فينشغل بصورته المنعكسة أمامه ..
    - هيه .. تبا شي ..؟
    - حمدان أبا أرمسك فسالفة ..
    - سالفة شوه ..
    تنهد راشد قبل أن يقول ..
    - يمكن أول شي تيلس ..
    توقف حمدان عن النظر في المرآة و التفت نحو راشد ليقول بصرامة ..
    - ارمس شعندك ..
    تردد الأخير .. يخشى حقا من ردة فعله اذا تدخل .. و لكنه يكره أن يقف مكتوف اليدين و تلك العزيزة تتأذى رغم سكوتها .. لذلك قال و هو يفرك يديه بعصبيه ..
    - أبا رمسك عن أحلام ..
    و على الفور ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه ..
    - خير .. بلاها أختك ..
    عقد راشد جبينه ..
    - و أختك .. ابا أعرف الين متى بتم مقاطعنها ..؟!!
    عاد راشد ينظر للمرآة بلا مبالاة ..
    - شوه مطرشتنك هي ..
    - لا .. أصلا ما تعرف انيه برمسك في السالفة .. حمدان .. بلاك عليها .. ؟
    يقطر الصقيع من صوته و هي يجيب ..
    - لا تتدخل ..
    أصر راشد ..
    - بتدخل .. انته خوية .. و هي ختيه .. شفيك عليها .. عسب سالفة الشغل .. ريلها لي مخليها تشتغل .. ليش ما قاطعت منصور هاا ..؟
    زمجر من بين أسنانه ..
    - ما يخصنيه في منصور أنا ختيه ماباها تشتغل .. يوم تركب راسهاا عناد عليه و ما تطيع الشور .. لا أنا خوها و لا خشميه بيدق خشمها ..
    - كل هذا لنها اشتغلت .. أحلام لها ثلاث سنين و ظروفها صعبة .. كلنا نعرف كيف منصور غدا نكد عقب الحادث .. ليش ما تباها تغير شوي .. و تظهر شوي برا الحبس لي هي فيه ..
    ارتفع صوت حمدان بغضب .. و الشرار يتطاير من عينيه ..
    - ريلها تتحمله ..هب ترتغد في كل مكان .. أنا ما عنديه خوات يشتغل .. و وصللها هالرمسة .. ما دامت تشتغل .. النفس هب طيبة عليها ..
    و التقط مفتاح سيارته ليخرج و يصفق الباب خلفه بقوة ..
    تاركا راشد يقف مكانه .. و قد أسقط يده ..!!

    * * * * *

    شعرت بأطرافها ترتعش قليلا و هي تشعر بالوهن .. حسناً .. ها هو نقص الجلوكوز قد بدأ يلعب لعبته .. فهي لم تتناول شيئا منذ الأمس ..
    التقطت حقيبتها و مفتاح سيارتها و أغلقت مكتبها متوجهة للخارج ..
    الفترة الصباحية قضتها برفقة حصة و بو ثاني .. و حين أرادت رؤية أم حميد وجدتها راقدة في فراشها بهدوء ..
    تعلم أنها ستلقى عتبا منها على تقصيرها .. مرت من أمام أمينة التي جلست خلف نافذة الاستقبال بملل لترفع يدها مودعة ..
    تدفع الباب الخارجي للباب .. لتعانقها أشعة الشمس بدفء .. أذاب برودة التكييف التي أثلجت جسدها منذ دقائق ..
    حكيم يجلس عند الباب .. هذا الوجه الكالح النحيل .. الذي تنضح ابتسامته بانسانية صادقة لم يسبق لأحلام أن رأتها قط ..!!
    و تستقل سيارتها لتنطلق متوجهه للبيت .. تشعر بالتعب و الوهن يغزوها الآن ..
    كم تود لو أن لهذه السيارة محرك ذاتيا كي تستلقي هي قليلا لتغفو حتى تصل للبيت ..!!
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    كان المساء قد أزف بسرعة.. و المحبرة العملاقة قد انكسرت على حدود الفضاء .. لتغرق الدنيا حبرا أسودا .. فلا تتبين حروف الضوء على صفحة السماء ..!!
    .
    .
    - أحلام وين ..؟
    هزت تلك رأسها ..
    - مدام أحلام قول مايريد عشا ..
    عقد جبينه .. لا .. انها ليست على ما يرام متأكد من ذلك .. لم تشاركه الغداء .. و الآن لا تريد العشاء .. ما الأمر ..؟!! هل تتجنبه ..؟
    أشار برأسه للخادمة آذنا لها بالذهاب .. ثم حرك كرسيه متوجها نحو غرفة النوم .. حين وصل قبل ساعة من الصالة الرياضية .. كانت تستلقي على السرير .. لم يكلمها .. و لم تحدثه هي ..
    دفع باب غرفة النوم بهدوء .. ليدلف بكرسيه .. فتقع عينيه عليها و هي تستلقي على الفراش ..
    كانت مغمضة العينين ..
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    و لكنها لم تكن نائمة .. شعرت بدخوله .. و لم تقوى على فتح جفنيها .. الإرهاق يغزو جسدها بقوة .. لا تدري ما الذي دهاها .. حتى أنه لم تجد في نفسها الرغبة بتناول الطعام .. رغم جوعها المنهك ..
    كل ما تريده هو الاستلقاء .. أن تسدل جفنيها المثقلين و تغرق في الظلام المريح .. إلى مالانهاية ..
    تسلل لأذنها صوت صرير إطارات كرسيّه على الأرضية الرخامية .. و شعرت به يقترب و لم تفتح عينيها .. و لدقائق ساد الصمت الغرفة .. هل رحل ..؟!!
    سرعان ما انتفض قلبها بلهفة .. حين شعرت بأنامله تلامس وجنتها الشاحبة برقة .. و لفحها دفء أنفاسه و هو يهمس برفق ..
    - أحــــــــــلام .. انتي راقدة ..؟
    قاومت رغبة حمقاء تدفعها للتظاهر بالنوم .. لا تريد لهذا الحنان أن يخبو حالما تفتح عيناها .. و لكنها تنهدت و هي لا تزال مغمضة العينين .. لتقول بخفوت ..
    - لا ..
    يداعب خصلات شعرها المتناثرة على المخدة حالكة السواد .. شيء آخر ورثته من أمها غير مسمى بنت الهندية ..!!
    - انزين طالعيني ..
    تفتح عينيها بتعب .. لتصطدم بوجهه .. كان قريبا للغاية .. و نظرة القلق في عينيه .. أربكتها ..
    - شفيج أحلام ..؟ شي يعورج ..؟
    اندفعت دموعها الغبية لزاوية العين فتنشقت الهواء بسرعة تمنع تدفقها .. تشعر بنفسها ضعيفة .. ضعيفة جدا .. و لاتقوى على مقاومة نبرته الحانية ..
    هذه من اللحظات التي يصبح فيها هذا الرجل لها .. الوريد .. أو أدنى ..!!
    خشيت أن تجيبه فيتضح الألم الغريب الذي يجتاحها .. فعضت على شفتيها و هي تهز رأسها بـلا ..
    و لكن صوته الرقيق لازال يحرك إحساسها الذاوي ..
    - شي مزعلنج ..؟!
    هزت رأسها نهيا مرة أخرى .. و قربه ينبش أحاسيسها الدفينة .. يستفز دموعا تقف على أعتاب الجفن بلا مأوى .. تنشد الرحيل لتسقي خدها الظامئ ..
    لتلامس أنامله المستريحة على وجهها ..!!
    - ليش ما تبين تاكلين ..؟
    شعرت بأنها طفلة .. و هو ينظر لها بعتاب .. لترد بصوتها المبحوح ..
    - ما أشتهي ..
    ركز عينيه في وجهها للحظة .. و ضربات قلبها تتعالى .. قبل أن يقول بحزم ..
    - خلاص يا الله نشي تزهبي ..
    عقدت جبينها ..
    - ليش ..؟
    - بوديج العيادة ..
    - ليش تودينيه ..
    قال بصراحة ..
    - لنج تعبانة .. و ميهودة .. و ويهج أصفر .. و أعرف انج مريظة حتى لو ما قلتي ..
    قالت بوهن ..
    - خيبة كل هذا لنيه ما تعشيت .. خلاص ياخي .. بنش الحين أتعشى ..
    قال بقوة ..
    -أحــــــــــــــــلام ..
    و لكنها ابتسمت مطمئنة ..
    - منصور ماشي و الله بس تعبانة لنيه ما قيلت .. بتعشى و برقد و باكر بيخوز التعب ..
    و لكن ابتسامتها المرتجفة تؤكد مدى إرهاقها ..
    رفعت غطاء السرير عنها .. لتنزل بحركة بطيئة .. و هي تشعر برأسها يكاد ينفجر ..
    سيعميها هذا الصداع ..!!
    تشعر بقدميها الواهنتين ضعيفتين .. و باب الحمام الذي لا يبعد خطوات يفصل بينها و بينه أميال ..
    منصور يقول شيئا لم يعد ذهنها يتبينه .. و الصورة أمام عينها تهتز بشكل ما ..
    و يكسو البصر ضباب لا تكاد تخترقه ..
    و للحظات لم يعد لها وزن ..
    أصبحت أخف من الهواء الذي تخترقه و هي تهوي في قعر الظلام ..!!

    * * * * *

    يقف الاثنان و الثالث على كرسي خشبي أًحضر له .. يسند بجانبه عكازيه .. و ينتظرون أمام غرفة الفحص .. و يتأملهما هو بحذر ..
    الصمت يخيم على المكان .. و لا صوت يخترقه سوى صوت خطوات أخيه الذي تقطع الممر ذهابا و ايابا ..
    لو كان في موقف غير هذا .. لسخر منه في وجهه على الكلمات التي ألقاها ظهر هذا اليوم ..
    ليست لديه أخت تعمل ها ..؟!! اذا لماذا كل هذا القلق عليها .. و هذا الخوف و الحرص .. انه يقاطعها منذ ما يقارب الشهرين .. و لكنه نسي كل شيء في اللحظة التي اتصل فيهما منصور ..
    و استعاد في داخله تلك اللحظة العصيبة التي وصلا فيها بيت أختهما ليجداها ملقاة على الأرض و زوجها يجثو بجانبا محاولا إيقاظها ..
    للحظة فظيعة هناك ظن أنه رأى شبح الموت على وجهها الشاحب .. و هي تستلقي بلا حراك .. و منصور يصرخ بها محولا إعادتها لعالمهم ..
    التفت لزوج أخته الذي لم ينبس ببنت شفة منذ وصولهم ..كان يحني رأسه متأملا الأرض .. شيء ما في وجهه حرك فرحة في غير وقتها داخله .. و هو يرى خوفه على أحلام .. الذعر في صوته حين اتصل بهم .. و هذا القلق البالغ .. جعل راشد يدرك في قرارة نفسه .. أن أخته تعني الكثير لهذا الرجل ..
    دائما كان يشفق على أحلام .. لم يعترض مثل حمدان على موضوع عملها .. لأنه يعلم في أي قوقعة تعيش مع منصور منذ ثلاث سنوات ..
    يحزنه ذاك الشعور بأن أحلام مُتَجاهله من قبلهم .. و مُهملة ..
    .
    .
    يؤلمه إحساس خفي يؤكد بأن أحلام منسية ..!!
    كان يرثي حالها حين يدرك أن خلف ابتسامتها التي تقابلهم بها .. حزن دفين يجعله متأكدا أن سببه هو الجفاء الذي اعتكفه منصور نحو الجميع منذ الحادث .. و لطالما تمنى أن تنصلح الأمور .. أن يعود منصور بمعجزة لسابق عهده ..
    فيلمس الفرحة و الأمان مجددا في عينيها .. لا ينكر أنه قد مرت عليه لحظات شعر بأنه ليس من العدل أن تبقى مع هذا الرجل الذي لم يرى بادرة واحدة منه قد تدل على أنه يكن لها شيء يجعلها تتمسك به رغم بروده اتجاهها ..
    و لكن الآن .. يشعر براحة حقيقية و هو يرى الألم يرتسم على محيا منصور بقوة .. هذا يعني أن أحلام تسكن في داخل هذا الرجل .. و أنه يكره أن يفقدها ..
    لقد رفض بقوة عرضهم أن يحضروا كرسيا متحركا له .. رغم أنه سيسهل عليه التحرك به أكثر من هذه العكازين و القدم المريضة التي تعيقه ..!!
    الآن و هم ينتظرون أن يخرج أحدهم من غرفة الفحص .. ليطمئنهم عليها .. كلٌ منهم لم يستطع إخفاء حقيقة ما يجول في خاطره ..
    .
    .
    سحب نفسا عميقا .. و هو يرجو شيئا واحدا .. أن تكون تلك الحبيبة بخير ..
    فهناك الكثيرون الذي يهمهم أمرها ..
    انتفض بغتة حين فتح باب حجرة الفحص .. رأى حمدان يحث الخطى نحو الطبيبة التي خرجت للتو من غرفة الفحص ..
    و منصور يحاول بقوة التوازن على عكازيه و قدمه الضعيفة و هو يقترب جاهدا منهم .. تقدم هو الآخر منهم .. و حين وصل كان حمدان يسأل بلهفة ..
    - ها دكتوورة بشري ..؟؟
    نظرت له الطبيبة متسائلة ..
    - انتا جوزا لمدام أحلام ..؟!!
    أشار حمدان بقلة صبر لمنصور ..
    - أنا خوها .. و هذا ريلها ..
    ابتسمت تطمئنهم ..
    - أي ما في داعي للخوف .. ما بها شي المدام بس عم تدلع عليكوو ..
    رأى راشد رغبة حمدان في لكم الطبيبة جلية على وجهه الغاضب .. فسألها بسرعة ..
    - شوه تدلع الله يهديج .. الحرمة طايحة من طولها .. اكيد شي فيها ..
    اتسعت ابتسامتها مرة أخرى .. الآن هو من يرغب في ضربها ..!!
    - أي لأاا .. ما بهاا شي .. بس شوي إلة تغزية .. أسرت علياا .. بس شي طبيعي عند كل الحوامل .. كتير منون بيحصلون هيك في فترة الوحام ..
    .
    .
    للحظات لم يعد هناك صوت سوى صدى أنفاسهم المرتفعة .. ارتجفت يد منصور الممسكة بالعكازة .. و كاد يتهاوى ..
    بدا التعبير الذي على وجهه غير مفهوم أبدا .. و تعالت أنفاسه و هو يهمس بتقطع ..
    - حــــــــوامل ..
    ثم رفع عينه للطبيبة يسألها بشيء من التوسل ..
    - أحلام حامل ....؟!!
    هزت رأسها بحبور ..
    - آآي حامل .. و بالشهر التاني كمان ..
    تراجع منصور ببطء ليسند جسده على الجدار .. و يده ترتعش .. رفع راشد بصره نحوها حين وجد صوته ..
    - و الحين شوه الحال عليها ..؟
    - ما فيه إشي .. بدنا نعطيّا مغزي لساعا .. و نئطب الجرح لي براسا بعد الطيحا .. و بعدا تئدر تروح البيت .. بس ياليت تكون تحت رعاية أكتر من هيك .. المدام حامل هلأ .. و بدا عناية خاصة .. لنوو الحامل تغزيتاا بتختلف و محتاجة مداراة أكتر ..
    ثم نقلت بصرهم ما بينهم معاتبة ..
    - ديروو بالكوون علياا .. هي كتير نحفانة و نائصة مواد غزائية .. بليز يا إخوان .. ما بدي أشوفا هوون مرة تانية بسبب نئص تغزية ..
    ابتسم راشد مطمئنا ..
    - ما عليه دكتوورة .. ازهليها .. و يعطيج العافية ما قصرتي ..
    ردت ابتسامته ..
    - الله يعافيك ..
    و استدارت خارجة قبل أن يوقفها صوت منصور الأجش ..
    - دكتــــــــــورة ..
    التفتت نحوه ليسألها ..
    - أبا أشوفها ....
    لم يسمع راشد ما الذي أجابت به الطبيبة .. لأن ذهنه تركز على حمدان الذي توجه نحو الباب الخارجي لمبنى الطوارئ ..
    اندفع خلفه بسرعة ..
    - حمـــــــــــــــدان ...
    توقف حمدان لينظر إليه ببرود ..
    - نعم ..
    - وين ساير ..؟
    - برد البيت ..
    - و أحلام ..؟
    لم يهتز طرف جفنه و هو يقول ..
    - بلاها ..
    - ما تبا تطمن عليها ..
    هز كتفيه بلامبالاة يعرف راشد جيدا أنها كاذبة ..
    - خلاص .. اطمنا عليها .. و انته خلك هنيه ..
    و مد يده بمفتاح سيارته ..
    - يوم يخلصون و يظهرونها وصلهم البيت ..
    - و انت ..؟
    - بتصل بواحد من الربع يمرنيه ..
    ألح راشد ..
    - حمدان دخـ ..
    و لكن حمدان رفع يده بصرامة مقاطعا ..
    - بس خلاص .. لي صار ما بيغير شي من الوضع .. أنا ما نسيت شي ..
    ثم أدار ظهره لراشد .. و ترك المكان بسرعة ..
    .
    .
    حقا أخي ..
    إلى متى ستظل ترتدي قناع القسوة الكاذب هذا ..؟!!

    * * * * *

    عينيها التين أرختا أسدالها بوهن .. و وجهها المتعب .. و إبرة اخترقت ظاهر يدها اليسرى لتمدها بالعلاج و هي بلا وعي .. فيما جلس هو على كرسي بجانبها ..و يمر بناظره عليها ..
    ملقاة بلا حيله على الملاءة البيضاء .. فيمد يده ليمسك بيده اليمنى .. يحني رأسه ببطء و يلثمها برقة .. ثم يريح جبينه عليها ..
    .
    .
    لا شيء يبرد حرة هذا الوجع الذي يعتصر قلبه ..رغم برودة يدها الذي يستشعرها على جبينه .. إلا أن قلبه ما زال يعيش رعب تلك اللحظات .. منظرها و هي تتهاوى على الأرض مزق فؤاده ..
    أغمض عينيه بقوة يطرد ذكرى تلك الصورة العصيبة .. و ضرب قدمه بالأرض حتى شعر بأنها تكاد تقتله ألما ..
    لم يشعر قط منذ قيد مصيره بكرسي متحرك بالعجز كما شعر و هو يجثو عليها محاولا إعادة وعيها .. عاجزا عن حملها بين ذراعيه ليهرع بها نحو أقرب طبيب ..
    كان عاجزا .. عاجزا ..
    لم يقدر على تحريكها و تحريك نفسه .. و هو يرى ألوان الحياة تخبو عن وجهها الأثير ..
    لم يقوى إلا على الاتصال بإخوتها .. دقائق الانتظار تلك التي فصلت مجيئهم .. كانت كابوسا حقيقيا ..
    ضغط على يدها بشدة .. و فكرة فقدانها لا تزال تدور في مخيلته .. هل سيقوى ذات يوم على رحيل الأحلام من حياته ..!!
    حياته التي لا يكاد ترويه بوجودها .. ماذا لو شدت الرحيل ..؟!! ستتركه وحيدا .. و قد انقلب العالم بعدها لصحراء قاحلة ..
    فكرة فقدانها مزقت فؤاده ببطء .. لتنثره أشلاء لم يستطع لملمتها .. الآن ..؟!! الآن أصبح يشعر بقيمتها و هو يستمتع بممارسة شتى أنواع و ألوان التعذيب عليها ..؟
    حين شعر بأن لحظة ما قد تدنو ليجد نفسه بلا وجود أو أثر منها في حياته .. بعثر إحساسه هذا الشعور
    رفع بصره مجددا ينظر إليها ..
    .
    .
    عليه أن يجدها .. أن يبحث عنها .. أن يعود إليها ليعيدها له ..
    ليس عليه أن يدفعها مجددا للهروب من حياته ..
    تشبث بكفها النحيل بقوة .. و رفع رأسه يناظر وجهها الباهت .. ما زالت غافلة عن كل ما حولها ..
    غارقة خلف غياهب ظلمة عالم بلا أحـــــــــلام .. مهلا .. هي تسكنه الآن ..!!
    شيء واحد أوقد شمعة أدفأت قلبه و هو يضع راحة يده الأخرى على بطنها ..
    لم تعد أحلام لوحدها الآن .. هناك حلم آخر لطالما أرادا نيله ..
    يسكن بين حناياها .. ينمو ببطء ليبث الحياة فيهما من جديد ..

    * * * * *


  • #10
    ملاذية مميزة وغير شِكل..♥
    حالتي : الود طبعي غير متواجد حالياً
    تاريخ تسجيلي: Apr 2012
    عضويتي رقم: 24466
    الدولة: بلا غنوان
    هوايتي: القراءة
    سيرتي الذاتية: مكر مفر مقبل مدبر معا
    عملي: قم للمعلم وفه التبجيلا
    مشاركاتي: 7,072
    معدل تقييم المستوى : 2147483735
    الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى. الود طبعي من افضل السمعات في المنتدى.

    رد: رواية ( احلام منسية ) للكاتبة ليتني غريبة كاااااااااملة


    ●○▐
    بقايـــــــــــــــــــــــا الرؤيــــــــــــــــــــــا الخامســـــــــــــــــــــة▌○●




    شمس كعادتها كل صباح .. تأتي بهون .. لتملأ الدنيا نورا يبث الأمل في كل قلب أظلمه اليأس ..
    و هو يوم آخر ..!!
    .
    .
    و تقف هي في زاوية وحيدة بعيدة .. تدير ظهرها لكل من حولها في تلك القاعة العملاقة .. و عينيها الشاردتين لا تميزان ألوان اللوحة أمامها ..
    تهرب من الحضور .. طوال الوقت و هي واقفة هكذا و تدير ظهرها للعالم .. تبتهل من قلبها أن يمضي الوقت بسرعة لتتمكن من الهروب لملجئها الآمن .. حيث لا خوف .. و لن تصلها أذية ..
    أجفلت بقوة و كأنما أطلق أحدهم رصاصة على ظهرها حين تناهى لأذنها صوت ناعم يتسائل ..
    - موزة ....؟!!
    أغمضت عينيها بقوة .. و ضربات قلبها تتسارع بشدة .. لا تلتفتي موزة .. قد تكون مخطئة ..!!
    و لكن الصوت الناعم بدا أكثر وضوحا و هو يكرر ..
    - انتي موزة صح ..؟!!
    لا لست هي ارحلي .. !!
    ولكن تلك لم تستجب لتوسلها الصامت .. أجفلت موزة حين شعرت بيد تلك المجهولة توضع على كتفها ..
    التفتت موزة ببطء نحو تلك المصرة على التقائها .. و هي تنظم أحرفها المشتتة لتلقي بها في وجه أي سؤال قد يستفز صمتها ..
    و لكن ما إن وقعت عيناها على وجه صاحبت الصوت الناعم حتى اتسعت عينيها بصدمة ..
    هذه آخر من تتوقع رؤيته هنا .. و في هذه اللحظة ..!!
    اندفعت تلك تلفها بين ذراعيها بلهفة دون أن تبالي بالجموع التي تملأ المكان ..!!
    - موووزووووه يا سباااااااالة .. تولهت عليييييييييج ..
    تحشرجت الكلمات في حلق موزة و هي تحبس أنفاسها .. و قبضة تلك تضمها بقوة .. إذا هذا ليس حلما ..!!
    همست بعدم تصديق ..
    - غزيل ...؟؟!!!!!
    ابتعدت غزيل عنها و الابتسامة لا تخفي نظرة العتب ..
    - لا خيالها .. زين و الله بعدج تحيديني ..
    ما زالت موزة مشدوهة رغم الإحراج من حركة غزيل العفوية ..
    - متى رديتي البلاد ..؟
    - آآممم .. من خمس شهور ..
    اتسعت عينا موزة ..
    - خمس شهور ..
    وضعت غزيل يدها على صدرها و هي تنظر اليها شزرا ..
    - شوي لا تاكلينيه بعيونج ..
    ثم ضربت موزة بخفة على كتفها ..
    - شوه بنطول واقفين ع الباب .. قربينا و ضيفينا ..
    عقدت موزة جبينها ..
    - أي باب ..
    ضحكت غزيل من قلبها .. حتى المزاح لا تستشفه هذه الفتاة ..
    - أمزح .. مشي خلينا نسير الكوفي بقهويج ..
    الرفض كان فوريا ..
    - لا ..
    - ليش ..؟
    لكن موزة لم تتحرك قيد أنملة ..
    - آآآ .. أنا ماريد أبعد تعرفين لطوف .. بـتم تدور علـ ...
    نظرت لها غزيل بصرامة و لم تكن تتوقع ردا أفضل ..!!
    - جب زييين .. تعالي ..

    * * * * *

    أصاخت السمع في سماعة الهاتف و هي تحاول جاهدة اخفاض ضربات قلبها .. و تتظاهر بأنها لم تنتبه لنظراته المتأملة ..
    تبتلع ريقها و كلمات زكية المتدفقة لا تلهيها ..
    - معليش يا مدام ما فيش أي مشاكل .. حتوحشينا النهاردة .. بس صحتك أهم ..
    ثم ارتجت السماعة لضحكتها الحلوة ..
    - هههههههههههه .. دي الست حصة طايرة من الفرحة .. أنا لسا ما ئولتش لأم حميد .. دي ما بتديش حد فرصة يتكلم معاها النهاردة .. انتي عارفة سوهيلة راجعة المركز ..
    ابتسمت أحلام بارتباك .. لما لا يوجه نظره لمكان آخر ..
    - سلميلي عليهاا .. انا بشوفاا باكر ان شا الله ..
    - يوصل يا ستي .. ما تغلبيش نفسك خالص .. لو عاوزة الاسبوع دا كوله أجازة ما فيش مشاكل .. أهم حاقة ترجعي لينا زي البومب ..
    ابتسمت بخفة ..
    - ان شا الله .. يا الله زكية .. ما بطول عليج .. فدااعة الله ..
    - مع السلامة ..
    .
    .
    أخفضت الهاتف .. لحضنها .. تعتصره بتوتر .. و هي تقاوم رغبة شديدة بأن تختفي تحت غطاء السرير ..
    لا تدري لما تشعر بحرج بالغ .. سعيدة .. و تكاد الفرحة داخلها تحملها لتلامس باناملها عنان السحاب .. احساس غريب يراودها .. لم يعرفه قلبها قط في أيام عمرها الماضية ..!!
    أشهر فقط تفصلها عن الأمومة .. مهلا .. أي أشهر .. الحنان و الحب لحلمها يسكن فؤادها منذ هذه اللحظات .. و مشاعر حلوة تعيشها كلما فكرت بأنها تحمل بين في أحشائها ذاك الحلم القديم .. الذي لطالما ظنت أنه بعيد المنال .. و لكن الله كان أكرم من يأسها .. فمنحها هذه الهبة ..
    رابط أبدي بينها و بينه .. الشيء الوحيد الذي حققاه سوية .. طفل قد يقلب موازين الأمور هنا ..
    إلهي أتمم علينا هذه الفرحة ..







    - أحلام ..
    صوته الدافئ يداعب أحاسيسها المرهفة .. لا تدري لما أصبحت الدنيا ملونة في عينها تلك اللحظة ..
    هي تنتظر طفلا .. و منصور سعيد بذلك ..
    و لكن ذلك الإحساس الخبيث يسخر منها بقوة .. حمقاء أنتِ ..!!
    نفضته عنها بسرعة .. لن تسمح لأي شيء أن يفسد لحظاتها المميزة هذه ..
    - همممم ..
    - ما تبين تتريقين ..؟!
    هزت رأسها بعدم رغبتها في الطعام .. يعتني بها ..!!
    أبعد هو غطاء الفراش و نقل جسده للكرسي المتحرك بشيء من الجهد ..
    استوى جالسا و هو ينظر لها بإمعان ..
    - لازم تاكلين .. ع الأقل شي خفيف ..
    ثم أدار كرسيه متوجها للحمام .. و نظرت هي في أثره .. حريص جدا عليها الآن ..
    مطت شفتيها و هي تتنهد .. شعرت بسعادتها الآن تتسرب ببطء .. و ابتسمت بسخرية .. حريص جدا .. في السابق لا يكاد يشعر بوجودها ..
    رفعت الغطاء بضيق وتوجهت نحو غرفة تبديل الملابس .. عجبا كيف تبخرت فرحتها بهذه السرعة ..!!
    حين خرجت لغرفة النوم .. كانت خالية ..إذا فقد سبقها لتناول الإفطار .. توجهت للشرفة الخلفية .. لتجده في مكانه المعتاد يقابل جهازه .. و بمجرد أن دلفت الشرفة رفع عينيه ينظر إليها .. ليكتسيها ذاك الخجل من جديد ..!!
    .
    .
    كان يتأملها و هي تقف في مكانها بارتباك .. قبل أن تتقدم لتجلس على الكرسي الأقرب .. بدت هادئة جدا و هي تنظر للطبق الفارغ أمامها .. لماذا تتجنب النظر إليه ؟..
    - تبينهم ييبون لج خبز رقاق و إلا شي ناشف ..
    هزت رأسها و هي تجيبه بخفوت ..
    - لا .. بشرب عصير برتقال الحين ..
    و سكبت بعضا من العصير في كأسها لتلتهي به .. لحظات و يسود الصمت بينهما .. و رغم مواصلته الكتابة التي بدا أنها تأخذ مسارا مختلفا غير ما يريد ذهنه المشغول .. إلا أنه شعر ببعض الضيق من هذا السكون ..
    للحظات فكر بأن يفاتحها بما يريد .. هذا هو الوقت الأمثل .. لكن عليه أن يسبق ذلك بأي شيء قد يريحها من توترها الذي بدا وضحا و هي تشد بأناملها على الكأس حتى ابيضت .. نظر إليها ليجدها تتأمل الكأس الذي لم تمسه ساهمة.. ما الذي تفكر به و يجعلها تركز هكذا ..!! .. اخترق عالمها البعيد بصوته الهادئ
    - عمتيه مريم اتصلت أمس و انتي راقدة ..
    نظرت إليه بغتة و كأنما انتشلها مما هي غارقة فيه .. تابع يقول ..
    - بغت تييج اليوم الصبح بس أنا قلتلها لا تتعبل .. نحن بنييها الليلة ..
    هزت رأسها موافقة ..
    - زين سويت ..
    - و أمايا اتصلت بعد ..
    لمعت السخرية في عينيها و هي تقول ..
    - و بغت تيي هي بعد ..؟!
    لم تعجبه نبرتها هذه فنهرها بصرامة ..
    - كانت تتخبر عنج .. و طمنتها ..
    هزت رأسها بهدوء و احمرار خفيف يغزو خديها ..
    - ما قصرت ..
    سحب نفسا مهدئا ..
    - مرتاحة لنج خذتي اليوم اجازة ..؟!
    بدا جليا على وجهها أنها ترى سؤاله غريبا ..!! رغم ذلك أجابته و هي تومئ برأسها ..
    - هيه .. ما فيّه شدة اليوم أظرب خط ..
    سحب نفسا عميقا ..
    - حلوو .. انزين ابا منج شي ..
    علم أنها متوجسة .. نظرة الحذر تلك في عينيها أنبأته بذلك و هي تجيبه ..
    - شوه ..؟!
    ركز نظره عليها لا يريد أن يفلت أي انفعال قد يغشى عينيها هاتين و هو يقول بحزم ..
    - اباج تودرين الشغل ..

    * * * * *

    استرخت في جلستها و ترتسم على وجهها الابتسامة فيما انشغلت الأخرى في محاولة مستميتة لخلق زاوية لا يمكن لأحدهم رؤيتها منها .. قالت غزيل بأريحية ..
    - خيبة تقريبا سنة من آخر مرة شفتج .. متى .. متى ..؟!! هيه .. في عرس العنود بنت عمج .. الله يغربلج .. انا قلت هاي ماتت .. امررة معاد ذكرتينا .. و لا اتصلتيبنا .. عنبوووه ربيعتج من الروضة أنا ما قد فارقت شيفتج الا يوم عرست ..
    اجابتها موزة بخفوت ..
    - يختي انتي سافرتي عب عرس العنود باسبوعين .. وين أشوفج .. حتى رقمج ماعرفه ..!!
    - لا اتعذرين .. رقميه ويا العنود و الا كان اتصلتي بخواتيه و عطنج اياه .. بس انتي التهيتي و عرستي
    أجفلت موزة كم أطلق عليها رصاصة .. فهمست بألم و هي تخفض بصرها ..
    - خلاص.. انا هب معرسة .. أنا .. آآآ .. تطلقت ..
    ابتسمت غزيل بتعاطف ..
    - ادري ..افتكيتي يختي من الشر .. أنا أحيد علي خوية كان مستغرب من حمدان كيف قرب بـهالعبدالله .. مع ان الشبيبة كلهم يدرون بسواد ويهه .. و انه ماخذ المغربية ..
    لما تنكئين جروحي صديقتي ..؟!!
    - يقول انه ما كان يعرف ..
    لوحت غزيل باستهجان ..
    - و اذا ما يعرف .. ما بيتنشد .. و الا خلاص ولد مطر خطب عندكم بيوافق .. بعدين أنا متأكدة ان هله يدرون .. معقولة ولدهم من شهور مايدروبه وين يبات ليلته ..
    هزت موزة رأسها رفضا ..
    - أنا ما كنت واايد وياهم .. يعني .. آآ .. ظنتيه ما كانو يبونه ياخذنيه ..
    - يعلهم فدوه عن راسج .. ما يستاهلون طرف ظفرج .. وحدة من بناتهم في الجامعة هنيه صح ..؟!
    أخفت وجهها أكثر و كأنما تذكرت من قد يصادفها هنا ..
    - هيه .. سلامة ..
    - حلوو .. نشي ندورها و نصفعها ..
    كانت تتكلم بحماسها العفوي الذي لطالما عرفته موزة .. فهمست بسرعة ..
    - قصري حسج يا الخبلة ..
    ابتسمت غزيل بحنان ..
    - شوي زين لا تنخشين تحت الطاولة ..
    بدا اليأس في صوتها ..
    - غزول ماريد حد يعرفنيه ..
    - و ليش ان شا الله .. ذابحة حد و شاردة ..
    - سخيفة .. بس كيفي .. أنا من كورسين مودرة الجامعة .. يعني بعدنيه أعرف كل البنات لي هنيه .. ما فيّه ألقا حد منهن و تناشبنيه .. دخيلج ..
    - في شوه ..؟!
    أغمضت عينيها لبرهة ..
    - بس مابا حد يعرف انيه تطلقت ..
    - ليش ان شا الله .. مرتكبة الفاحشة ..
    فتحت موزة عيناها بصدمة و همست مستنكرة ..
    - غزيــــل ..
    زمجرت غزيل في ضيق ..
    - جب زييييين غزيل أونه .. ما تعيبينيه انتي .. غادية غير عن موزان لي أعرفها ..
    انكمشت موزة ..
    - ظروفيه ..
    نفخت الأخرى بصبر ..
    - شوه من ظروف بتخليج تعيشين رمسة الناس بدال حياتج .. ها ..
    توسلت موزة ..
    - غزيل .. انتي ما تعرفين شي .. دخيلج غيري الموضوع الحين .. لا المكان و لا الوقت مناسب عسب نرمس ..
    تنهدت غزيل ..
    - ع راحتج فديتج .. شوه تبين ترمسين عنه ..
    - شوه تسوين هنيه ..؟
    ارتبكت غزيل ..
    - آآ أشتغل ..
    - بشهادة ثنوية ..؟!
    - لا .. تطوع بس في المكتبة .. تعرفين عقب ما خلص ناصر دراسة و ردينا البلاد حسيت بالملل ..
    نظرت لها موزة بحسد ..
    - يا حظج ..
    - ليش انتي شوه قاصر عليج .. كملي دراسة و اشتغلي ..
    ابتسمت موزة ساخرة ..
    - هه .. أونه اشتغلي .. تبين حمدان يذبحنيه ..
    - ليش ..؟ العنود قالت إن أحلام تشتغل ..
    - أحلام في ذمة ريلها .. و أنا فذمة حمدان كان ما بيرحمنيه ..
    - ع طاري أحلام .. ما حملت ..؟!!
    ابتسمت موزة بفرحة ..
    - بلى حملت ..

    * * * * *

    اتسعت عيناها بذهول بعدما ألقى بكلماته تلك .. فتحت فمها تريد قول شيء ما .. ثم أغلقته .. يبدو أنها لم تجد الكلمات .. قفزت من مكانها .. و هي تنظر حولها .. كالتائهة تبحث عن شيء أضاعته .. لم تصدق الكلمات التي تفوه بها للتو ..!!
    - منصور .. شوه يالس تقول ..؟
    لم يتراجع .. أعاد بهدوء ..
    - أباج تودرين الشغل ..
    يعيد هذه الكلمات التي تخترق سمعها .. ارتجفت شفتاها ..
    - انزين ليش ..؟
    عقد جبينه .. و منظرها يضعفه ..
    - لنج الحين حامل .. و لازم تراعين عمرج ..
    - و اذا حامل .. أنا هب مريظة و الا بموت ..
    - محد قال انج مريظة و الا بتموتين .. بس أنا خلاص ماباج تشتغلين .. ريحي عمرج و يلسي في البيت .. الحين الوضع تغير ..
    كانت على وشك البكاء .. يرى دمعتها ترتعش على شفير المقلة .. صمتت للحظات طويلة قبل أن تقول بانكسار ..
    - لا تخاااف .. ماشي بيستوي بالياهل .. أدري ان همك كله لي فبطنيه و الا أنا نفاديه ..
    تدلى فكه في صدمة و سحبت هي نفسا عميقا و شفتاها ترتجفان و كأنما تمسك زمام نفسها عن البكاء .. قبل أن يقول بحدة ..
    - شوه تقولين انتي ..
    هوت دمعتها تبلل خدها و صوتها المتهدج يسري مع الشرفة المفتوحه .. ليلامس الهواء ..
    - لي سمعته .. انته هب خايف الا ع الياهل عسب كذيه تبانيه أودر الشغل .. من زمان و انته ما تعطينيه ويه و تتجاهلنيه .. الحين بس تراعينيه يوم حملت يعني .. أنا ما بـ ......
    و قطعت كلماتها لتعض على شفتيها بقوة و تضع كفيها على وجهها .. و هي تتنشق الهواء .. قبل أن تبعد يدها عن عينيها و أهدابها المبتلة .. تقترب منه .. لتجثو على ركبتيها عند كرسيّه و هي تتوسل ..
    - منصور دخيلك .. الا الشغل .. دخيلك .. مابقى الا خمس شهور .. ما بربي الا و أنا مخلصة ..
    ثم همست بصوت متقطع ..
    - انته .. وعدتني ..
    .
    .
    لكن منصور في تلك اللحظات كان مذهولا .. سمع مسبقا عن حساسية الحوامل .. لكن ما هذا ..!!!
    نظر الى وجهها المنخفض و هي تبتلع عبرتها و تتطلع اليه برجاء .. نخر قلبه الأسى .. حقا يستحق كلماتها الشائكة هذه ألديها أي دليل على أنه يهتم بها .. لم يحسن معاملتها الا بالأمس .. يتجاهلها منذ دهر
    كيف له أن يوصل لها حقيقة ما يشعر به .. رفع يده ليريح راحته على رأسها ..
    - أحــلام ..
    قاطعته و هي تنشج ..
    - و الله بحاسب على عمريه .. و لو ما تبانيه أسوق بخلي ساجد يوصلنيه .. بس دخيلك .. عطنيه هالخمس شهور ..
    .
    .
    و أوجعته همستها و هي تتشبث بذراع كرسيه يائسة ..
    - منصــور ..
    أمسك جانب وجهها بيده و أغمض عينيه لوهلة .. قبل أن يقول بصوته العميق ..
    - أحلام .. صخي شوي و صلي على رسول الله ..
    أثر البكاء لا زال في صوتها ..
    - اللهم صلي و سلم على رسول الله ..
    ابتسم لها مهدئا ..
    - عيني خير و هدي شوي .. العصبيه هب زينه لج ..
    بدا الغيظ فورا على وجهها .. لكنه لم يكترث لذلك .. ركز في عينيها المحمرتين ..
    - أولا الرمسة السخيفة لي قلتيها قبل شوي ماريدج تعيدينها .. - و أشار بيده مهددا - و الا يا ويلج .. شوه هالخرابيط هاي .. أنا ما يهمنيه الا الياهل و انتي لا ..؟؟؟
    ضغط على جانب وجهها و هو يقول بهدوء و كأنما يشرح لطفلة ..
    - أدري انا وياج متباعدين واايد .. و انيه مهملنج .. و مقصر في حقج .. و أنا ما قول هالرمسة عسب أسترضيج الحين و الا لنج حامل ع قولتج ..
    أشار بيده الأخرى الى صدره ..
    - أنا أقوله لنيه أحس بهالشي .. أنا ظروفيه صعبة .. و حالتيه هب هينه .. انتي ما تعرفين شوه يعني يكون الانسان عاجز .. الحين يوم قلتلج ودري الشغل احتشرتي .. فكري فينيه .. كيف أنا لي كانت كل حياتيه حركة .. أحصل عمريه فجأة طايح و ما تقوى ريوليه ..
    .
    .
    في حفنة الثواني تلك .. ابتهلت أحلام الله بصمت أن لا يكون هذا حلم سيطويه الصباح مع ظلمة الليل .. منصور أمامها .. لا يفصلها عن احساسه الا كلمات تسمعه يتفوه بها لأول مرة ..
    شعرت بغرابة شديدة و هي تركع بجانب كرسيه .. و يده تستريح على وجنتها .. لم تكن أكثر دنوا لروحه .. أبدا ..!!
    يمسح على رأسها بلطف .. و صوته يتوغل في روحها و هو يعترف ..
    - أنا ما في نفسي الشجاعة عسب أرمس عن وضعيه أو احساسي .. و الصراحة أنا ماريد أرمس عن شي منهن .. بس أباج تفهمينيه .. مرت سنين و انتي وياية .. يمكن ما قد حسستج بالأهمية و الا حتى تقربت منج يمكن أحيانا كانت تمر علي لحظات و أنسى وجودج في حياتيه ..
    و تطعنها هذه الكلمة في الصميم .. و ما زال الاحساس ينزف ببطء .. و الألم الأثير يكسو صوته ..
    - بس أمس يوم شفتج طايحة ع القاع .. و لا منج حركة .. مادريت اذا انتي ميته و الا حية .. و ستين هاجس يودينيه و ييبنيه .. حسيت انج رحتي .. و ما بتردين ..
    شد على شعرها بقوة دون أن يشعر ..
    - ياني الموت و أنا أحاول أوعيج و انتي هب حاسة .. أحلام .. أنا كنت عاجز انيه حتى أشلج و أوديج الدختر .. هاييك اللحظة ما كنت أعرف انج حامل .. و ما كان همي الياهل و الا غيره .. كل لي كنت أباه هو انج تكونين بخير و تنشين ..
    ثم نظر بقوة لها ليقول بصوت أجش ..
    - أنا و انتي كل واحد منا بعيد عن الثاني .. و في فجوة امبيناا .. و تمر أيام ما نرمس بعض .. أحيانا أحس انيه ما أعرفج .. و أنا متأكد انج رغم هالسنين لي مرت علينا ما تفهمينيه ..
    شعرت بأنها كالشمعة الآن .. ريح تخمدها .. و أخرى تزيدها إشتعالا ..
    - بس .. هب خلاص .. ما يسد .. ؟! .. أدري ان القصور هب من صوبج .. و انيه أنا أكثر واحد عليه الملامة .. بس أحلام .. ساعدينيه .. خلينيه أوصل وياج لحياة طبيعية .. أقرب منج .. أعرفج ..
    و هنا نفدت الكلمات .. لم يعد في جعبته الشحيحة غير تلك التي ألقاها للتو ..
    لحظات و هدوء يسود المكان كذاك الذي يعقب القاء الحصي في البحيرة .. لم تعلم ما الذي عليها أن تجيبه به .. رفعت عينيها تنظر لعينيه .. كان واثقا .. مؤكدا .. و صادقا ..!!
    أجبت بخفوت و هي تشعر بالإعياء يجتاح جسدها بعد هذه المواجهة ..
    - منصور كيف تبا تتقرب منيه و انت باديها من أولها غلط ..
    نظر لها بعدم فهم فأمسكت كفه لتعتصرها برجاء ..
    - لا تحرمنيه من الشغل .. أنا مرتاحة و أنا أشتغل .. أغير جوو و أشغل عمريه ..
    جر نفسا عميقا و صمت للحظة .. قبل أن يهز رأسه على مضض ..
    - خلاص برايج كان تبين تشتغلين .. أهم شي تكونين مرتاحة ..

    * * * * *

    شعرت أحلام بالراحة الشديدة حين أقبلت لطيفة و ميثا بالقهوة .. أشارت للطيفة بعصبية أن تأتي لتجلس بجانبها .. فجلست لطيفة بأريحية فيما انهمكت ميثا في صب القهوة و تمريرها للجميع .. فنهرت أمها لطيفة ..
    - لطفين .. نشي صبي بدال بنت عمج ..
    قالت لطيفة بلامبالاة ..
    - عادي أمايا بنت عمي هب غريبة ..خليها تنفعنا .. باكر بتكد البيت كديد يوم بتعرس
    و نظرت لميثا المحمرة بخبث .. ليعلو صوت شريفة و هي تقول بهدوء ..
    - الميث لا تصبين لأحلام قهوة .. يقولون انها هب زينة للحوامل .. صبيلها جاهي حليب ..
    نفخت أحلام في ضيق و هي تلتقط نظرة ميثا و لطيفة الضاحكة فيما اكتفت أمها بالابتسام .. لقد تحقق شيء ما لشريفة الآن .. ألم تكن تدفعها للذهاب للمشعوذة ..؟! تذكرت أحلام قولها ( بس انتي حرمة ولديه و ماشي في الكون أهم عن مصلحته ) ..
    هل تحققت مصلحته الآن بحملها ..؟ لا تعلم .. كل ما تعرفه هو أن الوجه الناعم الذي تقابلها به في وجود منصور تقابله الآن في غيابه .. ما يعني أنها راضية .. شخرت ساخرة حين قالت لطيفة بخفوت و كأنما تقرأ أفكارها ..
    - ما شا الله .. عموه شريفة راضيه عليج اليوم ..
    همست أحلام ..
    - أكيد بترضى .. لي تباه صار ..
    - و منصور يا عشق الامارات .. فرحان ..؟!
    - شوه هالسؤال الغبي .. أكيد .. المهم خبرينيه .. موزان وينها ..؟!
    - في المطبخ الحين بتيي ..
    - شوه سوت في المعرض اليوم ..؟ غزيل يت ..؟!
    أومأت لطيفة ..
    - هيه يت و رمستاا و يلست عندها و طااف لمعرضيه .. ما قول غير مالت عليكن انتن هب ويه ابداعات ..
    - ههههههههه ما عليه معوضة ان شا الله .. شرايج أييب لي عنديه في المركز رحلة يتفرجون ع لوحاتج
    - لا و الله شوه أبابهن العيايز .. ما بيفهمن شي من اللوحة بيقولن شخابيط .. و بيحطم معنوياتيه ..
    ضحكت أختها ..
    - مالت عليج انتي و لوحاتج .. هب منج .. من لي يبا يزيد معجبينج ..
    - معجبين عيايز .. مشكورة يختي ... هاتي لي واحد سنافي .. كشيخ .. يبدي إعجابه بوردة .. بخطبة ..
    - أونه خطبة .. شوه يتفرج عليج و الا على لوحاتج ..
    همست لطيفة ..
    - موزان يت .. لا تنسين .. نحن ما نعرف شي ..
    - لا تخافين ..
    و نهضت لطيفة من مكانها لتجلس بجانب ميثا في استقرت موزة على أريكة أحلام .. لتقول بتلك النبرة الرقيقة ..
    - هاا أحلام .. علومج ..
    ابتسمت أحلام لها .. حقا فرق شاسع بينها و بين كتلة الازعاج لطيفة ..
    - طيبة .. انتي أخبارج .. سرتي و يا لطوف اليوم ..؟
    بدا الحماس على وجهها الأثير ..
    - هيه .. بقولج .. بس و الله ما بتصدقين ..
    تظاهرت أحلام باللهفة ..
    - شوووووووه ..؟
    - قولي منوه لقيت هناك ..؟
    - امنوه ..؟
    قالت بنبرة من يفاجئ أحدا ما ..
    - غزيل ..
    صرخت أحلام بردة فعل مبالغ فيها و هي تشعر بالذنب لكذبها على هذه الطفلة الشفافة ..
    - أووونه ..!!!!
    التفتت أعين الحاضرات نحوها بتعجب .. لتحمر خجلا .. حسنا لا يعجبها أن تتلاعب بموزة .. هناك صدق في تعامل هذا الفتاة يحرج الكاذب ..!!
    ابتسمت موزة لتقول بخفوت ..
    - حتى أنا ما صدقت عمريه يوم شفتاا .. ردت البلاد و ريلها خلص دراسه .. الحين تشتغل تطوع في الجامعة ..
    - وين لقيتيها في المعرض ..؟
    - هيه خلاف سرنا الكوفي و يلست وياها الين خلصت لطووف ..
    ثم التفتت للطيفة ..
    - فديتاا لطفين .. أوني ياية المعرض عسب أشوف ابداعاتاا ..
    نظرت لطوف لتقول ..
    - ليش تطالعنيه .. أكيد تسبنيه ..
    هزت موزة رأسها بسرعة ..
    - لا والله .. بس كنت أمدح لوحاتج ..
    ابتسمت أحلام .. جيد .. تكذب هي الأخرى اذا .. تصنعت لطيفة عدم الرضا و هي تنظر شزرا ..
    - أي لوحات .. انتي ما شفتي شي من المعروضات غير لوحة كحيانة معلقة في آخر الصالة .. و ياليتهااا كانت ليوحتيه .. لوحة زينة حاطينها هناك بالغلط .. مادري شوه كنتي تتأملين فيها ..
    أمسكت أحلام بيد موزة ..
    - قلتيليه يلستن في الكوفي .. ما شفتي حد من ربيعااتج .. ؟؟
    - لا .. بس بنات كنت أعرف لقيتهن هنااك ..
    - حلووو .. شرايج في الجامعة الحين ..
    - عاادية ماشي تغير ..
    بدا الأمل في صوت أحلام ..
    - انزين ليش ما تردين تدرسين ..
    هزت موزة كتفيها و هي تخفض صوتها ..
    - مادري .. بس أفكر ..

    * * * * *

    الممر غارقا في الظلام الدامس .. و تتلمس هي طريقها بلا هداية ..
    الظمأ أيقضها لتقصد المطبخ ..
    الهدوء يعم المكان .. و صمت الجدران يردد خطواتها المكتومة ..
    .
    .
    و تقترب من غايتها ببطء ..
    قبل أن يجمدها الخوف في مكانها ..
    و توقف شعر رأسها رعبا و هي تصيخ السمع جيدا ..
    .
    .
    الصوت يسري عبر الممر ليصل أذنيها ..
    هي لا تتوهم ..!!
    هذا صوت نشيج متوجع .. لا يشبه البكاء العادي إطلاقا ..
    شيء ما يحمله صوت البكاء كأنين حيوان جريح .. أفزعها ..
    لتلتصق بالجدار خوفا و هي تحاول إخماد طبول قلبها ..
    و الصوت مستمر في العلو ..
    .
    .
    من هذا الذي يختفي تحت ستار الليل ليسكب أحزانه ..!!


    * * * * *

    غادرت للتو متوجهة نحو عملها .. لا ينكر هذا الضيق الذي يجتاح صدره .. لم يعد راغبا بأن تعمل .. و لكنه مضطر لمجاراتها ..
    لا يريد إفساد هذه الهدنة .. ما زال أمامهم الكثير ليبذلوه كي يصلوا لحدود شواطئ لم يعرفوها من قبل ..
    تنهد و هو يغلق جهازه بعد أن وجد أنه لا رغبة له في الكتابة الآن ..
    فكر في سعيد و تذكر وعده له بأنه سيحضر بالأمس و لكنه أخلف ذلك من أجلها .. لا بأس سيعوض الزيارة بهذا اليوم ..
    و أدار كرسيه متوجها للباب قبل أن يعلو رنين هاتفه المتحرك ..
    رفعه ينظر لذاك الرقم الغريب الذي ارتسم على شاشته .. لم يتردد في الرد .. أجاب بسرعة و هو يضع السماعة على أذنه ..
    - آلوووه .. مرحباا ..
    أصاخ السمع قليلا .. قبل أن يعود فيقول ..
    - هيه نعم وياك منصور حمدان .. منوه الريال ..؟!!
    و مع تدفق الكلمات في أذنه .. عقد جبينه بحيره ..
    - هيه عرفتك ..
    .
    .
    ماذا يريد يا ترى .. ؟!! هل توقع ذاك في محله ..؟!!

    * * * * *

    اعتصرت سماعة الهاتف و هي تبتسم ..
    - ياخي ما وراك محاظرات .. اذييييتنااا ..
    صوته الغليظ يمازحها ..
    - أنا قلت أحلام هب ويه سوالف .. المفروض أتصل بلطفين .. بس هاي بعد حشرة ما تنعطى ويه .. المهم بسير قدا ربعيه الحين ورايه محاظرة ..
    - الله يحفظك ..
    بدت السخرية في صوته ..
    - شووه الله يحفظك .. لحظة شوي ..
    - رشووووووووود أخرتني ..
    - رشود فعينج .. أصغر عيالج .. اسمعي أباج توصلين رسالة لريلج ..
    ضحكت ..
    - رساله أونه شوه من رسالة هااي ..
    قال بخبث ..
    - سلمي عليه و قوليله يقولك راشد ..
    و فجأة انقلب صوته لغناء طفولي ساخر ..
    - عمي منصور النجاااااار يضحك و في يده المنشااااااار .. قلت لعمي يصنع لي بيتا من لعبة .. هز رأسه و قااااااااال .. أنا أهوى الأطفاااااااال .. بعد قليييل رحت اليه .. شيء حلووو بين يديه .. سوااااه عمي منصووووور .. أجمل من بيت العصفووووور ..
    - و الله انك خبل .. وين انته من الشباب عسب تغني كذيه بيفضحونك ..
    - بينيه و بينهم كيلووو .. يا الله حلووم ..
    - ما داااااني هالاسم ..
    - جب .. تباني أدلعها بعد .. شوه ريلج .. يلا هنااك ..
    أغمضت عينيها بتوسل ..
    - رشوووود أبطيت ع العرب ..
    - صدق ما عندج سالفة .. مأخرتنيه ع محاظراتيه عسب سوالفج البايخة .. قلبي ويهج يا الله و لا تتصلين مرة ثانية الا و أنا راقد .. بتحصلينه مغلق ..
    - هههههههههههههه إن شا الله ..
    فجأة انقلب صوته للجدية ..
    - يا الله حبيبتي شي فخاطرج ..
    ابتسمت أحلام بحنان .. مجنـــــــون..!!
    - سلامة راسك فديتك ..
    - الله يسلمني و يسمنج .. سلمي سلمي ع الغراشيب لي عندج ..
    - مالك إلا سوما .. يبلغ ..
    - شوه سوما .. اسمها سيلاني ..
    - لا يا الخبل .. لبنانية بتطير فوادك من تشوفهاا ..
    - يا ويل حاليه .. عيل بتغدا عندج في الدواام اليوم ..
    - لاااااااااااا دخيلك .. رشووود ما كنت بتصكر من شوي ..؟؟
    و .....
    طوط .. طوط .. طوط .. طوط ..
    أغلق الهاتف في وجهها .. تنهدت أحلام بصبر .. رغم ثقل ظل راشد .. إلا أن نكاته السخيفة تلك تسليها .. خرجت من مكتبها و الشوق يدفعها دفعا .. سهيلة عادت بالأمس لا بد أنها في غرفتها الآن ..
    تجاوزت باب بو ثاني الموارب .. و خليفة المغلق .. متوجهة نحو غرفتها .. و لكن قبل أن تصل إلى الغرفة المجاورة صم أذنيها صراخ مألوف .. لم تعد تسمعه منذ فترة ..
    - شوه هاااي هاااا ؟؟.. تبينيه آكلهاا نية .. تكذبين عليه زكيوووه .. أكيد السمسومة يعلها السم هي لي مسويتنيه هالخبز .. و الا حكيم ما ييبه نيّ .. ظكي هناك .. أقووووولج خوزي عنيه و الا سنعتج .. قليلات خير .. يا ويلكن من ربكن .. نحن ذنوووب عليكن .. بيحاسبكن رب العالمين .. لي تغربلنااا و نحن في ذمتكن .. آآه منكن .. بموووت أنا .. بمووت ع ايديكن .. ترفعن ليه السكري و الضغط .. تبن لي الموووت .. الواااحد يوم يجود ييبين خيره في نفعته .. و الا انتن خيركن من عدمه .. حسبي الله عليكن .. كان ما بتنفدنيه قبل يوميه ..
    .
    .
    ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها و هي تصيخ السمع بوله .. و صوت أم حميد يتردد في غل أطرب قلب أحلام ..
    يمكنها الرقص على أنغام صيحات هذه العجوز ..
    .
    .
    كم افتقدتها ..!!

    * * * * *
    .. .. .. ..

  • + الرد على الموضوع
    صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 الأخيرةالأخيرة

    معلومات الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

       

    الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

    مواقع النشر (المفضلة)

    مواقع النشر (المفضلة)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك